|
|
|
الساخر
| 43846 | السنة 131-العدد | 2006 | ديسمبر | 23 | 3 من ذى الحجة 1427 هـ | السبت |
|
عدنا.. كيف أصبحت كاتبا؟
|
كتب : يوسف معاطي |
يطيب لكثير من الكتاب وهم يكتبون لنا عن نشأتهم أن يظهروا لنا وكأنهم ولدوا من بطون أمهاتهم كتابا.. ومفكرين.. ولقد قرأت لكتاب يصفون لنا رحلة طفولتهم يقولون فيها انهم كانوا يأتون بأفعال في طفولتهم تؤكد فيما لا يجعل هناك مجالا للشك أن هذا الطفل المعجزة.. سيصبح كاتبا في النهاية.. ولقد تورطت أنا شخصيا في اشياء من هذا القبيل, وكتبت منذ عدة سنوات عن ملامح الكتابة التي ظهرت آثارها علي شخصي منذ أن ولدت.. فلقد كنت أنام واضعا يدي تحت رأسي.. تماما مثل صورة أحمد بك شوقي أمير الشعراء.. وأنني كنت حينما ابكي لا يسكتني لا شخشيخة ولا بزازة.. وإنما ورقة وقلم أو قصيدة للمتنبي.. وإني اعترف لكم الآن بأن كل هذا التهجيص لم يكن له أي علاقة بالحقيقة.. والحقيقة أنني كنت طفلا عاديا جدا.. أقرب الي الرزالة مني الي أي شيء آخر..
ولقد قلت أيضا انني كنت منذ نعومة أظافري احلم بأن أكون كاتبا.. وهذه أيضا كذبة.. ففكرة أن أكون كاتبا هي فكرة لم ترد علي خاطري حتي كتابة هذه السطور.. ولم تكن الكتابة سوي هبوط اضطراري علي الحياة بعد ان فشلت في كل شيء, تمنيت أن أكونه.. وكانت فكرة أن أكون ضابطا بالجيش فكرة ملحة.. لطفل ولد في حضن ثورة يوليو..
خصوصا ان علي ابن الجنايني دخل الجيش وعلق الرتب دون أي وسايط في رد قلبي, مما أعطاني أملا كبيرا في أن أحقق أمنيتي.. ولما كانت إمكاناتي الجسمانية عقبة حقيقية في أن أصبح ضابطا, فلقد تخليت مرغما عن الفكرة مستبدلا إياها بأن أطلع دكتور.. ولكن مجموعي في الثانوية العامة كان يؤهلني لأن أصبح مريضا وليس طبيبا.. فكرت بعدها في الغناء.. متخيلا حياتي الليلية بين الأفراح والفتيات والديسكوهات ومدير أعمالي يلهث خلفي.. ليس له عمل سوي أن يقول لي كل شوية.. أولع لك سيجارة يا نجم.. ولكن الظروف المادية حالت بين أن أكون مطربا.. فاتجهت الي التمثيل.. وفي امتحان المعهد قال لي الاساتذة العظام سعد أردش وكمال ياسين وكرم مطاوع وزكريا سليمان.. انني الوحيد الذي لم تختلف اللجنة عليه.. وكان رفضي بالإجماع..نسيت أن أحكي لكم عن محاولتي لكي أكون لاعب كرة قدم.. حينما انضممت لمدرسة الزمالك الكروية.. ولم تكن الخلافات الإدارية في النادي موجوده أيامها.. والتي كادت تنشب بسببي.. حينما ناداني مدير الكرة.. وانا في الملعب.. وسألني.. أنت بتعمل أيه هنا!! فقد اعتقد أنني واحد من الجمهور تسلل إلي المباراة.. بينما والله أنا كنت بالعب..
وفي جلسة مصارحة مع نفسي.. حاولت أن أعرف أنا ماذا أريد أن اكون بالضبط.. باختصار كنت أريد أن أكون شيئا مشهورا يكسب فلوسا كثيرة وتحبه البنات جدا.. ولقد أدركت تماما أنني فشلت في كل ذلك.. فقررت بسرعة.. أن أفكر بطريقة عكسية وأحاول أن أكون شيئا مغمورا يكسب فلوسا قليلة ولاتحبه البنات إطلاقا.. فإذا بي اصبحت كاتبا..
ولقد سألني أحدهم لماذا لم تشتغل بالسياسة؟ وهو سؤال يحمل في طياته كراهيه دفينة لشخصي.. فقلت له.. اكون وزيرا مثلا.. أو رئيسا للوزراء حتي.. هذه وظيفة غير مضمونة ثم ان السياسي هو شيء مشهور يكسب فلوسا كثيرة وتحبه البنات جدا.. وينتهي غالبا, في السجن. ولقد سئل مرة بسمارك السياسي الألماني الأشهر عن السر في نجاحه في عالم السياسة.. فأجاب الصدق فلما قيل له.. كيف والسياسة ماهي إلا مجموعة من الأكاذيب؟.. فقال.. نعم الصدق هو خير السياسات ولكني أصدق بأسلوبي الخاص..فقد اتفق الناس علي ان السياسي الداهية هو أستاذ بارع في الكذب والمراوغة, فكان خصومي يظنون دائما انني أكذب.. وبذلك يقعون تحت هذا الوهم في أخطاء جسيمة.. فأنا أقول صدقا وهم لا يصدقونني ويتصرفون علي هذا الأساس.. وكان أول تصريح يصرح به بسمارك بعد هذه المقابلة تصريحا كاذبا.. ظنه خصومه صدقا وتصرفوا علي أساسه.. وأني لأعجب في النهاية من ذلك الهجوم الشديد الذي يتعرض له الكتاب وأتعرض له أنا برضه.. من كتاب آخرين.. برغم أننا جميعا في مركب واحد.. تضم كل الفاشلين في المجتمع الذين لم يجدوا لهم عملا آخر.. غير هذه المهنة..
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|