لقراءةالنص بالعربى  الصفحة الأولى  مصر  الوطن العربى  العالم  تقارير المراسلين  تحقيقات  قضايا وآراء  إقتصاد  الرياضة  ثقافة وفنون  المرأة والطفل  يوم جديد  الكتاب  الأعمدة  ملفات الأهرام  لغة العصر  شباب وتعليم  الوجة الآخر  شركاء فى الحياة  الغنوة  الساخر  شباب اليوم  دنيا الكريكاتير  بريد الأهرام 

مواقع للزيارة
إصدارات الأهرام
 
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
مجلة السياسة الدولية
الأهرام المسائى
الأهرام ويكلى
الأهرام إبدوا
الأهرام العربى
الأهرام الإقتصادى
مجلة الشباب
مجلة الديموقراطية
مجلة علاء الدين
لغة العصر

إعلانات وإشتراكات

عناوين الاهرام الإلكترونية

الكتاب

43776‏السنة 131-العدد2006اكتوبر14‏21 من رمضان 1427 هـالسبت

هو و هي
الشيخ شلتوت إمام التوفيق والتقريب
بقلم‏:‏ ســنـاء البيـــسي

ولا كل من لبس العمامة يزينها‏,‏ ولا كل من ركب الحصان خيال‏..‏ لقد زان شلتوت العمامة والإمامة‏,‏ وكان آخر فرسان الأئمة المجددين العظام انطلاقا من الفكر النبوي الذي جعل التجديد سنة الله وقانونا من قوانين الفكر الإسلامي‏:‏ يبعث الله لهذه الأمة كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها‏..‏ الشيخ الإمام الأكبر محمود شلتوت البوصلة والجوهر والمرجع والأستاذ القاطع بالرأي الذي لا يخاف في الحق لومة لائم‏,‏ المفتي بالحق الشجاع بالعلم الداعي بسلامة المنطق القادر بقوة الإقناع المنصت للرأي الآخر‏,‏ المنطلق بفكره من قيود التقاليد‏,‏ المنادي بالتجديد الانقلابي في الأزهر الشريف‏..‏ من كان يرحب بالذهاب إلي القمر ليري بعينه أثرا من آثار القدرة الباهرة لله الفعال لما يريد‏..‏ من أطلق عليه العقاد لقب إمام التوفيق والتقريب‏..‏ من فرق في مقالة بعنوان شخصيات الرسول بين الرسول كرسول معصوم يوحي إليه‏,‏ والرسول كبشر يعتريه ما يعتري أي بشر من عوارض‏,‏ وهاجمه علماء الأزهر لكنه لم يلتفت لمثل هذه الأمور‏..‏ الذي نفي الكفر عمن يعتقد أن عيسي عليه السلام قد توفي‏,‏ واستشهد بالآيات القرآنية ومنها فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم‏.‏

شلتوت الإمام الأكبر الذي كان صدره الرحب لا يضيق بالسؤال وإن جاوز السؤال حدود السؤال‏..‏ من أفتي بشجاعة الحق أن الإسلام لا يوجب علي أحد اتباع مذهب معين‏,‏ ولمن قلد مذهبا من المذاهب أن ينتقل إلي غيره ولا حرج عليه في شيء‏,‏ وإن مذهب الجعفرية‏,‏ المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية‏,‏ مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة‏,‏ وذهب الشيخ المجتهد الشجاع في عدم اعترافه بالتفرقة المذهبية إلي أنه وهو شيخ الأزهر كان يقدم الدكتور القمي من علماء الشيعة في إيران للإمامة في الصلاة دون حرج مرات ومرات ليصلي من خلفه‏,‏

ومن جهود الشيخ الفكرية والعلمية التي تبناها الأزهر الشريف في عهده احتضانه لكل المذاهب الإسلامية الموثقة المصادر‏,‏ وإصدار الموسوعة الفقهية باعتماد المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية‏:‏ الحنفي‏,‏ والشافعي‏,‏ والمالكي‏,‏ والحنبلي‏,‏ والجعفري‏,‏ والزيدي‏,‏ والإباضي‏,‏ والظاهري مما جعل الأزهر متفردا بين كل الجامعات الإسلامية‏,‏ فاتحا الباب أمام إسلام واحد بلا مذاهب‏,‏ حتي لقد أنشأت إيران مجمعا للتقريب بين السنة والشيعة يرأسه مدير سني هو الإمام آية الله محمد خراساني الذي أقام في مارس‏2001‏ حفل تكريم للشيخ الراحل محمود شلتوت والإمام آية الله بروجردي من علماء إيران شارك فيه نخبة من رجال الدين المستنيرين في مصر‏.‏

