لقراءةالنص بالعربى  الصفحة الأولى  مصر  الوطن العربى  العالم  تقارير المراسلين  تحقيقات  قضايا وآراء  إقتصاد  الرياضة  ثقافة وفنون  المرأة والطفل  يوم جديد  الكتاب  الأعمدة  ملفات الأهرام  لغة العصر  شباب وتعليم  الوجة الآخر  شركاء فى الحياة  الغنوة  الساخر  شباب اليوم  دنيا الكريكاتير  بريد الأهرام 

مواقع للزيارة
إصدارات الأهرام
 
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
مجلة السياسة الدولية
الأهرام المسائى
الأهرام ويكلى
الأهرام إبدوا
الأهرام العربى
الأهرام الإقتصادى
مجلة الشباب
مجلة الديموقراطية
مجلة علاء الدين
لغة العصر

إعلانات وإشتراكات

عناوين الاهرام الإلكترونية

تحقيقات

43766‏السنة 131-العدد2006اكتوبر4‏11 من رمضان 1427 هـالأربعاء

الانتصـار‏..‏ والثغـرة
‏10‏ آلاف و‏500‏ دانة مدفعية خلال الدقائق الأولي للمعركة
حصار بحري علي إسرائيل لأول مرة في تاريخ الصراع
بقلم‏:‏عبــده مباشـــر

في لحظة تاريخية مضيئة ومهيبة مكللة بالغار ومشبعة بالجلال‏..‏ بدأ المشهد الافتتاحي لمعركة ثأرية بكل المعاني‏,‏ هذا المشهد الذي لم تسجله لاكاميرا ولاقلم وفقا لقرار من القيادة العامة للقوات المسلحة‏,‏ ولاصرار من جانب عدد كبير من القادة علي تجنب توثيق هذه اللحظات التي يمكن ان يحيط بها الفشل‏,‏ فالمعركة ليست كأي معركة‏,‏ فهي أولا‏:‏ تأتي عقب ثلاث هزائم موجعة دارت رحاها خلال الفترة من‏1948‏ وحتي‏1967,‏ ثانيا‏:‏ ثانيا أول معركة هجومية منذ أكثر من‏130‏ عاما‏,‏ فالجيش المصري خاض معارك دفاعية طوال هذه السنوات‏.‏ وثالثا‏:‏ لأن القوات المسلحة تخوضها ضد قوات تتفوق عليها كما وكيفا في مجال الأسلحة فيما عدا المدفعية التي كان التفوق فيها لصالحها‏,‏ كما ان اسرائيل امتلكت دائما تفوقا في مجال البشر‏,‏ ففي المعارك السابقة حشدت اسرائيل في مسارح العمليات عددا من الجنود أكبر مما حشدته القوات العربية‏.‏

وفي معركة اكتوبر‏73,‏ حشدت اسرائيل ما يقرب من مليون ومائة ألف مقاتل في حين حشدت كل من مصر وسوريا مليون مقاتل تقريبا‏.‏

وكانت القيادة العامة تعلم انها ستواجه هذه القوات المسلحة المتفوقة والتي تمتلك‏2000‏ دبابة من طرز حديثة مزودة في معظمها بمدافع من عيار‏105‏ ملليمترات‏,‏ يصل مداها الي ثلاثة كيلومترات ونصف‏,‏ بالاضافة الي ناقلات جنود مدرعة‏.‏

أما المدفعية فتعتمد أساسا علي المدفعية ذاتية الحركة البعيدة المدي من عيارات‏155,175‏ مم‏,‏ والصواريخ أرض أرض عيار‏130,216,240,320,420‏ ملليمترا‏.‏

وتضم قواتها الجوية أكثر من‏600‏ طائرة بالاضافة الي طائرات النقل والهليكوبتر‏,‏ أما البحرية فتملك عددا من لنشات الصواريخ بالاضافة الي عدد محدود من الغواصات وقوارب الطوربيد ولنشات الدوريات‏.‏

بالاضافة الي شبكة دفاع جوي متكاملة ونظام متقدم للانذار ونظم عصرية للقيادة والسيطرة‏.‏

ولأنها معركة ليست كأي معركة‏,‏ جري الاستعداد لها بصورة لم تعرف التهاون‏,‏ وبجدية لم تعرفها القوات المسلحة عبر تاريخها المعاصر‏.‏ فقد اتي المشهد الانفتاحي ليعكس هذه الجدية‏,‏ وهذه الثقة العالية بالنفس‏,‏ والرغبة الكاسحة في الثأر‏.‏

‏2500 ‏ مدفع
وفي ظهر السادس من اكتوبر انكسر حاجز الصمت‏,‏ وهدرت نيران‏2500‏ مدفع‏,‏ وخلال الدقائق الأولي سقطت علي مواقع العدو‏10‏ آلاف‏,‏ و‏500‏ دانة مدفعية بمعدل‏175‏ دانة كل ثانية‏,‏ واذا ما حسبنا متوسط انتشار المدافع علي امتداد المواجهة الذي يبلغ مايقرب من‏200‏ كيلومتر ـ فسنتبين أنه كان هناك في كل‏11‏ مترا مدفعا‏,‏ وهو أكبر رقم شهده ميدان الشرق الأوسط‏,‏ سواء من ناحية العدد أو كمية النيران‏.‏

هذا بالاضافة الي انطلاق الصواريخ من كل الأعيرة والأنواع ومن أكثر من وسيلة اطلاق‏.‏

