الكتاب

43490‏السنة 130-العدد2006يناير1‏غرة ذى الحجة 1426 هـالأحد

سميرة الكيلاني
بقلم: فاروق شوشة

عرفت سميرة الكيلاني عن قرب‏,‏ حين أتاح لي الإعلامي الرائد سعد لبيب ــ مؤسس إذاعة البرنامج الثاني‏(‏ البرنامج الثقافي الآن‏)‏ وأول مدير له‏,‏ أن أكون واحدا من الكوكبة التي أتيح لها شرف العمل معه في وضع الأسس والتصورات الأولي لهذه الإذاعة الوليدة التي لم يكن مضي علي افتتاحها غير عام واحد‏,‏ كانت الكوكبة تضم من المخرجين الكبار‏(‏ صلاح عز الدين وكامل يوسف ومحمود مرسي ــ الذي أصبح نجما تليفزيونيا وسينمائيا فيما بعد ــ وعباس أحمد‏)‏ ومن المقدمين والمعدين سميرة الكيلاني وحكمت عباس وعفاف المولد وسهير الحارتي وبهاء طاهر وفؤاد كامل‏,‏ ثم انضم إليهم ــ بعد سنوات ــ نور الدين مصطفي وإبراهيم الصيرفي‏.‏

وكان الإذاعي والكاتب الكبير فاروق خورشيد يقدم أول مجلة ثقافية إذاعية عرفتها الإذاعات العربية هي أخبار الثقافة التي كان يشارك في تحرير أبوابها الأسبوعية الثابتة نجوم الجمعية الأدبية المصرية‏:‏ صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل وعبد الرحمن فهمي وأحمد كمال زكي وشكري عياد وغيرهم‏.‏

لم يكن من الصعب أن أكتشف أن سميرة الكيلاني هي الملكة المتوجة لهذا المكان الذي كان خلية نحل لا تهدأ‏,‏ جميع من فيها يبدعون علي غير مثال سابق ــ كما يقول عنهم بهاء طاهر ــ طموحاتهم بلا حدود‏,‏ وخيالهم محلق في كل اتجاه‏,‏ وتجاربهم وخبراتهم ومعارفهم تصب في برامج جديدة ومشاريع جادة لإثراء الخريطة الإذاعية وتطويرها باستمرار‏,‏ كانت سميرة تعد وتقدم برنامجها الذائع الصيت في ذلك الوقت مع النقاد‏,‏ الذي تختار له الأعمال الأدبية والفكرية ذات القيمة العالية‏,‏ والنقاد الذين تؤهلهم استعداداتهم وثقافاتهم لمناقشة أعمال بعينها هي الأقرب إليهم‏,‏ وكان جمهورها الواسع في مصر‏,‏ وفي اقطار الوطن العربي ــ فقد كانت الموجة المتوسطة التي يذاع عليها البرنامج الثاني تحمل صوت مصر الثقافي الي كل عاصمة عربية‏,‏ والآن لا يكاد هذا الصوت يسمع حتي في القاهرة فقط ــ كان هذا الجمهور يلتف من حول هذا البرنامج الذي ولد قويا ورائعا بفضل صاحبته الفذة‏,‏ وإدارتها البديعة للحوار ووعيها الكاشف عن كل ما ينبغي الكشف عنه في مسارات المناقشة واستطاعت سميرة أن تضع بصمة أستاذيتها علي توجهات هذا البرنامج‏,‏ وبرنامجها الآخر كتابات جديدة الذي خصصته لإبداعات الشباب وتجاربهم الجديدة‏,‏ وأصواتهم الواعدة‏,‏ وعندما اختطفت سميرة الكيلاني من الإذاعة لتكون بصحبة سعد لبيب وصلاح زكي في تأسيس التليفزيون قبل أن تنضم إليهم همت مصطفي‏,‏ كان لي شرف تقديم مع النقاد من بعدها‏,‏ ولايزال هذا البرنامج علي خريطة البرنامج الثقافي حتي اليوم يذكرني بعصره الذهبي الذي كان له عندما كان مقترنا باسم سميرة الكيلاني‏.‏