ابن منية منصور مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة ولد في الساعة التاسعة والدقيقة العشرين من مساء‏22‏ أبريل‏1891‏ ليشق طريق التلمذة حتي الأستذة في مدرسة الإحياء والتجديد للإمام محمد عبده‏,‏ كان يقطن بالشقة رقم‏7‏ بالدور الثالث من العمارة رقم‏12‏ شارع إسماعيل الفلكي بحي الظاهر قبل انتقاله عام‏1958‏ إلي فيلته في مصر الجديدة وذلك بعد إنجابه أربعة أنجال‏:‏ إيهاب الضابط والمهندس سعيد وخبير البترول أحمد وجلال موجه العلوم بالأزهر ومن البنات أربع نزيهة وحكمت وفوزية وفكرية‏..‏ ذريته أنجبت ما شاء الله أربعين حفيدا‏..‏ في الحرب العالمية عام‏1942‏ كانت كلما دوت صفارة الإنذار‏

‏ وبدأت المدافع المضادة للطائرات ترسل هديرها‏,‏ يهرع الجميع إلي المخبأ‏,‏ يلتمس طريقه في الظلام‏,‏ وكان الشيخ يأخذ في بث الشجاعة في نفوس الأطفال الذين يستولي عليهم الجزع قائلا للصغير‏:‏ أتبكي ليضحك منك الناس؟ وهل يبكي الرجال؟ أنسيت أنك رجل صغير؟ فيكف الطفل عن البكاء‏,‏ ويسأل أباه‏:‏ وهل الرجل الصغير لا يبكي؟ فيقول له‏:‏ كلا‏,‏ وإلا فإنه لا يكبر‏,‏ بل يظل طوال حياته رجلا صغيرا‏..‏ فإذا فرغ من تسكين روع صغاره استدار إلي الكبار ممن يضمهم المخبأ‏,‏ ومضي يشغلهم بالحديث عن متابعة قصف المدافع ودوي القنابل‏,‏ ويؤكد لهم أن الألمان لا يبغون شرا بالشعب المصري الآمن‏,‏ وأنهم لا يلقون القنابل جزافا‏,‏ بل يحددون أهدافهم بدقة‏!‏ ويحدث يوما بينما يؤكد لمن أطار الرعب صوابهم من السيدات والرجال‏,‏ مدي دقة الطيارين الألمان في إصابة أهدافهم

‏ أن سقطت قنبلة ضخمة علي مسافة تبعد عن المخبأ بضع عشرات من الأمتار‏,‏ فإذا بالمخبأ ينشال وينحط‏,‏ وصاحت إحدي السيدات مولولة باكية تقول له‏:‏ ها هم الألمان يا سيدنا يلقون القنابل جزافا فقال لها ضاحكا‏:‏ لا تصدقي‏!‏ لابد أن يكون هذا الطيار طيار إيطالي خايب‏!..‏ وتنتهي الحرب العالمية‏,‏ وتأتي بعدها بسنوات حرب فلسطين‏,‏ وتدوي صفارات الإنذار من جديد‏,‏ ويسارع سكان المنزل جميعا إلي المخبأ ماعدا الشيخ شلتوت‏,‏ فقد ظل يلازم مسكنه مع أسرته‏,‏ علي الرغم من أنه يقطن في الطابق الأخير‏,‏ والطوابق الأخيرة معرضة لخطر الغارات أكثر من سواها‏,‏ ويسألونه لماذا لا يلجأ إلي المخبأ فقال‏:‏ لأنه من المخجل أن ترغمنا دولة من الأفاقين‏,‏ كدولة إسرائيل علي دخول المخابئ‏,‏ ده عيب قوي‏!..‏ ولم يطل الأمر بسكان المنزل حتي اعتنقوا هذه النظرية‏,‏ فلم يعد أحد يهتم بالالتجاء إلي المخبأ‏!‏