الضربة الجوية المركزة
وعندما أشارت عقارب الساعة الي الثانية ظهرا‏,‏ ظهرت في سماء المنطقة الممتدة من بورسعيد شمالا وحتي السويس جنوبا‏240‏ طائرة متجهة الي الشرق في طريقها لقصف مواقع وأهداف العدو‏.‏ وكان لظهور هذه الطائرات في السماء وفوق رءوس مئات الالوف من الجنود بالجبهة فعل السحر‏,‏ وقال الجميع بعفوية الله أكبر فسواء كانوا هم أم كان آباؤهم الذين خاضوا غمار المعارك السابقة‏,‏ فإنهم جميعا عرفوا ألم اختفاء الطائرات المصرية من سماء هذه المعارك‏.‏ وقد أقلعت هذه الطائرات من أكثر من‏20‏ قاعدة جوية ومطارا‏.‏

كانت المهمة التي حمل عبئها نسور مصر خلال هذه اللحظة الرائعة المجيدة‏,‏ كما تحددت في الخطة‏,‏ ضربة جوية مركزة في شكل ضربات سيطرة لمنع قوات العدو الجوية من التدخل ضد قواتنا التي تقوم باقتحام القناة واجتياح خط بارليف وشل فاعلية مراكز قيادة العدو وتدميرها وتدمير مراكز التوجيه والشوشرة الالكترونية‏,‏ وكل وسائل الدفاع الجوي والقواعد الجوية والمطارات‏.‏

ونجحت الضربة الجوية بشكل فاق كل التوقعات‏,‏ وكان الثمن خمس طائرات‏,‏ هي كل ما خسرته القوات الجوية طوال هذه المهمة‏.‏

الحصار البحري
وقبل بدء العمليات بفترة كان لابد من ان تحتل الوحدات البحرية أماكنها المحددة طبقا للخطة في البحر دون ان تؤدي تحركاتها الي كشف نوايا القيادة المصرية‏,‏ ودون ان يعلم القادة والضباط والجنود حقيقة ما يجري حفاظا علي أعلي درجة من السرية‏.‏

وكان الاعلان عن تنفيذ المناورة السنوية للقوات البحرية مع مناورة القوات المسلحة لاختبار نتائج التدريب السنوي اختبارا فعليا‏,‏ في الحقيقة تغطية وتمويها لكل التحركات‏.‏

وتحركت الغواصات بالبحر الأبيض الي مناطق تدريبها ومعها مظاريف مقفلة بها مهام العمليات الفعلية علي ألا تفتح إلا بأمر خاص‏.‏

وتحركت الغواصات الموجودة بالبحر الأحمر يوم‏2‏ اكتوبر تحت شعار اجراء اصلاحات بباكستان واتخذت المدمرات مواقعها‏.‏

وكانت الخطة مبنية علي التعامل مع العدو علي جبهة عريضة في البحرين الأبيض والأحمر بجانب استثمار عامل المفاجأة الي أقصي حد‏,‏ وتشتيت جهود العدو وارباك قياداته‏.‏

الحصار البحري
ويتميز مسرح العمليات البحري بطول السواحل المصرية التي تصل الي نحو‏1600‏ كيلومتر‏,‏ بينما يصل طول سواحل العدو إلي نحو‏400‏ كيلومتر‏,‏ وتعتبر خطوط المواصلات البحرية شريانا رئيسيا للحياة‏,‏ ويرجع ذلك الي وضع اسرائيل كجزيرة محاصرة وسط الأرض العربية‏.‏ وقد أبلغت وزارة الخارجية سفارات جميع الدول المعتمدة بالقاهرة انه نتيجة لاعتداءات القوات الاسرائيلية بعد ظهر اليوم‏(6‏ اكتوبر‏1973)‏ في خليج السويس‏,‏ فإن جمهورية مصر العربية تعلن انها تعتبر المياه الاقليمية لكل من مصر واسرائيل ومياه أعالي البحار المجاورة لها منطقة عمليات بحرية وقد طلبت مصر من جميع الدول اخطار سفنها بالابتعاد عن المناطق المذكورة حرصا علي سلامتها‏.‏

وعندما وصلت القطع البحرية الي خط العرض‏33‏ شمالا وشرق خط الطول‏29,50‏ شرق البحر المتوسط‏,‏ وإلي منطقة شمال خط العرض‏23‏ بالبحر الأحمر مستندة الي قاعدة عدن البحرية‏,‏ بدأت في فرض الحصار البحري علي الملاحة من وإلي اسرائيل لأول مرة في تاريخها‏.‏

وكان اغلاق مضيق باب المندب‏,‏ عملا ناجحا‏,‏ أدي الي اصابة طريقها البحري بالبحر الأحمر بالشلل التام واربك حسابات القيادة البحرية ورئاسة الأركان الاسرائيلية‏.‏

وطوال فترة الحصار لم تدخل سفينة واحدة الي اسرائيل عبر باب المندب‏,‏ ولم تخرج سفينة واحدة من ايلات‏.‏ وانخفض عدد السفن التي دخلت المواني الاسرائيلية المطلة علي البحر المتوسط من‏200‏ سفينة شهريا الي‏63‏ سفينة‏.‏

ولا يكتمل المشهد الانفتاحي الا ببدء المشاة في عبور القناة بالقوارب المطاطية والخشبية في موجات قتالية‏,‏ وكان قد تم تنظيم فرق المشاة بحيث تقتحم كل فرقة من الفرق الخمس القناة في‏12‏ موجة‏,‏ كل موجة في‏15‏ دقيقة‏,‏ وبذلك يتحقق عبور الفرقة ككل خلال زمن لا يزيد علي‏3‏ ساعات‏.‏

