لقراءةالنص بالعربى  الصفحة الأولى  مصر  الوطن العربى  العالم  تقارير المراسلين  تحقيقات  قضايا وآراء  إقتصاد  الرياضة  ثقافة وفنون  المرأة والطفل  يوم جديد  الكتاب  الأعمدة  ملفات الأهرام  لغة العصر  شباب وتعليم  الوجة الآخر  شركاء فى الحياة  الغنوة  الساخر  شباب اليوم  دنيا الكريكاتير  بريد الأهرام 

مواقع للزيارة
إصدارات الأهرام
 
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
مجلة السياسة الدولية
الأهرام المسائى
الأهرام ويكلى
الأهرام إبدوا
الأهرام العربى
الأهرام الإقتصادى
مجلة الشباب
مجلة الديموقراطية
مجلة علاء الدين
لغة العصر

إعلانات وإشتراكات

عناوين الاهرام الإلكترونية

ملفات الأهرام

43791‏السنة 131-العدد2006اكتوبر29‏6 من شوال 1427 هـالأحد

الأهرام ينفرد بنشر أهم ما يكشفه أرشيف ووثائق قناة السويس
نابليون والقناة‏..‏ حلم لم يتحقق
الرسائل اليومية بين ديليسبس وفوازان بك رئيس موقع الحفر

رسالة باريس‏:‏ د‏.‏ أحمد يوسف
ديليسبس
‏لفيلسوف فرنسا الأشهر فولتير عبارة يقول فيها إن التاريخ مصنوع من صمت الأموات ولكنه صمت له ذكراه‏.‏

لعل الحديث التاريخي الذي تعيشه مصر وفرنسا هذه الأيام يصنع الذاكرة في قلب احتفالات مرور‏50‏ عاما علي تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي‏,‏ فقد قامت الحكومة الفرنسية بخطوة فريدة من نوعها في العلاقات بين الدول بأن قامت بتسليم مصر كامل وثائق وارشيفات قناة السويس بعد أن طبعتها علي أقراص مدمجة عالية التقنية بلغ عددها‏2332‏ قرصا‏,‏ وضعت في‏40‏ كرتونة وتم الاعداد والطبع والنقل علي نفقة الحكومة الفرنسية‏,‏ وكأن فرنسا أرادت بتلك الهدية الكبيرة طي صفحة التأميم وخصوصا طي صفحة العدوان الثلاثي ببادرة تعكس الجوهر الحقيقي لعلاقات الصداقة التاريخية بين البلدين‏.‏

واذا كان فولتير يعتبر أن الصمت له ذاكرة فليس هناك أفضل من الوثائق والمخطوطات تفتح الذاكرة وتكشف ما خبأته الأيام‏,‏ أو ما دأب الإنسان علي طمسه من معلومات ربما لو عرفت في حينها لغيرت مسار التاريخ‏.‏

وبرغم أن الأهرام استطاع الحصول علي هذه الارشيفات كاملة‏,‏ بل شارك في عملية الإعداد والتسليم‏,‏ فإن مساحة أية جريدة أو جرائد مجتمعة لا تستطيع أن تغطي‏1%‏ من مساحة هذه الوثائق التي كانت تغطي‏7‏ طوابق في الأرشيفات ويبلغ عددها نحو‏2‏ مليون‏,‏ تضم معارف وعلوم مختلفة من التجارة الي الاقتصاد الي الأدب والسينما والتصوير ويجمعها جميعا موضوع واحد هو قناة السويس‏.‏

ولذا فإن الأهرام يكتفي بفتح شهية القاريء كي يبادر بعد ذلك بالذهاب الي مكتبة الاسكندرية حيث ستقبع الي الأبد هذه الأرشيفات التي تشكل منعطفا مهما من تاريخ الشعب المصري والأمة العربية‏.‏