الشيخ شلتوت من تميز بشجاعته الأدبية في مواجهة الأحداث‏,‏ وحرية الرأي فيما يبدي من آراء‏,‏ ومن هنا وضع اسمه في قائمة السراي السوداء خلال حكم الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق‏,‏ ولم يحفل بما ناله من اضطهاد السراي ومن محاربتها له حربا لا هوادة فيها بلغت موارد الرزق‏,‏ فاستقال من وظيفته واشتغل بالمحاماة مع الشيخ علي عبدالرازق الذي كان قد فصل من القضاء الشرعي بسبب كتابه الإسلام وأصول الحكم‏,‏ وكان يضطلع بالقضايا الشرعية الكبري المعقدة‏..‏ وحدث أن زاره تاجر كبير كان عضوا في هيئة سياسية بارزة كان من بين نوابها‏,‏ ويتمتع بنفوذ كبير في الدوائر والأوساط الرسمية‏,‏ وقد جاء لشلتوت يستطلع الرأي فيما أسماه فتوي دينية قائلا‏:‏ إنني أشتري كل أسبوع مائتي نسخة من القرآن الكريم أحملها علي صدري وأذهب بها إلي الجامع‏

‏ وأظل واقفا بها حتي يخرج المصلون‏,‏ فأوزعها عليهم‏,‏ أليس في تكبد مشقة حمل هذا العدد الكبير من النسخ‏,‏ ما يجعلني أظفر بالثواب في الآخرة والمغفرة عن ذنوبي؟ فقال فضيلته‏:‏ لا شك في أن توزيع كتاب الله الكريم علي الناس مجانا‏,‏ عمل ينطوي علي الخير ومن يعمل مثقاف ذرة خيرا يره‏.‏ فقال التاجر النائب‏:‏ وحمل نسخ الكتاب‏,‏ هذه الشيلة الثقيلة‏,‏ أليس لها ثوابها؟ ألا تجازي بالعفو عن كل الذنوب؟‏!‏ وحاول فضيلة الشيخ إقناعه بالحسني أن حمل النسخ في حد ذاته يعتبر أمرا ثانويا‏,‏ ولكن التاجر أبي أن يفهم‏,‏ وراح يناقش في لهجة متعالية لم تعجب فضيلته فقال له‏:‏ اصغ إلي‏.‏ لو أنك حملت حمارا آلافا من النسخ‏,‏ ليذهب بها من مكان إلي آخر‏,‏ فهل يكون للحمار أي فضل في هذه الحمولة؟ فأجاب الرجل‏:‏ كلا‏!‏ فقال فضيلته ضاحكا‏:‏ اتفقنا إذن‏,‏ أهي دي زي دي‏!‏ وانصرف التاجر غاضبا وهو يقسم أن يذهب لرئيس الحكومة ليشكوه إليه‏.‏

كان فضيلته يثور علي أصحاب سرادقات المآتم الذين يضعون الميكروفونات المتعددة لتجسيم صوت المقرئ بكيفية تثير أعصاب الأهالي‏,‏ وتحرم المريض من السكون‏,‏ والمتعب من الراحة‏,‏ والطالب من استذكار دروسه‏..‏ ولما قيل له‏:‏ لماذا لا تكتب مقالا تهاجم فيه هذه العادات المزعجة؟ قال‏:‏ نحن الآن في عهد ملك طاغية‏,‏ وحكومة مستبدة‏,‏ فلو ظهر مثل هذا المقال فسول تخرج صحف الحزب الحاكم لتقول إن الشيخ شلتوت يمنع تلاوة القرآن‏!‏ ولا يبعد أن يصدق الناس ذلك‏,‏ وقد أوصانا الرسول عليه السلام بأن نداري سفهاءنا‏,‏ لا أن نقاتلهم‏!....‏ ثم عاود الشيخ القول‏:‏ إني لأرثي للأموات أكثر من رثائي للأحياء‏,‏ فما أحسب أحدا من الذين تزعجهم هذه الميكروفونات‏,‏ يقابل هذا الإزعاج بالترحم علي المرحوم‏!..‏ وعندما خرج أذناب فاروق علي الناس بتقليعة نسبه الشريف المزعوم‏,‏ عن طريق أمه نازلي‏,‏ التي ثبت فيما بعد أنها من سلالة فرنسية لجدها لوالدتها‏