وفي الساعة الثانية وعشرين دقيقة‏,‏ اندفع طوفان من البشر لاقتحام القناة‏,‏ وقد استعان المخطط المصري بالشارات الملونة والفوانيس والارقام لتحديد أماكن عبور القوارب حتي لاتختلط الوحدات بعضها ببعض نتيجة تأثير التيارات المائية وحركة المد والجزر‏,‏ وكان للشرطة العسكرية دور كبير في تنظيم هذا الطوفان المتدفق من الرجال‏.‏

وعلي امتداد القناة‏,‏ ازدحم مجراها بآلاف القوارب التي تحمل الرجال‏..‏ مزيج من الحماسة الفياضة ومهرجان من الألوان‏,‏ وسيل من النيران والانفجارات‏,‏ كل هذا يختلط بنداء الله أكبر‏,‏ وأصوات الجنود وهم يغنون جدف يابني‏..‏ واوعي تهدي‏..‏ خللي الموجة الثانية تعدي

‏80 ألفا شرق القناة
وفوجئ العدو بعد دقائق بوجود‏8‏ آلاف جندي من بورسعيد شمالا حتي منطقة الشط جنوبا في وقت واحد‏,‏ وكان هذا سببا في عدم معرفته باتجاه الهجوم الرئيسي‏.‏ وعند الساعة‏7,30‏ مساء أي بعد خمس ساعات‏,‏ كان لمصر شرق القناة‏80‏ ألف ضابط وجندي بأسلحتهم التي تكفل لهم التقدم ومواجهة هجمات العدو الجوية أو بالمدرعات‏,‏ وقد استعانت هذه الجحافل بالحبال لتسلق الساتر الترابي‏,‏ واستخدمت عربات جر صغيرة لحمل الاسلحة والذخائر الخاصة بالدفاع ضد الدبابات والطائرات‏.‏ وكانت مجموعات الصاعقة قد انطلقت من قبل‏,‏ لكي تتمكن من نصب الكمائن لعرقلة تقدم القوات الاسرائيلية التي ستندفع لصد ومواجهة الهجوم‏.‏

وقد وصلت الي مواقعها المحددة لقطع كل محاور التقدم الاسرائيلي بواسطة الهليكوبتر‏,‏ وشاركت وحدات مدرعة برمائية في اقتحام القناة بالقطاع الأوسط‏.‏

كانت الصورة شديدة الابهار مثيرة للفخر‏,‏ باعثة علي العزة‏,‏ فالمدفعية بكل الأعيرة تصب حمما‏,‏ والدبابات من فوق المصاطب التي أنشئت فوق الساتر الترابي غرب القناة تشارك في القصف المباشر لمواقع خط بارليف وطائرات القوات الجوية تحلق في سماء المنطقة لمهاجمة الأهداف المحددة لها في انحاء سيناء‏,‏ وتعود محلقة فوق رؤوس القوات المتقدمة‏,‏ وبتلقائية يقوم الجنود جميعا باحصاء الطائرات وهي متجهة شرقا ثم يحصونها وهي عائدة غربا‏,‏ ويتبينون انها لم تنقص واحدة‏.‏ فيشعرون بالثقة ويهتفون الله أكبر‏,‏ وآلاف القوارب المحملة بالجنود تبحر فوق سطح مياه القناة‏,‏ وأصواتهم تتصاعد بالغناء أو بترديد صيحات الله اكبر‏,‏ وما ان يصلوا الي الضفة الشرقية حتي يتسلقوا الساتر الترابي بحماس لانظير له‏.‏

‏‏65 كتيبة مهندسين
وبعد تأمين الساتر الترابي يتقدم المهندسون لفتح الثغرات في هذا الساتر تمهيدا لانشاء الكباري والمعابر‏,‏ وتبدأ مدافع المياه أو طلمبات المياه التوربينية في العمل لتجريف رمال الساتر الترابي وربما لايدرك الناس ان سلاح المهندسين شارك في المعركة بـ‏65‏ كتيبة‏,‏ وربما يعد قوة عظيمة ربما تقترب من عدد كتائب المشاة‏..‏ وكان المطلوب عمل‏60‏ فتحة في الساتر الترابي وكان الانجاز في قطاع الجيش الثاني اسرع منه في قطاع الجيش الثالث‏.‏ ووفقا للخطة فقد اندفعت الموجة الأولي الي داخل سيناء نحو خط النسق الثاني للدفاعات الاسرائيلية وضمت هذه القوات مجموعات كبيرة مخصصة لقنص الدبابات حتي تتمكن من أداء مهمتها بكفاءة‏,‏ وتركت لقوات الموجات التالية الهجوم علي مواقع خط بارليف إما بتطويقها واقتحامها أو بحصارها‏.‏

وبعد إنشاء الكباري‏,‏ بدأت الدبابات والمدفعية وباقي الأسلحة الثقيلة في العبور والانضمام للقوات المشتبكة في معركة مصير ومستقبل شعب والتي كانت تنتظر بقلق وصولها لأنه وبالرغم من اسلحتها الخفيفة المضادة للدبابات والتي نجحت في صد هجمات العدو بها‏,‏ فإنها كانت تتحسب لهجمات أخري أكثر شراسة وقوة‏.‏