وكأن كل شيء حديث في مصر يعود بنا الي ذاكرة الحملة الفرنسية بحلوها ومرها‏,‏ بجوانبها الشريرة وجوانبها الإيجابية‏,‏ تكشف الوثائق في أكثر من‏20‏ قرصا مدمجا مخصصة لحلم القناة الذي راود الفلاسفة والفاتحين علي السواء‏,‏ لأنه بالنسبة لهم كان ربطا لقارة عظمي هي الكتلة الأوروبية من ناحية والكتلة الأفروآسيوية من ناحية أخري‏,‏ ولذا حفر القدماء مجاري مائية مختلفة عبر التاريخ ربطت بين البحر الأحمر والنيل علي أساس أن النقل عبر النيل وكان شائعا في العصور القديمة‏,‏ يصبح يسيرا اذا انتقل الي البحر الأحمر ومنها الي العالم الخارجي‏.‏

إلا أن اكتشاف فاسكو دوجاما البرتغالي لطريق رأس الرجاء الصالح‏,‏ ضرب اقتصاد وتجارة مصر المملوكية واقتصاد البندقية ونابولي وجنوا في الصميم‏,‏ فما كان إلا أن وفد علي مصر أمراء من دوقية البندقية عام‏1501‏ ليعرضوا علي السلطان الغوري فكرة جريئة وهي الاستغناء عن طرق القوافل والنقل عبر النيل بحفر مباشر لقناة تصل بين البحرين الأحمر والأبيض‏.‏

ولم تكن ظروف مصر التي علي أبواب صراع مع العثمانيين سينتهي باحتلالهم للقاهرة عام‏1517‏ تسمح بمشروع بمثل هذا الحجم‏,‏ ومات المشروع ولكن لم تمت الفكرة وراح الفيلسوف الألماني الشهير لايبيتز يقترحها علي الملك لويس الرابع عشر في إطار مشروع شامل لغزو مصر ولكن الملك الشمس كما كان يطلق عليه لم يكن يريد اغضاب الباب العالي في الأستانة من ناحية‏,‏ ولأن أحلامه التوسعية كانت في أوروبا‏,‏ وعندما قامت الثورة الفرنسية دخلت في صراعات مسلحة دموية مع ممالك أوروبا واستطاعت الانتصار عليها إلا مملكة واحدة وهي انجلترا‏,‏ ومن هنا ظهرت فكرة قطع طريق المستعمرات البريطانية في الهند باحتلال مصر وكانت الحملة الفرنسية عام‏1798.‏

الغريب أن الوثائق تكشف أن حكومة الديركتوار التي كانت تحكم فرنسا وقد أرادت أن تتخلص من الضابط الشاب نابليون‏,‏ وكان عمره‏27‏ سنة‏,‏ وقد حقق انتصارات باهرة علي أعداء فرنسا في ايطاليا أعطته أمرا مباشرة يتصدر ديباجة الأمر السياسي الصادر بالقيام بالحملة بحفر قناة تربط بين البحرين ولذا كانت تسمي قناة البحرين وليس بعد قناة السويس وهو الاسم الذي سوف يعطيه ديليسبس للقناة بعد نحو نصف قرن من الحملة‏.‏

وتتحدث الوثائق عن الخروج الوحيد لنابليون من القاهرة لسبب غير عسكري‏,‏ وهو ذهابه ومجموعة من المهندسين يرأسهم مهندس يدعي لوبير‏LePere‏ لمعاينة الموقع هندسيا عند السويس والبدء في الحفر‏.‏

إلا أن لوبير أقنع نابليون بالعدول عن المشروع لأنه اكتشف أن مستوي البحر الأحمر أعلي من مستوي البحر الأبيض‏,‏ وقال له إنه اذا حفرنا عند السويس فستغرق مصر كلها‏.‏
فيليسيان دافيد

وعاد نابليون حزينا الي القاهرة لكن حلمه لم يمت‏,‏ اذ تولت مجموعة من المهندسين من خريجي مدرسة البوليتكنيك الشهيرة وكانوا مفتونين بعظمة نابليون ويطلق عليهم اسم السان سيمونيين‏LesSa‏ ي‏mtsS‏ ي‏mon‏ي‏ens‏ مشروع القناة وأتوا الي مصر في عصر محمد علي عام‏1832‏ وحصلوا علي اذن منه بالذهاب الي الموقع من جديد وتبين لهم أن البحرين مستويان وان مهندس نابليون أخطأ الحساب والتقدير‏.‏

