قضايا و اراء

43387‏السنة 130-العدد2005سبتمبر20‏16 من شعبان 1426 هـالثلاثاء

حالة حوار
وادي الحيتان‏!‏
بقلم : د‏.‏ عمرو عبد السميع

دخولنا إلي مربع يتوخي المعايير الدولية ـ في أي مجال ـ هو أمر ينبغي أن نحتفل به مرتين‏,‏ الأولي لأن ذلك يعني أن الادارة في مصر ستخضع نفسها ـ أساسا ـ للمعايير‏,‏ أو يخضعها الآخرون‏,‏ والثانية لأن إنصياعنا سيكون للمعايير‏(‏ الدولية‏)‏ الأمر الذي يعني أننا سنتكلم ـ لمرة نادرة ـ لغة يفهمها العالم والناس‏,‏ ولا تخص إدارتنا السنية ـ فقط ـ حين يعج خطابها باشارات أقرب إلي السيم والغمز‏,‏ والايحاءات المنغمة التي توحي ـ جميعا ـ بأن الإدارة في مصر خطيرة‏,‏ وأن وراء كل أكمة ـ عندنا ـ ما وراءها‏,‏ وهو ما يجافي ـ إذا أذنتم ـ حقائق الواقع‏,‏ وطبيعة الأشياء‏.‏

لغة الإدارة ـ عندنا ـ تمتليء بألغاز التفضيلات الشخصية‏,‏ واستبعاد الاعتبارات الموضوعية‏,‏ وفساد القواعد الاجرائية‏,‏ واختراق النظم المرعية‏.‏

علي أية حال ـ وقبل أن أسترسل في واحد من أحاديثي المفضلة ـ هذه الأيام ـ عن إغتيال الموضوعية‏,‏ فإن حالة دخولنا إلي مربع المعايير الدولية ـ التي هي سبب كتابة هذا المقال كانت إعلان منظمة اليونسكو‏(‏ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم و الثقافة‏)‏ منذ أسابيع سبعة وبالتحديد يوم‏15‏ يوليو الفائت في مدينة ديربان بجنوب افريقيا‏,‏ اعتبار‏(‏ وادي الحيتان‏)‏ الذي يقع في نطاق محمية وادي الريان الطبيعية جنوب غرب محافظة الفيوم المصرية‏(‏ والذي كتبت لكم عنه ضمن دعوتي أن تحبوا الصحراء منذ شهور‏)‏ محمية تراث طبيعي عالمي‏,‏ لتكون ـ علي هذا النحو ـ أول موقع مصري يدرج في تلك القائمة العالمية كبيرة القدر والمقام‏,‏ وهو ما سوف ـ بالضرورة ـ يحقق دعاية دولية ويؤسس وعاء للجذب السياحي خلال السنوات المقبلة‏.‏

وأزعم أننا إذا أعملنا التفكير وأطلقنا العنان لطاقات مصرية موهوبة ومثقفة للتعامل مع هذا الموقع بعيدا عن براثن البيروقراطية‏,‏ أو الخيال واطيء السقوف‏,‏ أو نيران الكراهية المترصدة الأحلام لاسقاطها‏,‏ أو استهوال أن تأتي الحلول من خارج الجهاز الإداري المدموغ بخاتم احتكار العبقرية‏,‏ فإننا نستطيع أن نجعل من وادي الحيتان مقصدا نقوم بتسويق مصر سياحيا علي حسه لوحده‏,‏ وسوف أعود لتلك النقطة بعد أن أشرح معني الانضمام لقائمة المواقع الطبيعية العالمية‏.‏

إذ يعني مفهوم التراث العالمي ـ الذي ينقسم إلي ثقافي وطبيعي ـ أنه ملك للانسانية والعالم‏,‏ وأنه أمانة في أعناق حكومات وحكام الدول التي تشرفت باختيار مواقع فيها ضمن ذلك الاختيار‏,‏ وهو ـ بالتالي ـ يعني إلقاء المسئولية الكاملة علي عاتق تلك الحكومات الواقعة بها تلك المواقع للعمل علي حمايتها الكاملة وإدارتها بما فيها منع أية جهة من إدارات الدولة دخول المواقع تحت أي مسمي مثل‏(‏ مشروع قومي ـ أو طرق الخدمات العامة ـ أو المنفعة العامة‏)‏ إذ ـ وبمنتهي الوضوح ومن البداية ـ ينبغي أن يقر في أذهاننا أن أي مساس بتلك المواقع يؤدي إلي الشطب من القائمة العالمية‏,‏ والإساءة إلي سمعة الدولة‏,‏ فضلا عن توابع عديدة مروعة ومتتابعة منها حجب المعونات الدولية من اليونسكو‏.‏

والمعروف أن في مصر خمسة مواقع ثقافية دولية منها الأهرام والقاهرة القديمة وسانت كاترين‏,‏ وموقع طبيعي دولي واحد هو وادي الحيتان الذي عليه الكلام‏!‏