ولأن إنشاء الكباري والمعابر قد تأخر في قطاع الجيش الثالث نتيجة صلابة التربة فقد تأخر تدفق الدبابات والأسلحة الثقيلة شرقا‏,‏ ولم يؤثر ذلك علي صلابة القوات وتماسكها وواصلت قتالها بشراسة طوال الليل‏,‏ ولم يتمكن العدو من اختراق رأس كوبري الفرقتين السابعة والتاسعة عشرة المشاة‏,‏ وعندما نتحدث عن عبور الدبابات وقطع المدفعية فإننا لا نتحدث من مئات‏,‏ بل عن آلاف القطع من الدبابات والمدافع والعربات‏.‏

وهنا يجب أن نشير إلي أن هذه العملية المعقدة والشاقة‏,‏ كانت تتم في معظمها ليلا‏,‏ مما ألقي عبئا ضخما سواء علي المهندسين أو الشرطة العسكرية لتنظيم عبور هذه القوة الهائلة ووصولا الي مواقعها وتحمل الدفاع الجوي مسئولية حماية الكباري والمعابر‏,‏ والقوات التي تقاتل شرقا وتمكن من صد هجمات العدو الجوية‏.‏ أما في البلاح شمالا‏,‏ فقد تمكن العدو من تدمير أحد الكباري ونجحت قواته المدرعة في اختراق رأس كوبري الفرقة‏18‏ مشاة‏.‏ إلا ان رجال الفرقة‏,‏ سحقوا الهجوم الاسرائيلي المدرع‏,‏ وخاطر المهندسون بمواصلة العمل لإصلاح الكوبري‏,‏ ومنذ بدء الهجوم وحتي صباح السابع من اكتوبر تمكن العدو من الحاق الضرر بالكباري وتم إصلاح الضرر أكثر من خمس مرات‏.‏

هذا المشهد الافتتاحي‏,‏ هو الذي حدد نتيجة المعركة‏,‏ فالمفاجأة كانت كاملة وعلي كل المستويات‏,‏ وأدت المفاجآت إلي ارتباك العدو‏,‏ ونتيجة للتخطيط والتدريب والاستعداد الجيد‏,‏ قاتلت القوات بصورة أكثر من طيبة‏,‏ وحققت من النجاح أكثر مما هو متوقع‏,‏ وتمكنت من صد وإحباط‏8‏ هجمات مضادة كان أخطرها بمنطقة البلاح‏.‏

وفي صباح السابع من أكتوبر كان للقوات المسلحة شرق القناة أكثر من‏100‏ ألف مقاتل و‏800‏ دبابة و‏13‏ ألف مركبة من مختلف الأنواع أي أن القيادة العامة نجحت في تسجيل رقم قياسي‏,‏ أو أرقام وحقائق تاريخية‏,‏ بدءا من المفاجأة التي تحققت في عصر اقتنع فيه الجميع بصعوبة ذلك في ظل انتشار الأقمار الصناعية وتطور وتقدم اجهزة التجسس والتصوير والتنصت ودخول الحرب الالكترونية مرحلة أكثر تقدما وانتشار الجواسيس‏,‏ وصولا الي بناء‏5‏ رؤوس كباري شرق القناة‏,‏ مرورا باقتحام مانع مائي صعب واكتساح خط بارليف الحصين الذي قالوا عنه إنه أكثر الخطوط الدفاعية صلابة وتحصينا بالإضافة إلي دفع هذا الكم الهائل من الأفراد والأسلحة والمعدات الي شرق القناة خلال أقل من‏18‏ ساعة‏,‏ وتحت ضغط نشاط معاد كثيف‏.‏

وليس ثمة شك في أن القيادة الاسرائيلية لم يدر بخلدها أبدا‏,‏ أنها يمكن أن تواجه مثل هذه اللحظات‏,‏ وهذا الموقف‏,‏ أو أن العار يمكن أن يكون من نصيبها‏,‏ فالهجوم المصري أنهي أسطورة الجيش الذي لايقهر والتي تأكدت بعد انتصار يونيو‏67,‏ وسقطت هيبة القادة والقيادات الإسرائيلية‏,‏ وانكشفت الهالة التي أحاطت بهم والأهم‏,‏ سقطت نظرية الأمن الإسرائيلية‏,‏ فقد كان المخططون علي اقتناع بأنهم بوصولهم إلي قناة السويس والجولان السورية قد تمكنوا من الوصول إلي أفضل خطوط دفاعية يمكنها أن توفر أقصي حماية لإسرائيل‏.‏ وتضمن سجل النجاح المصري‏,‏ اكتساح خط بارليف الذي كلف الخزانة الإسرائيلية أكثر من‏130‏ مليون دولار‏,‏ كما انهارت الخطط الدفاعية الإسرائيلية للحيلولة دون نجاح أي هجوم مصري‏.‏

خفة ظل
ولا يمكن تصور خفة ظل بعض الظرفاء‏,‏ الذين وصل بهم الأمر إلي تصوير المعركة وكأنها تمثيلية تم الاتفاق عليها بين مصر وأمريكا وإسرائيل‏,‏ والأكثر ظرفا قال‏:‏ إن مصر انتصرت‏5‏ أيام وإسرائيل انتصرت‏5‏ أيام‏..‏ في حين أن البلدين حققا التعادل في‏5‏ أيام‏,‏ ربما تصور أن الحرب مباراة في كرة القدم أو السلة‏,‏ ولم يدر بخلد أي من هؤلاء الظرفاء تساؤل حول الأسباب التي تجعل اسرائيل تقبل الاشتراك في مثل هذه التمثيلية والتي ستؤدي إلي مقتل الآلاف من قادتها وضباطها وجنودها‏,‏ وأسر آلاف أخري‏,‏ هذا بالاضافة إلي الهوان والعار الذي سيلحق بالمؤسسة العسكرية التي لم تخسر معركة من قبل طوال سنوات الصراع العربي ـ الاسرائيلي وماهو الثمن الذي يمكن أن يقبل به قادة اسرائيل مقابل هذه الخسائر الفادحة؟‏!‏ ولماذا يمكن أن توافق اسرائيل علي القبول بالهزيمة علي مرأي ومسمع من العالم أجمع؟ ولماذا تقبل بالتخلي من خطوطها الدفاعية القوية في سيناء والجولان؟ وما الذي يجعلها تخسر بترول سيناء وباقي مصادر الدخل من موارد سيناء واستثماراتها بها سواء في السياحة أو الزراعة أو الصيد أو التصدير؟