‏ قيل للشيخ شلتوت‏:‏ كيف يسكت السادة العلماء وكبار رجال الدين عن هذه الكذبة الضخمة؟ فقال‏:‏ إن للدين ربا يحميه من الإفك والأفاكين‏,‏ وقد رأينا في التاريخ حكاما ادعوا الألوهية‏,‏ فذهبت ريحهم‏,‏ ولن يبعد علي فاروق أن يدعي الألوهية إذا طال به العهد‏,‏ ولن يطول عهد رجل يفتري علي الله كذبا‏.....‏ ولم يطل العهد بفاروق بعدها وكأنما كان فضيلته يقرأ سطور الغيب‏!‏

كان الشيخ محمود شلتوت في بيته أبا مثاليا عصريا يتخذ من أبنائه أخوة له ويحرص علي تعليم البنات بشعار لا زواج قبل الحصول علي الشهادة‏,‏ وظل حتي النهاية يعطي الكبير قبل الصغير العيدية ومعها كيس بمب وينفخ البالونات للأحفاد‏..‏ وتصرح الابنة الصغري فوزية للكاتب الصحفي حسن عبدالله بأن والدتها الهانم كانت تقوم علي خدمة الزوج خدمة روحية فتسأله عما حدث له في يومه وتطمئن علي أحواله فيجيبها بحب وبساطة بالغين‏,‏ وكان بدوره يستشيرها في كل شيء‏:‏ ولم نسمعه يوما يتحدث عن امرأة سواها بل كان قوله الدائم لها‏(‏ كل نساء الدنيا عندي هنا في بيتي مجتمعات في واحدة هي أنت‏)..‏ وكانت هناك زائرات كثيرات من أوروبا وإفريقيا البعض منهن أتي ليشهر إسلامه علي يد الوالد‏,‏ والبعض للتعرف عليه‏,‏ وكانت والدتي حريصة علي حضور مثل تلك اللقاءات‏..‏

وكنا نستمع معه إلي الغنآء والموسيقي ونشاهد التليفزيون‏,‏ ولازلت أتذكر ذلك الموقف عندما دخل والدي المنزل وكان عبدالوهاب يغني في الراديو أغنيته التي يقول فيها‏:‏ أنا هيمان ويا طول هيامي‏,‏ فأنصت والدي من بعيد قليلا ثم قال غاضبا‏:‏ كيف يغني عبدالوهاب مثل هذا الكلام‏.‏ هل يعقل أن يغني أنا طلياني وأبويا ألماني اطلبوه لي فورا‏..‏ فضحكت وقلت له‏:‏ انتظر يا بابا حضرتك سمعتها غلط‏,‏ فهو يغني أنا هيمان ويا طول هيامي‏,‏ فضحك ضحكته الجميلة وهو يقول‏:‏ كيف وصلت إلي أذني هكذا؟‏!..‏ وكان والدي الشيخ يستمع إلي أم كلثوم وعبدالحليم وغيرهما من المطربين والمطربات دون أدني حرج‏.‏

ولقد كانت فتوي الإمام الأكبر الشيخ شلتوت مفاجأة مفرحة للمسلمين في مصر والعالم عندما أفتي ليس بإتاحة الغناء والموسيقي بكل ألوانها‏,‏ و لكن بالدعوة إلي تعلمها ومعرفة أصولها‏,‏ فالغناء والموسيقي‏:‏ الأصل فيهما الحل‏,‏ والحرمة عارضة‏,‏ وحب اللذة‏:‏ غريزة فطرية في الإنسان‏,‏ والشرع ينظمها دون قمع ولا إفراط‏,‏ وجميع ما قيل بشأن التحريم ضعيف‏,‏ أو يتحدث عن توظيف الغناء والعزف في المحرمات‏,‏ وأضاف الشيخ شلتوت في فتواه أنه قد نقل عن النبي صلي الله عليه وسلم‏,‏ ثم كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والمحرمات‏,‏ وكان الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر في القرن الثالث عشر الهجري ذا ولع شديد بالسماع‏,‏ وعلي معرفة بأصوله‏,‏ ومن كلماته في بعض مؤلفاته‏:‏ من لم يتأثر برقيق الأشعار‏,‏ تتلي بلسان الأوتار‏,‏ علي شطوط الأنهار‏,‏ في ظلال الأشجار‏,‏ فذلك جلف الطباع حمار‏!‏