وتعد مصر سببا أساسيا في فكرة تلك القوائم العالمية للتراث الطبيعي أو الثقافي‏,‏ فهي التي دعت في الستينيات ـ العالم أجمع لإنقاذ آثار النوبة ونقلها قبل أن تطالها مياه النيل وتغرقها بعد بناء السد العالي‏,‏ وتحويل مجري النهر‏,‏ فتضافرت كل الجهود الانسانية لنقل تلك الآثار وضمنها معبد أبي سمبل‏,‏ ومن هنا اكتشفت منظمة اليونسكو تلك الوظيفة لنفسها وسعت لحماية مواقع ثقافية وطبيعية بعينها علي ظهر الكوكب

.........................‏
وأجدني مشدودا ـ بعد ذلك ـ أن أحكي لكم عن وادي الحيتان قبل أن أصارحكم بمخاوفي من مصير أخشاه وأتوقعه لتلك التحفة التاريخية الطبيعية الخلابة‏.‏

وادي الحيتان هو المحمية الطبيعية الوحيدة ـ كما ذكرت ـ التي دخلت إلي القائمة الدولية‏,‏ ويقع ذلك الوادي في حارة جهنم بالطرف الشمالي الغربي لمحمية وادي الريان بالفيوم التي تضم أربعمائة وستة من الهياكل العظمية لأنواع الحيتان الأولي البائدة‏,‏ وقد تم في أوائل العام الحالي‏(2005)‏ اكتشاف هيكل ضخم لأحد تلك الحيتان‏,‏ ويلقب بالسحلية الملك‏,‏ إذ كانت له أرجل‏,‏ ويبلغ طول ذلك الهيكل من دون الرأس ستة عشر مترا‏.‏

وهذا الوادي هو منخفض عميق كان مغطي بمياه البحر المتوسط‏,‏ وتحجرت كائناته منذ العصر الأيوسيني الأول‏(‏ أي منذ‏60‏ مليون سنة بالتمام والكمال‏),‏ ومساحة المحمية‏1759‏ كيلو مترا مربعا‏,‏ وتضم إلي جوار هياكل الحيتان‏,‏ حفريات لأسماك القرش‏,‏ والأصداف والحيوانات البحرية‏,‏ والأعشاب ونبات الشورة‏(‏ المانجروف‏)‏ كما يضم الوادي عددا من الحيوانات المهددة بالانقراض‏.‏

وكان وادي الريان أعلن محمية طبيعية عام‏1989‏ بقرار رئيس الوزراء رقم‏(943)‏ وتم تعديله عام‏1997‏ برقم‏(2954).‏

ولكنني شديد القلق علي تلك الثروة التي لا تقدر بثمن‏,‏ إذ لدي مصر أربع وعشرون محمية تساوي ـ من حيث الحجم ـ‏10%‏ من أرض مصر‏,‏ ودخل هذه المناطق من السياحة يدخل إلي خزانة الدولة‏,‏ ثم لا تقوم الدولة بالصرف علي المحميات إلا ببضعة ملاليم‏,‏ في عملية هدر مادي وتاريخي أخري نضبط فيها الإدارة متلبسة إفراطا وتفريطا‏.‏

ليست هناك ـ في تلك المنطقة مثلا ـ عربات‏4*4‏ تقوم بحراسة تلك الأودية الشاسعة وحمايتها‏,‏ ولو أراد أي شخص الحصول علي عظمة من ورك ديناصور مثلا‏,‏ أو قطعة من صدر رخ‏,‏ يستطيع أن يحملها أو ينشرها‏,‏ وينطلق بها ـ حلالا بلالا ـ إلي الدوائر العلمية والمتحفية الدولية الكبري فيستقبل استقبال الأبطال الظافرين‏.‏

ما حافظت عليه الطبيعة وحمته لستين مليون سنة‏,‏ يمكن أن يتآكل ويذهب إلي داهية‏,‏ علي أيدينا وببركة جهود الإدارة السنية‏.‏

هناك من يشاركني مخاوفي‏,‏ وبالتالي فهي ليست هواجس ذاتية ولدتها عقدة متأصلة في نفسي إزاء الإدارة‏.‏

كان محمود القيسوني رئيس لجنة السياحة البيئية باتحاد غرف السياحة يضع يده علي قلبه‏,‏ وهو يحكي لي عن أمثلة تعرضت فيها المواقع الثقافية الدولية في مصر إلي غارات بربرية وهمجية بشعة‏,‏ ومثال لها قيام إحدي الوزارات بمد طريق دائري‏(‏ المنيب‏)‏ ليخترق الصحراء من أول ترعة المنصورية بشكل قوس من خلف أهرامات الجيزة وحتي طريق الأسكندرية‏,‏ وقد تدخلت منظمة اليونسكو‏,‏ وهددت بشطب موقع الأهرام الثقافي من القائمة الدولية ووقف المعونات الدولية‏,‏ فكانت النتيجة أن أوقفت الإدارة ـ علي مضض ـ غارتها علي صحراء الهرم‏,‏ وقد كان السبب المباشر لتدخل اليونسكو هو اعتبار موقع أهرام الجيزة وما حوله تراثا ثقافيا ملك الانسانية من الواجب حمايته والحفاظ علي كنوزه التاريخية المدفونة تحت الرمال‏(‏ زاهي حواس رئيس المجلس الأعلي للآثار قال أنه اكتشف توابيت فرعونية علي بعد حوالي مائتي متر في الصحراء‏,‏ من الطرف الغربي لكوبري المنيب وعلي الخط الذي كان من المفترض تشييد الكوبري أعلاه‏).‏