ولما كانت اسرائيل قد نجحت في بناء قدرة علي الردع وهيبة إقليمية وعالمية علي امتداد اكثر من ربع قرن‏,‏ فهل ضاقت بهذه الهيبة وهذه المكانة‏,‏ فقررت بعثرتها علي رمال سيناء‏.‏

ومن المعروف أن أي خسارة لاسرائيل تمثل إضافة لمكاسب مصر‏,‏ فهل ارادت اسرائيل ذلك؟

ومنذ تمكنت مصر من تحقيق هذا النصر الكبير‏,‏ ومن رفع اعلامها فوق الصواري علي أرض سيناء التي تم تحريرها‏,‏ بدأت أقلام كثيرة تحاول النيل أو علي الأقل التقليل من حجم هذا الانتصار‏,‏ كما حاولت أقلام أخري اقتلاع هذا النصر من جذوره‏.‏

وكان ممكنا تصور محاولات أجنبية لتجريح هذا الانتصار الرائع والمستحق‏,‏ أما أن تسعي أقلام مصرية إلي تشويه هذا النجاح فقد كان مستبعدا تماما‏.‏

كان يقيني أن الإيمان بمصر ضارب بجذوره في أعماق كل المصريين بعد الايمان بالله‏,‏ وكان هذا يعني‏,‏ أن خلافاتنا مهما اتسع نطاقها‏,‏ تذوب أمام انتمائنا الوطني‏.‏

وإذا تجاوزنا هذا التصور المثالي‏,‏ فإنه يمكن القول‏.‏ إن حملة هذه الأقلام‏,‏ ركزوا علي عدة نقاط منها‏:‏

*‏ إن المعركة كلها كانت تمثيلية متفقا عليها‏.‏
‏*‏ الغمز من ثغرة الدفرسوار واعتبارها هزيمة وانها النتيجة التي انتهت اليها المعركة‏.‏

ولست أدري كيف يمكن لانسان يحمل قلما وفي رأسه بقية من عقل أن يتصور أن أقدار الشعوب ومصائر الأمم خلال صراعها وخوضها لتجربة إطلاق الحرب من عقالها بما يعنيه ذلك من نزيف بشري واقتصادي هائل ومن معاناة لآثار القتال قد تمتد لأجيال‏,‏ يمكن أن تكون عملا مسرحيا أعد سلفا‏,‏ وانطلق الممثلون بقتل بعضهم بعضا‏,‏ طبقا لتعليمات المخرج والمنتج القابع في البيت الابيض يحصي الخسائر‏,‏ حتي إذا وصلت إلي الحد المناسب وفقا لتقديره‏,‏ أمر باسدال الستار‏,‏ وطلب من دول وشعوب العالم أن يصفقوا‏.‏ ولو افترضنا جدلا حدوث مثل هذا الاتفاق فهل ياتري نضمن عدد القتلي والجرحي هنا وهناك؟ والأخطر من هذه الأرقام‏,‏ من يضمن التزام كل الاطراف بمثل هذا الاتفاق؟ أو من يضمن التزام اسرائيل به علي الأقل؟‏!‏ وما الذي يمنعها من استمرار القتال والسعي لتحقيق نصر أفضل من نصر يونيو‏1967,‏ تضمن به مد حدود امبراطوريتها إلي آفاق جديدة‏!‏ وألم يسبق لاسرائيل مهاجمة سفينة التجسس الأمريكية ليبرتي عام‏1967,‏ لمنعها من اكتشاف حقيقة ماتقوم به قواتها في سيناء والجولان؟

مصالح اسرائيل
هذه الواقعة وأحداث أخري كثيرة في تاريخ اسرائيل تؤكد أن مصالح اسرائيل وأهدافها لها الأولوية‏,‏ ومن السهل إدراك أن أي اتفاق سري لن تلتزم به اسرائيل إذا ما تعارض مع مصالحها‏,‏ وبالتالي فإن من يعقد أو يتوصل إلي مثل هذا الاتفاق فإنه يضع نفسه وبلده علي حافة الضياع‏.‏

ثم أين هي الثقة المتبادلة التي يمكن أن تسمح بمثل هذا الاتفاق؟ وما الذي يجعل اسرائيل تصدق أن مصر السادات لن تستثمر الموقف لحسابها‏,‏ لتضاعف من الآلام والاحزان الإسرائيلية؟

إن التشكيك في النصر سواء من جانب بعض المصريين أو بعض الاسرائيليين‏,‏ أمر من اليسير الرد عليه مصريا واسرائيليا‏.‏