كان الكاتب الساخر وليم باسيلي الجار المقابل لشقة الشيخ شلتوت في عمارة الظاهر‏,‏ الذي تحولت العشرة الطويلة الطيبة بينهما إلي صداقة متينة‏..‏ كانا يجلسان في الشرفة معا لتبادل أطراف الحديث علي بخار الشاي ودخان السجائر ليجرهما الحديث إلي ذكر الطلاق ومآسيه فيقول الشيخ‏:‏ والله ما من شيء يحز في نفسي وينقبض له قلبي مثل وقوع الطلاق‏..‏ إنه بيت يخرب‏,‏ وأسرة تتفكك‏,‏ وأطفال تتشرد‏,‏ وبناء قائم يستحيل إلي كومة رماد‏..‏ ومن هنا جاءت فتواه بأن الإسلام ليس ذا شغف في التفريق بين الرجل وزوجه‏,‏ والطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة رجعية‏,‏ ويرد الرجل زوجه إليه بكلمة الرجعة أو بالمخالطة الخاصة‏,‏ والحلف بالطلاق كعلي الطلاق لا يقع به طلاق أصلا‏..‏ والطلاق علي فعل شيء أو تركه لا يقع به أيضا متي كان القصد منه التهديد والتخويف ولم يقصد الطلاق‏...‏
يد الامام الاكبر الشيخ شلتوت تصافح المرأة التي رفع القران من شأنها

ودائما كان بيته مفتوحا لكل قاصد لا يرد أحدا‏,‏ ويوم أن جاءته فتاة غرر بها شاب وتزوجها عرفيا دون إثبات‏,‏ وضاعف من حرج موقفها أنها رزقت منه بطفل عجزت عن إثبات نسبه إلي أبيه الذي تنكر لها ولطفله‏.‏ تبني فضيلته قضيتها فأرسل في طلب الشاب‏,‏ وأخذ يبين له عواقب فعلته المنكرة‏,‏ ومازال به حتي بكي الشاب بين يديه نادما‏,‏ فأرسل فضيلته في طلب المأذون حيث عقد زواجهما في منزله‏,‏ ودفع فضيلته مهرها من جيبه‏,‏ مضافا إليه رسوم وأتعاب المأذون‏,‏ ودعا الحاضرين علي شرب الشربات احتفالا بالزواج واستكتب الشاب اعترافا ببنوة الطفل‏,‏ وشيعهما تجاه الباب بعد أن نفح كلا منهما مبلغا من النقود‏..‏ ويروي وليم باسيلي الكثير عن خفة ظل جاره الشيخ شلتوت الذي كان يصعد يوميا ثلاثا وتسعين من درجات السلم ليصل إلي مسكنه‏,‏ وفي السنين الأخيرة قبل انتقاله لمصر الجديدة لم يكن يقوي علي صعود السلم دون أن يقف بين كل طابق وآخر ليسترد أنفاسه‏..‏ وكان الحال من بعضه بالنسبة لجاره ــ الذي كان يطلق علي نفسه اسم المجاور أسوة بطلبة الأزهر ــ إذ لم يعد الآخر يقوي علي ارتقاء السلم دفعة واحدة كما كان أيام زمان‏