وتسهب الوثائق في نقطة علاقة محمد علي بالسان سيمونيين حيث رفض فكرة حفر القناة إلا بشرطين‏:‏

‏1‏ ـ أن تضمن القوي العظمي حيادية القناة‏,‏ وبالتالي استقلال مصر‏.‏

‏2‏ ـ أن تمول القناة بالكامل من الخزانة المصرية ولا يدفع فيها أحد مليما واحدا‏.‏

وبالطبع كان الشرطان مستحيلين لكنهما أظهرا حنكة وبعد نظر محمد علي في مسألة القناة‏.‏

طبق المكرونة الذي غير تاريخ مصر
من الصفحات المثيرة في الوثائق علاقة أسرة ديليسبس بأسرة محمد علي‏,‏ فنابليون لم ينس مصر بعد أن عاد الي فرنسا بعد‏13‏ شهرا من اقامته بها‏,‏ وبعد أن عاد جيشه مهزوما في‏1801‏ ارسل دبلوماسيا اسمه ماتيو ديليسبس الي مصر لاختيار مصر اموالا لفرنسا يحكمها بعد أن قام الانجليز باختيار البرديسي‏,‏ فوقع اختيار ماتيو ديليسبس علي هذا الضابط الألباني القريب من شيوخ الأزهر فاصطفاه وقدم له المشورة والمساعدة حتي يبرز محمد علي الذي لم ينس ماتيو ديليسبس‏,‏ وعندما مات هذا الأخير جاء إليه الشاب فردينان كقنصل مساعد لبلاده في الاسكندرية واستقبله محمد علي بحفاوة كبيرة وعرض عليه ان يعمل في القصر مربيا ومعلما لأحب أبنائه اليه وبعد أن توطدت عري الصداقة بين الدبلوماسي الفرنسي الشاب والأمير الذي لم يكن يعرف أن محمد علي أراد أيضا أن يقوم ديليسبس بعملية تخسيس صعبة للأمير الذي كان سمينا الي الحد الذي أقلق الباشا علي مستقبل ابنه‏,‏ ومن هنا بدأ ديليسبس برنامجا رياضيا شاقا يرويه بالتفصيل في مذكراته التي تعرضها الوثائق كاملة‏,‏ وتكشف الوثائق أن محمد علي أصدر أمرا بمنع طبخ أو تناول المكرونة في القصر حتي لا يغري ذلك الأمير الذي كان يعشق المكرونة علي

الطريقة الايطالية‏.‏
ولكن ديليسبس كان يسمح للأمير الشاب بتناول اطباقه المفضلة من المكرونة خلسة ودون علم الأب‏,‏ متحملا بذلك مسئولية خطيرة أمام الباشا‏.‏

ومرت الأيام وولي عصر محمد علي ثم عباس حلمي الأول وجاء سعيد الي الحكم في وقت كانت أسرة ديليسبس تعاني الفقر والعزلة منذ سقوط امبراطورية نابليون‏,‏ فما كان من ديليسبس إلا أن ركب أول سفينة متجهة للاسكندرية ليصلها في صباح السابع من نوفمبر عام‏1854‏ ويلتقي بالأمير الذي أصبح عزيز مصر في خيمة بصحراء العامرية بالقرب من الاسكندرية في‏11‏ نوفمبر‏,‏ وهنا يعرض ديليسبس مشروع حفر القناة علي سعيد الذي قبل فورا ما رفضه والده وكأن سعيدا أراد أن يعبر عن امتنانه لمن قدم له طبق المكرونة الممنوع ليفتح بذلك صفحة جديدة وخطيرة في تاريخ مصر والعالم‏.‏