وبالنسبة للاطراف الاسرائيلية‏,‏ ليس أيسر من مطالبتهم بقرار‏:‏ تقرير لجنة أجرانات التي تم تشكيلها عقب المعركة لدراسة اسباب التقصير الاسرائيلي الذي أدي إلي هذه الهزيمة الموجعة‏.‏ وقد عدد التقرير عشرات الأسباب‏:‏ منها فشل المخابرات وارتباك القادة‏,‏ وعجزهم عن اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب‏,‏ وعدم قدرتهم علي اتخاذ الاجراءات الضرورية‏,‏ بعد أن علموا بنية كل من المصريين والسوريين في إطلاق الحرب من عقالها يوم‏6‏ أكتوبر‏1973.‏

ثم لقد كانت القوات الاسرائيلية تقف علي الحافة الشرقية لقناة السويس‏.‏ وهي تستند علي القناة كمانع مائي يصعب اقتحامه وعلي ساتر ترابي وخط بارليف الدفاعي الحصين‏,‏ وفي العمق هناك أكثر من نسق دفاعي هذا بالاضافة إلي خزانات نابالم موجود بالمدافع الحصينة لخط بارليف ما أن تفتح حتي تنتشر النار فوق سطح مياه القناة وبما يؤدي إلي إحراق القوات التي تجرؤ علي محاولة اجتياز القناة وما هي إلا ساعات بعد ظهر السادس من اكتوبر‏,‏ حتي تم تغيير هذا الواقع بالقوة المسلحة‏,‏ فقد اقتحمت القوات المصرية القناة‏,‏ واكتسحت مواقع خط بارليف الحصين وأنشأت رؤوس كباري شرق القناة بعد أن تمكنت من تحرير مساحات من سيناء ورفعت الاعلام المصرية علي الأراضي التي حررتها بالقوة‏,‏ أي أن القوات المصرية المسلحة غيرت أمرا واقعا بالقوة‏,‏ ومن يتمكن من ذلك لايمكن التشكيك في حقيقة ما حققه من انتصار‏.‏ وإذا ماكانت النتيجة هي كسر نظرية الأمن الاسرائيلية‏,‏ وتثبات خطئها فإن ذلك يعد الابن الشرعي لانتصار عسكري كبير في جانب‏,‏ وهزيمة مروعة علي الجانب الآخر‏.‏ وتبقي ثغرة الدفرسوار

ثلاثة انتصارات
والمقدمة الضرورية التي يجب أن تكون واضحة امام الجميع‏,‏ هي انتصار إسرائيل في معارك‏1967,1956,1948‏ ومع كل انتصار كانت تحقق توسعا علي حساب الدول العربية المجاورة‏,‏ فبعد معركة‏1948‏ يسطت إسرائيل الوليدة سيادتها علي اراض فلسطينية اكثر مما حصلت عليه بقرار التقسيم الذي اصدره مجلس الأمن عام‏1947,‏ وبعد انتصار‏1956,‏ حصلت علي حق المرور في خليج العقبة‏,‏ وبما أتاح لها لأول مرة منذ ميلادها الوصول الي الشاطيء الشرقي لأفريقيا ولكل الدول المطلة علي المحيطين الهندي والهادي‏,‏ بما أسهم في مضاعفة صادراتها وبعث الحياة في ميناء إيلات المطل علي رأس خليج العقبة‏,‏ وبعد انتصار‏1967,‏ استولت علي سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس وقطاع غزة

والمقدمة التالية‏,‏ أن إسرائيل يوم‏6‏ اكتوبر‏1973‏ كانت تملك ترسانة عسكرية متفوقة كما وكيفا علي كل العالم العربي‏,‏ لا الدول المجاورة فقط‏,‏ والأهم أنها كانت الدولة ذات الذراع الطويلة‏,‏ كما كان اقتصادها قويا وديناميكيا وصناعتها الحربية متقدمة ومتطورة وتوفر نسبة كبيرة من احتياجات قواتها المسلحة‏.‏

أي أن مصر وهي تقرر خوض تجربة القتال‏,‏ كانت تعلم أنها تواجه دولة تملك السلاح الأفضل والأكثر لأن الضرورة تفرض ذلك‏,‏ ولن تستعيد كرامتها وتثأر لكرامتها وتحرر أرضها المحتلة وفقا لإمكانياتها إلا عبر هذه التجربة

وبعد أن حققت مصر انتصارها الكبير ونجحت معركتها الهجومية‏,‏ كان من المنطقي أن تعمل إسرائيل بكل ماتملك من قوة لتدمير القوات المهاجمة‏,‏ وقد هاجمت بقوة وشراسة وضراوة‏,‏ برا وبحرا وجوا‏,‏ وخلال اليوم الأول للقتال‏,‏ شنت‏8‏ هجمات مضادة‏,‏ منها هجوم علي منطقة البلاح‏,‏ تمكنت الدبابات الإسرائيلية خلاله من الوصول إلي حافة القناة قبل أن يتم تدميرها‏,‏ كما تمكنت القوات الإسرائيلية من إصابة كباري الاقتحام والحاق الضرر بها أكثر من مرة‏.‏

الثغرة
وعندما استعادت إسرائيل توازنها‏,‏ بدأت الهجمات المضادة تصبح أكثر قوة وبقوات اكبر عمادها الدبابات والعربات المدرعة ونيران المدفعية بعيدة المدي ومن بينها المدفع عيار‏175‏ ملليمترا وكانت القيادة العامة قبل المعركة قد توقعت أن يحاول العدو الوصول الي الضفة الغربية للقناة من منطقتي البلاح والدفرسوار