‏ ويحدث كثيرا أن يلتقيا في هذه المحطات فيقفا لتبادل الحديث بأنفاس مبهورة‏..‏ وكأنما كانت وقفتنا للحديث لا للاستراحة‏,‏ ولكنه فيما يبدو لم يصبر طويلا علي هذا النفاق الذاتي فقال لي ضاحكا‏:‏ قل لي يا وليم‏..‏ نكونشي عجزنا واحنا مش واخدين بالنا؟‏!..‏ فأبدي له اعتراضي البالغ واحتجاجي علي رأيه المبالغ فيه فيسرع لطمأنتي ضاحكا‏:‏ لك حق‏..‏ احنا دلوقتي في قمة الشباب لكن يظهر أن السلم هو اللي طول‏!!..‏ وينتقل الشيخ شلتوت بعدها إلي فيلته في مصر الجديدة ليجلس ساعة العصاري في البلكونة مرتديا جلبابه الأبيض والطاقية البيضاء وأمامه براد الشاي الكبير تحيطه عدة أكواب‏..‏ يرشف قدرا ثم يدعو كل من يمشي أمام البلكونة‏:‏ اتفضل شاي‏..‏ حتي باعة الخضار والجرائد كانوا يتوقفون تلبية لدعوته بعد أن يصب لهم الشاي بيده ليمضي معهم وقتا في الدردشة منصتا لحديثهم الساذج البسيط بانتباه تام‏..‏ وعندما استرعي انتباهه ارتباك راهبات المدرسة المقابلة لسكنه الجديد وترددهن في الحديث معه بادر بزيارة المدرسة لينشئ جسر الحوار والجوار الذي شيده راسخا ليغدو سكة للراهبات يسألنه في بيته عن أمور الدين‏,‏ ولم تزل صورة الشيخ الجليل معلقة في إطارها داخل المدرسة إلي جوار صور القساوسة والرهبان رمزا لسماحة الإسلام وروحه الودود‏..‏

إمام التطوير الذي أصبحت مشيخة الأزهر في عهده تتجه إليها الوفود شرقية وغربية وعربية ومسلمة وغير مسلمة‏..‏ الذي سافر إلي الشرق الأقصي وزار الصين والفلبين واندونيسيا والملايو ونال الدكتوراه الفخرية من جامعات شيلي بأمريكا اللاتينية والجامعة الإسلامية بأندونيسيا‏,‏ وجامعة سومطرة الشمالية‏,‏ والجامعة الإسلامية بالفلبين‏,‏ كما منح وسام الشرف من الملك محمد الخامس ملك المغرب وملك أفغانستان محمد طاهر شاه‏,‏ ولقب مواطن فخري من أحمد أهيد جو رئيس جمهورية الكاميرون‏,‏ وزاره في بيته هيلا سيلاسي إمبراطور الحبشة‏,‏ ورئيس العراق عبدالسلام عارف‏,‏ ورئيس اليمن عبدالله السلال و‏...‏ الذي نال شهادة العالمية عام‏1918,‏ وفي عام‏1927‏ انتقل للجامع الأزهر مدرسا عز عليه أن يجد الجامع الشريف متهاويا ضعيفا فنهض له ثائرا ناقدا نظامه داعيا لإصلاحه فتم فصله عام‏1931‏ ليعود إليه في منصب الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر في‏13‏ أكتوبر‏1958‏ بعد مسيرة عمل وريادة عين فيها عضوا في لجنة الفتوي‏,

‏ وأصغر أعضاء جماعة كبار العلماء عام‏1941,‏ وعضوا في مجمع اللغة العربية عام‏1946‏ ضمن عشرة أعضاء أطلق عليهم الأستاذ أحمد أمين العشرة الطيبة‏..‏ وبتوليه المشيخة قام برعاية قانون تطوير الأزهر الذي يجعل من جامعته بكلياتها الشرعية والمدنية المنبع الذي يلبي احتياجات المسلمين في علوم الدنيا والدين‏..‏ ولكن الدولة لم تكن تثق بنوايا شيوخ الأزهر تجاه توجهها الاشتراكي‏,‏ في مقابل سوء ظن شيوخ الأزهر برجالات الثورة واتجاهاتهم الاشتراكية مما أحدث المفارقة التي بلغت حد المأساة عندما أصبح الشيخ شلتوت ذاته وهو روح التطوير وداعيته وراعيه أول ضحايا قانون التطوير الذي تم إقراره في ليلة واحدة مع آخر جلسة في مجلس الأمة الموحد بين مصر وسوريا المجلس الذي كان يرأسه محمد أنور السادات عندما طلب من الأعضاء أن ينتهوا من إقرار هذا القانون في هذه الجلسة لأنها كانت نهاية الفصل التشريعي‏..‏ انتهت حياة الشيخ الجليل بمأساة اقترفتها البيروقراطية واستبداد الاختصاصات التي أرادت لمنصب شيخ الأزهر أن يكون دينيا فقط ولا علاقة له بالسلطة‏..‏ فخاض معركة صامتة تحلي فيها بالصبر ضد العدوان علي الأزهر‏