والواقع أن هذه القصة وإن كانت طريفة إلا أنها تكشف أن سعيدا الذي كان بالفعل أول من أدخل العنصر القومي المصري في الجيش وكان مولعا بجيشه لم تكن لديه اية مصادر مالية للمشروع‏,‏ ولم تكن لديه أي قوة سياسية‏,‏ فقد كان يعرف أن الأمر والكلمة هي للسلطان العثماني وهذا هو بعينه الذي جعل المؤرخين يعتقدون أن ديليسبس استطاع الحصول علي امتياز حفر القناة بفضل طبق المكرونة‏.‏

رسائل ديليسبس الي فوازان بك رئيس مهندسي موقع حفر القناة
أكثر من ألف صفحة مثيرة تضمها مراسلات فردنان ديليسبس مع المهندس الفرنسي فوازان‏,‏ الذي كان سعيد قد منحه رتبة البكوية وتكشف الحياة اليومية في موقع الحفر بكل التفاصيل من تقدم عملية الحفر الي النفقات الي العلاقات بين العمال من مختلف الجنسيات‏,‏ الي مسألة السخرة الواقعة علي الفلاحين المصريين وحتي المشاعر الشخصية لديليسبس تجاه هذه القضايا والأوامر التي يصدرها الي فوازان بك باعتباره رئيس شركة قناة السويس البحرية العالمية التي كان قد أسسها لتولي عمليات الحفر في الموقع‏.‏

وتكشف المراسلات الحياة اليومية القاسية للعمال وتعود مرارا لمسألة السخرة التي يري ديليسبس ان انجلترا وراء حملة مبالغة في موضوع السخرة الهدف منه هو وقف المشروع لأن وراءه فرنسا‏.‏

وان السخرة التي وقعت بالفعل وتسببت في موت عدة آلاف من العمال قد فرضها فرضا نظام اجتماعي شرقي يتعامل بالسخرة في كل الانشاءات المدنية كالطرق والترع وغيرها‏.‏

وتظهر المراسلات أن ديليسبس تعرض لضغوط واتهامات عن حق وعن باطل حتي من قبل الفرنسيين أنفسهم خصوصا السان سيمونيين الذين كانوا يعتقدون أنه سرق منهم مشروع القناة الذي كانوا قد عرضوه علي محمد علي ورفضه‏,‏ إلا أن أهم ما في مراسلات ديليسبس وفوازان بك هو أنها تكشف أن السخرة لم تدم سوي نحو عامين من عمر الحفر الذي استمر عشر سنوات‏,‏ وانه تم احلال الآلة محل اليد العاملة وتم تقديم الفرنسي الذي كان يستخدم السخرة للمحاكم في باريس‏.‏

ولكن كما يقول ديليسبس في احدي رسائله إن هناك أخطاء تلبس مسوخ الخطايا في ذاكرة الشعوب‏.‏

*‏ الكسندر دوماس الحائر بين الأمير عبدالقادر والخديوي إسماعيل

*‏ مشروع ضرب أوبرا عايدة
تقفز الوثائق عبر مئات الآلاف من التفاصيل الي احتفال افتتاح قناة السويس التي أثارت خيال الكتاب والفنانين من جميع أنحاء العالم‏,‏ خاصة في فرنسا التي رأت في قناة السويس انجازا فرنسيا خالصا‏,‏ وهدية قدمتها للعالم المتحضر وفتحت بها عصرا أصبحت فيه الكرة الأرضية امبراطورية واحدة‏,‏ كما يقول روائي فرنسا الشهير الكسندر دوماس في أحد أهم الوثائق الخاصة بالقناة‏.‏