وقد حاول فعلا الاختراق من البلاح في بداية المعركة‏,‏ إلا أن المحاولة فشلت‏,‏ وبقي أن يحاول من الدفرسوار‏.‏ وكان من الممكن إحباط هذه المحاولة‏,‏ إلا أن القيادة العامة وقعت في سلسلة متصلة من الأخطاء‏,‏ أسهمت في نجاح المحاولة الإسرائيلية

وقبل الحديث عن هذه الاخطاء‏,‏ سنتساءل‏,‏ لماذا يرفض البعض القبول بإمكانية نجاح هجوم مضاد إسرائيلي؟

لقد تمكنت إسرائيل من تحقيق الانتصار في ثلاث معارك متصلة وخلال أقل من‏20‏ عاما علي وجودها‏,‏ فلماذا يقف البعض موقف الرفض لنجاح الهجوم المضاد الإسرائيلي والوصول الي الضفة الغربية للقناة وإقامة رأس جسر غرب القناة؟

لقد هاجمت مصر‏,‏ وأقامت رؤوس كباري غرب القناة لأول مرة في تاريخ الصراع المصري ـ الإسرائيلي‏,‏ فلماذا يستكثر البعض علي إسرائيل وجيشها القوي الوصول الي غرب القناة؟

إن الموضوعية ورؤية الواقع تسهم في القبول بقدرة إسرائيل علي انجاح هجومها المضاد وعلي انشاء رأس كوبري غرب القناة‏.‏

والآن الي بعض من الاخطاء التي أسهمت في نجاح الهجوم الإسرائيلي‏.‏

أخطاء مصرية
‏1‏ـ تضمنت خطة المعركة‏,‏ تدريب الفرقة السادسة المشاه الميكانيكية بشكل اساسي علي مواجهة القوات الإسرائيلية التي تصل الي غرب القناة من منطقة الدفرسوار بالتعاون مع قوات أخري‏,‏ ولكن القيادة العامة‏,‏ اقدمت علي تغيير الخطة من أجل التقدم علي محور الشط الطور ـ شرم الشيخ علي الطريق الساحلي لتتقدم جنوبا‏,‏ ولم تجد امامها سوي الاستعانة بقوات من الفرقة السادسة المشاه الميكانيكية للقيام بهذه المهمة‏,‏ وبالتالي اخلت منطقة غرب القناة من القوات المخصصة للتعامل مع أي قوات تحاول المرور من الدفرسوارإلي غرب القناة‏.‏ والمهم هنا ان القوات التي تقدمت علي الطريق الساحلي باتجاه الطور‏,‏ لم تتمكن من تحقيق هدفها ومنيت بخسارة فادحة لانها تقدمت خارج نطاق حائط الصواريخ المضادة للطائرات غرب القناة‏,‏ ولعدم وجود مظلة جوية توفر لها الحماية‏.‏

2‏ ـ من المعروف ان القوات المسلحة التي تقرر الاستعانة بقوات الاحتياطي الاستراتيجي اولا‏,‏ هي التي تخاطر بخسارة المعركة‏.‏ وكانت قوات الفرقتين المدرعتين الرابعة والحادية والعشرين تشكل الاحتياطي الاستراتيجي‏,‏ ومن اجل وضع خطة تطوير الهجوم لنجدة الشقيق السوري يوم‏14‏ اكتوبر‏,‏ تقرر الزج بقوات الفرقة‏21‏ المدرعة للعمل شرق القناة من رأس كوبري الفرقة‏16‏ المشاه‏,‏ وبقوات من الفرقة الرابعة المدرعة للعمل من راس كوبري الجيش الثالث شرق القناة‏.‏

وبهذا القرار تكون القيادة العامة قد استخدمت الاحتياطي الاستراتيجي لها أولا‏,‏ وفي نفس الوقت تكون قد أخلت بالاتزان الاستراتيجي للقوات الموجودة بالجبهة‏,‏ وتكون أيضا قد سحبت معظم القوات المقاتلة الموجودة غرب القناة وتركت فراغا لا يمكن للقوات التي بقيت في مواقعها سده‏.‏

‏3ـ عندما بدأت معركة تطوير الهجوم لنجدة الشقيق السوري يوم‏14‏ اكتوبر‏,‏كانت القيادة تعلم ان القوات الاسرائيلية قد استعادت كل الأراضي التي فقدتها في بداية الهجوم السوري‏,‏ وتقدمت واستولت علي مساحات جديدة‏,‏ ووصلت إلي مدينة سعسع علي مسافة‏33‏ كيلو مترا من دمشق‏,‏ أي أن خطة التطوير لن تقدم شيئا بعد أن انهارت الجبهة السورية‏.‏

‏4ـ خرجت القيادة العامة في خطة تطوير الهجوم شرقا علي كل القواعد التي التزمت بها عند اقتحام القناة وحققت بها النجاح‏,‏ فقد قررت بدء العمليات في أول ضوء بما يعني ان الشمس ستكون في عيون المهاجمين ومن خلف المدافعين‏,‏ أي أنها ستكون في صالح المدافعين‏,‏ كما أنها خسرت عامل المفاجأة بالاعلان عن بدء الهجوم بواسطة التمهيد النيراني‏,‏ ولجأت الي استخدام المدرعات في الهجوم علي النقاط الحصينة للنسق الثاني لخط بارليف‏,‏ وهذا خطأ قد تجنبته عند مهاجمة النقاط الحصينة لخط بارليف المطلة علي القناة‏,‏ حيث استخدمت المشاة في الهجوم عليها‏.‏