وفي التليفزيون‏,‏ ومنذ اليوم الأول في الإرسال التليفزيوني ــ في يوليو‏1960‏ ــ تكشفت المواهب العديدة ــ إنسانيا وثقافيا وفكريا ــ لسميرة الكيلاني ــ وأصبحت ــ بسرعة مدهشة ــ مضرب المثل في الإخلاص والالتزام والابتكار والتجديد كان كيانها الإنساني الفذ يحتوي طاقة هائلة من الإصرار والصمود والقتال الهاديء ــ إذا تطلب الأمر ــ من أجل تحقيق ما تؤمن به‏,‏ من غير تراجع أو استسلام‏,‏ وكان أسلوبها الراقي ولغتها العفة في التعامل مع الآخرين وسيلتها في اقتحام قلوبهم وعقولهم وترسيخ صورة هذا النموذج غير المتكرر كان التليفزيون يموج بأخلاط كثيرة غير متجانسة‏,‏ من بينهم القادمون من العمل الإذاعي‏,‏ والقادمون من العمل السينمائي‏,‏ والقادمون من شارع محمد علي‏:‏ العوالم وأصحاب المهن المساعدة‏,‏ وكانت سميرة بين هؤلاء جميعا قامة شامخة‏,‏ واسما لامعا لا يذكر إلا مقترنا بالإجلال والاحترام‏,‏ وسرعان ما أصبح هذا الاسم قرين الوجه الثقافي للتليفزيون المتمثل في عدد من البرامج التي شكلت الخريطة الثقافية الاولي‏:‏ رحلة اليوم‏,‏ من صفحات التاريخ‏,‏ السندباد المصري‏,‏ ندوة للرأي‏,‏ العلم للجميع‏,‏ وجها لوجه‏,‏ رأي الشعب‏(‏ الذي كان يقدمه الإذاعي الكبير طاهر أبو زيد‏),‏ نور علي نور‏,‏ عالم الحيوان‏,‏ مع الفن‏,‏ الفن الشعبي‏.‏ الذي كشف عن موهبة إخراجية وثقافية وفنية كبيرة تمثلت في شخصية مخرجه شوقي جمعة‏),‏ وفي مقدمة هذا كله كان هناك البرنامج الدرامي الجميل قصة قصيرة الذي كان يقدم معالجة درامية لقصة مختارة لمبدعين من شتي الأجيال‏,‏ وكانت سميرة الكيلاني تقوم بالاختيار والتقديم‏,‏ أما الإخراج الدرامي فكان لتليفزيوني واعد‏,‏ أصبح فيما بعد أحد مخرجي الدراما الكبار هو يحيي العلمي‏,‏ وهي الفترة نفسها التي كان فيها محمود مرسي وحسين كمال يجولان ويصولان‏,‏ ويجربان ويقترحان‏,‏ لإرساء دعائم الدراما التليفزيونية‏,‏ وتقديم التجارب الأولي الناجحة والحاصلة علي جوائز باهرة سجلت اسميهما في سجل الرواد العظام‏.‏ أما سميرة نفسها فقد أتيحت لها دراسة الإخراج التليفزيوني في لندن‏,‏ والبرامج الثقافية في ألمانيا‏,‏ ولم تتوقف سميرة الكيلاني عن العطاء بعد أن أبعدت عن التليفزيون‏,‏ فامتلأت سنواتها الأخيرة بحضور ثقافي بارز ومشرف من خلال عملها في دار المستقبل العربي للنشر‏,‏ توجه وتشير وترسم الخطط وتضع الرؤي وتوضح المسار‏.‏

مثل سميرة الكيلاني حضور لا ينسي نستدعيه كلما استدعينا بعض صور الزمان الجميل‏,‏ والشخصيات النبيلة النادرة‏,‏ التي عرفناها واحببناها في إجلال واحترام وإعجاب دائم لا يزول‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~