وإن كان تعبير امبراطورية واحدة يناسب القرن‏19‏ ـ ويجب ألا ننسي أننا في عصر الامبراطور نابليون الثالث زوج الامبراطورة أوجيني وابن أخ نابليون بونابرت ـ فإن التعبير الذي نطلقه علي عالم اليوم انه أصبح قرية واحدة بفضل الإنترنت والأقمار الصناعية والفضائيات يثير نفس ما أثارته قناة السويس عند افتتاحها من فرحة وتفاؤل بعالم جديد مزدهر تتفتح فيه آفاق جديدة أمام الحرية والسفر والثراء‏,‏ خاصة أنه قد بدأ تعميم السفن التجارية والقطار‏,‏ ولنا أن نتصور ما أثارته قناة السويس في خيال فلاسفة وفناني وأدباء نهايات القرن‏19‏ في فرنسا والعالم‏,‏ ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي كتبها الروائي الذي ترك أعمالا خالدة في تاريخ الأدب الفرنسي والعالمي وأشهرها علي الاطلاق الكونت دي مونت كريستو والفرسان الثلاثة وعقد الملكة وغيرها‏,‏ لقد ألهب افتتاح قناة السويس خيال الروائي الفرنسي الكبير فسجل في رسالة تقع في صفحتين ونصف أحلام فناني وأدباء ذلك العصر في عالم تسوده المحبة والسلام والرخاء‏.‏

ويقول الكسندر دوماس إنه سيشرع في كتابة عمل بعنوان‏15‏ يوما في سيناء وان الموسيقي السان سيموني الفرنسي فيليسيان دافيد سيضع لها موسيقي لتصبح أوبرا تضاهي أوبرا عايدة لفيردي‏,‏ فقد كان دوماس فرنسيا متعصبا‏,‏ ويري أنه لا ينبغي أن يكون ايطاليا هو الذي يقوم بعمل أوبرا لافتتاح القناة‏.‏

وتكشف وثائق أخري أن فيليسيان دافيد قام بالفعل بتلحين العمل‏,‏ ولكنه عرض بدلا منه سيمفونية غنائية مستوحاة من مصر أيضا اسمها الصحراء اكتسبت شهرة فائقة اكتفي بعدها دافيد بهذا العمل ليتفرغ لأشياء أخري‏.‏

ويكشف الروائي الفرنسي الكبير‏,‏ أن الخديو إسماعيل وقد حاز اعجاب العالم والامبراطورة أوجيني‏,‏ قد أثاره أن يدعو الامبراطور نابليون الثالث والامبراطورة أوجيني والأمير عبدالقادر الجزائري بطل مقاومة غزو فرنسا للجزائر عام‏1832‏ والذي أصبح صديقا للامبراطور بعد ذلك‏,‏ وكانت فرنسا تنوي أن تؤسس مملكة عربية اسلامية في المغرب العربي يحكمها الأمير عبدالقادر باسم فرنسا‏.‏

ومن هنا كانت غيرة اسماعيل من الأمير عبدالقادر وعدم ارتياحه لوجوده بين المدعوين‏,‏ خاصة أنه كان يعرف اعجاب الامبراطور بالأمير الجزائري‏,‏ ولعل هذا يفسر عدم خروج الأمير عبدالقادر خلال زيارته لمصر عن منطقة الاحتفالات بالاسماعيلية وسفره بعد ذلك للبنان مباشرة‏.‏

تأميم القناة والعدوان الثلاثي وبركة طبق المكرونة
في وثيقة شديدة الحيوية بعنوان مفاوضات الحكومة المصرية وشركة قناة السويس عام‏1958‏ كتب جان بول كالون شهادته علي مفاوضات تعويض المساهمين في شركة القناة بعد التأميم وكان الجنرال ديجول قد عينه في المفاوضات الصعبة مع مصر عقب تولي الجنرال الحكم في فرنسا خلفا لحكومة جي موليه التي قادت العدوان الثلاثي علي مصر‏.‏

يقول جان بول كالون إن الأجواء بين فريقي المفاوضات كانت متوترة بل شديدة التوتر‏,‏ وكان هذا هو أول لقاء رسمي بين مسئولين مصريين وفرنسيين منذ الحرب‏,‏ ومع هذا كان الفريق المصري بقيادة الدكتور العمري الذي كان محافظا للبنك المركزي ويضم في عضويته حسن بغدادي المحامي ود‏.‏ علي الجريتلي الاقتصادي الشهير ود‏.‏ عبدالحليم الجندي مستشار بالحكومة المصرية ود‏.‏ برهان سعيد الذي كان عضوا بشركة القناة قبل التأميم ود‏.‏ محمد عبدالقادر القانوني بوزارة الخارجية‏.‏