وهذه المعلومة معروفة لكل من يدرس العلوم العسكرية‏,‏ اي عدم استخدام المدرعات في الهجوم علي المدافع الحصينة‏,‏ كما فشلت أجهزة المخابرات في معرفة حصول العدو علي صواريخ تاو المضادة للدبابات‏.‏

ونتيجة لهذه السلسلة المتصلة من الاخطاء خسرت القوات المسلحة نحو‏280‏ دبابة‏,‏ وفشلت خطة تطوير الهجوم

‏5ـ وضعت قوات الفرقة‏21‏ المدرعة في رأس كوبري الفرقة‏16‏ المشاة‏,‏ وترتب علي ذلك وجود قائدين من رأس كوبري واحد‏,‏ كما أن مساحة رأس الكوبري لا تتسع لانتشار قوات الفرقة والفتح من أجل الانطلاق للهجوم‏,‏ نتيجة لكل هذه الأخطاء وغيرها انفتح الطريق لنجاح الهجوم المضاد الاسرائيلي للوصول الي غرب القناة من خلال النقطة التي تفصل بين قوات الجيشين الثالث جنوبا والثاني شمالا‏.‏

ولا شك أن المعارك التي دارت في منطقة الثغرة شرق القناة قد كلفت العدو أرواحا كثيرة‏,‏ وعددا كبيرا من الأسلحة والمعدات‏,‏ إلا أن الاصرار علي الاختراق والنجاح كان أكبر من كل هذه الخسائر وبعد نجاح الوصول الي غرب القناة‏,‏ تعاملت قيادة الجيش الثاني معه بصورة لا تتفق وخطورة الموقف‏,‏ وأخطأت في تقدير الأمر‏,‏ وعندما أسند السادات الي الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان مهمة التعامل مع قوات الثغرة‏,‏ قدر أن استخدام المظلات وقوات الاقتحام الجوي والصاعقة يمكن أن يقضي علي القوات الموجودة في الثغرة‏,‏ وقدر أن هذه العناصر يمكنها التعامل مع الدروع الاسرائيلية‏.‏

وقد قاتلت هذه القوات ببسالة وبذلت من أرواحها الكثير إلا أن الأمر كان فوق قدراتها وامكانياتها‏.‏

نجاح مصري في الثغرة
والنجاح الحقيقي للقوات الموجودة غرب القناة خاصة قوات الفرقة‏23‏ المشاة الميكانيكية هو الحيلولة دون العدو ومحاصرة الجيش الثاني‏,‏ ومنعه من احتلال الاسماعيلية‏,‏ والنجاح الأكبر هو عجز العدو عن اقتحام السويس وتكبيده خسارة غير متوقعة في الدبابات والأفراد‏.‏ وعند تقييم قوات العدو في الثغرة‏,‏ نقول إنه هجوم مضاد ناجح تمكن به من حصار الجيش الثالث الميداني‏,‏ بالإضافة الي استخدام الدبابات بأسلوب جديد‏,‏

أي اللجوء إلي تشكيل قوة هجوم محدودة من عدد محدود من العربات لمهاجمة قواعد الدفاع الجوي لإفساح المجال أمام قواته الجوية للعمل غرب القناة‏,‏ والي بناء كوبري اقتحام بمجري القناة بواسطة الردم حتي لا يمكن تدميره أو تفجيره ـ ولكن هناك الكثير من نقاط الضعف أولها طول خطوط الامدادات ومرورها من مناطق في متناول النيران المصرية وسهولة حصار الثغرة والضغط علي القوات الموجودة بها عند توافر الامكانيات‏.‏ وكانت مصر قد تلقت‏200‏ دبابة من يوجوسلافيا‏,‏ سرعان ما استخدمتها في حصار القوات الاسرائيلية بالثغرة‏,‏ كما نشطت القوات الخاصة والكوماندوز في العمل داخل المنطقة‏.‏ وبعد القبول بوقف إطلاق النار‏,‏ كان العدو يعرف نقاط القوة ونقاط الضعف‏,‏ وبنفس القدر الذي تعرفه القيادة المصرية‏.‏

وعندما بدأت المباحثات للتوصل الي اتفاقية الفصل الأول للقوات‏,‏ قرر العدو الانسحاب من الثغرة وفك الحصار المفروض علي الجيش الثالث‏,‏ وظلت رؤوس الكباري المصرية الموجودة شرق القناة كما هي‏,‏ وبما يكشف حقائق الموقف‏.‏ وبالانتصار العسكري والثأر من كل الهزائم السابقة واستعادة الكرامة والكبرياء والتوازن انفتح الطريق أمام مفاوضات من أجل السلام‏.‏

وهنا يجب أن ندرك‏,‏ أن القوة العسكرية المصرية حررت مساحة من الأراضي بعمق يتراوح بين‏10‏ و‏12‏ كيلو مترا شرق القناة‏,‏ وكان ذلك غاية ما حررته بالقوة‏,‏ ولم تكن تملك من القوة العسكرية عندما توقفت النيران ما يساعدها علي تحرير باقي الأراضي المحتلة بالقوة‏.‏

واختصارا لم يكن هناك من طريق‏,‏ سوي طريق المفاوضات لاستعادة كل الأراضي المحتلة‏.‏ وقد انتهت المفاوضات بالنجاح واستعادت مصر كل أراضيها المحتلة‏,‏ ولو أنها لم تمض علي طريق السلام‏,‏ لبقيت أرضها محتلة حتي الآن‏.‏ ولساء الموقف مثلما ساءت مواقف الدول التي جفلت من المضي قدما علي طريق السلام‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~