‏ وكتب بقمة الشجاعة والشموخ والكرامة المذكرات الشاملة الشارحة إلي عبدالناصر رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه علي صبري والتي ألحقها باستقالته من المشيخة في‏6‏ أغسطس‏1963..‏ الاستقالة التي ذيلها بأنه لن يقبل علي دينه وكرامته السكوت علي تضييع أمانة الأزهر مطالبا بإعفائه منها‏:..‏ وليس أمامي إلا أن أضع استقالتي من مشيخة الأزهر بين أيديكم بعد أن حيل بيني وبين القيام بأمانتها‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏....‏ ويسقط الشيخ صريع الشلل في نصفه الأيسر‏,‏ وعندما يشعر ضباط الثورة بالحرج أمام الزائرين الأجانب الذين يلحون في طلب زيارته أشاعوا أنه اعتزل الحضور للأزهر بسبب مرضه‏,‏ فما كان من الشيخ الثائر إلا إعلان سفره إلي قطاع غزة بالسيارة الجيب التي يتركها ليسير علي قدميه ليتفقد أحوال أهلها‏..‏ ولا تمضي شهور أربعة بعد الاستقالة حتي يدخل شلتوت مستشفي الجمعية الخيرية لإجراء إحدي الجراحات‏..‏ وتنجح العملية‏..‏ ولم يكن الشيخ مرحا في يوم من الأيام أكثر منه في يومه الأخير بعد الإفاقة من البنج فقد ظل يداعب أحفاده‏,‏ وقبل أن تصعد روحه إلي بارئها بدقائق كان حديثه إلي زواره عن الإسراء والمعراج‏..‏ ثم توقف فجأة‏..‏ أزمة قلبية طارئة‏..‏ حاول الأطباء إنقاذا بأنابيب الأكسجين‏

‏ لكن الروح كانت قد فاضت لبارئها‏..‏ الروح التي قال عنها شلتوت إنه لم يرد في الدين نص صريح يشرح حقيقتها ويحدد وجودها لكنها كغيرها من حقائق الكون تركت للبحث البشري يبحث عنها فيصيب أو يخطئ‏..‏

الشيخ محمود شلتوت أحد أفرع شجرة الإحياء والاعتدال الإسلامي التي رواها فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني‏,‏ ووضع مشروعها التجديدي الإمام محمد عبده‏,‏ و أضاءت بثمار الفكر المجدد لمحمد رشيد رضا‏,‏ ومحمد مصطفي المراغي‏,‏ ومصطفي عبدالرازق‏,‏ ومحمد أبوزهرة‏,‏ وحسن البنا‏,‏ وحسانين مخلوف‏,‏ وأحمد حسن الباقوري‏,‏ وعبدالحليم محمود‏,‏ وسليم البشري‏,‏ ومحمد الغزالي‏,‏ ويوسف القرضاوي‏...‏ رجالات من زمن الأزهر الشريف عندما كانت مصر تتيه بلقبها بلد الأزهر وقت أن شع نوره في العالم الإسلامي ليغدو الانتساب إليه مجالا للبركة والاعتزاز‏,‏ وذلك قبل أن يخفت النور ويتراجع ويتقزم حجم الأزهر‏,‏ وتتدهور أحواله بأمراض الوساطة‏,‏ ويفقد رصيده في العالم الإسلامي‏..‏ بلد كان فيه شيخ الأزهر علي جاد الحق يسكن بالدور الخامس في شقة بالمنيل بلا أسانسير‏,‏ وعندما أصيب بالأزمة القلبية لم تستطع أنبوبة الأكسجين اللحاق بأنفاسه الأخيرة أثناء صعودها الكعابي فوق السلالم‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~