ويفرد كالون صفحات طوالا للحديث عن د‏.‏ مصطفي الحفناوي منظر عملية تأميم القناة‏,‏ برغم أنه لم يكن عضوا بالوفد المصري إلا أن عبدالناصر أرسله ليكون مستشارا له‏.‏

ومن خلال تفاصيل كثيرة ينتقد جان بول كالون الذي أصبح فيما بعد وحتي وقت قريب رئيسا للجمعية الفرنسية لاصدقاء قناة السويس والأب الروحي لقناة السويس في فرنسا‏,‏ ما يسميه الغفلة التي عاشت فيها شركة قناة السويس اداريين وقادة ومهندسين وعمالا وظنوا أنهم سيعيشون الي الأبد كدولة داخل الدولة في مصر‏,‏ ناسين أن الحركة الوطنية المصرية قد تأججت في مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية‏,‏ وان المد الوطني قادم لا محالة لاسترداد القناة‏.‏

ويقول إن أحدا في الشركة أو في فرنسا لم يفكر لحظة واحدة في استباق الأحداث باسترضاء العنصر القومي المصري أو بتعديل شروط الامتياز لصالح مصر وكأنهم ـ يقول كالون ـ يرون كل ما يحدث في العالم وقد عميت قلوبهم تماما عما يجري في مصر‏.‏

ويعود كالون الي وقائع المفاوضات ونأخذ منها طرفتين مثيرتين‏:‏
الأولي عندما تعذر التوصل لاتفاق فلم تكن مصر تريد أن تدفع الا تعويضات صورية وكانت فرنسا ممثلة في الشركة تريد استرداد كل شيء من مصر‏,‏ وعند جولة المفاوضات الأولي في روما في فبراير‏1958‏ كانت المفاوضات تتم بانعزال كل فريق في غرفة ويقوم بدور المكوك بينهما خبراء من البنك الدولي‏,‏ مما يدل علي التوتر الشديد بين الفريقين وانتهت الجولة بفشل ذريع‏,‏ وتعبيرا عن حسن النيات قبل الوفد الفرنسي القيام بجولة ثانية بالقاهرة نزولا علي دعوة من جمال عبدالناصر‏,‏ وحدث هذا بالفعل في مايو من نفس العام‏,‏ وبدأت الأجواء تقل توترا ولكن بقي الخلاف علي ما هو عليه‏.‏

وفي هذه الجولة‏,‏ يقول جان بول كالون في شهادته ان المساهمين الفرنسيين طلبوا من عبدالناصر اعطاءهم حق استخدام اسم السويس علي أي شركة سيقومون بإنشائها في فرنسا بعد ذلك‏,‏ فكان رده عليهم مادمت قد استرددت القناة يمكنكم الاحتفاظ بمجرد الاسم‏.‏

أما الواقعة الثانية فقد حدثت في جنيف عند الجولة الثالثة والأخيرة وأصر كل فريق علي مواقفه‏,‏ وكادت المفاوضات تفشل بعد أن تجاوزت الساعة الواحدة ليلا وشعر الجميع بجوع شديد فخرجوا في مدينة جنيف في هذه الساعة المتأخرة باحثين دون جدوي عن أي شيء يمكن تناوله فوقعوا مصادفة علي مطعم فدخلوه‏,‏ وكانت المفاجأة أنه لم يكن قد بقي بمطابخ المطعم سوي صنف المكرونة الايطالي فتناولوه بشهية‏,‏ وفي أثناء الطعام وعلي المائدة انفرجت الأزمة ووجدوا حلولا لها بسرعة‏,‏ ويسمي كالون هذا بركة طبق المكرونة الذي كان السبب في حفر القناة وكان السبب في عودة العلاقات مع مصر‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~