.......................‏
وأعود إلي وادي الحيتان‏,‏ سبب تلك المخاوف المشتركة‏.‏

لابد أن نفكر‏(‏ من وسع‏)‏ في بناء مفهوم التنمية السياحية في تلك المناطق‏,‏ إذا كان الحوت ذو الأرجل هو النغمة السياحية التي أقوم بتسويقها‏,‏ فليكن شكل الفندق هو الحوت‏(‏ كما شكل أحد فنادق ديزني لاند هو الدولفين‏)‏ ولتكن مواسم تكاثر الحيتان هي إحدي المناسبات التي نروج فيها للوادي‏,‏ ولتمتليء حواف المنطقة بمدن ملاه أهم فقراتها هي حيتان تقوم بالألعاب في برك صناعية‏,‏ أو مطاعم تبيع لحم الحوت‏,‏ ومراكز علاجية تستخدم زيوت كبد هذا الحيوان البحري‏,‏ ومكتبات تمتليء بمعلومات عن تاريخ المنطقة‏,‏ وخرائط لمواقع الكشوف‏,‏ ومتاحف يعاد تركيب الهياكل العظمية للمخلوقات البحرية العملاقة في مداخلها‏,‏ وأكاديمية صغيرة لدارسي الجيولوجيا وعلوم البحار‏,‏ وسلع ـ من كل لون ـ لها علاقة بذلك الحيوان البحري‏,‏ أقداح للشاي‏,‏ وقمصان والتي شيرت‏,‏ وتماثيل ولعب أطفال‏,‏ وأطقم صيني مطبوع عليها كلمتي وادي الحيتان وصورة الحوت ذي الأرجل‏,‏ ومؤتمرات تعقد ـ سنويا ـ لصائدي الحيتان ودارسي تاريخها وبحيرات صناعية عميقة تغطي مياهها نماذج ثابتة أو متحركة للمخلوقات البحرية البدائية‏,‏ ويغوص فيها السائحون بمركبات خاصة‏.‏

دنيا بأسرها‏..‏ نستطيع أن نخلقها حول ذلك الكنز الطبيعي والتاريخي والعلمي الفريد‏.‏

ما الذي يعوقنا؟‏!‏
ببساطة عدد من الأشياء‏,‏ أولها الجمود‏,‏ وعدم الرغبة في الحركة واستهوال الخيال أو الحلم‏(‏ كان فيلم جوراسيك بارك عن مزرعة الديناصورات لستيفن سبيلبيرج جزءا من صرعة أوروبية وأمريكية لدراسة الديناصور وإحياء الاهتمام به وإنتاج المئات من السلع التي تحمل اسمه ورسمه‏,‏ وإثارة تيار من الوعي التعليمي‏..‏ ولكن هذا كان في مجتمعات تحلم وتعترف بعبقريات الحالمين بها ولها‏).‏

ثم هناك معضلة أخري تواجه تطوير تلك المنطقة‏,‏ بل والفيوم بأسرها سياحيا وهي الإجراءات الأمنية الكثيفة والحضور الأمني الزائد لمواجهة الإرهاب في تلك المنطقة‏(‏ فقد عرفت الفيوم مراكز وقواعد للإرهاب مثل قرية كحك بما يجعلها خاضعة لسيطرة أمنية مشددة علي هذا النحو‏)..‏ ولكن لابد أن نجد حلا ونعيد تأهيل الناس وتشغيلها بتلك المناطق وفي صناعة السياحة بالذات كيما نستطيع أن نستفيد بكنزها المرصود‏.‏

هذا بالاضافة إلي غياب كثير من الخدمات في مواقع التميز الأثري والطبيعي في المنطقة‏,‏ وعلي رأسها ـ لدهشتي ـ مجرد دورات مياه‏.‏

عظيم‏..‏ لدينا موقع ستطبق عليه المعايير الدولية‏,‏ ولكن علينا أن نثبت أننا علي قد تلك المعايير‏,‏ وأننا قادرون علي أن نحلم له ونمد أيادينا للسماء كيما نلمس إحد نجومها‏,‏ ثم نعود إلي الأرض لا تمنعنا قوة من تحقيق أحلامنا‏,‏ حتي لو كانت البيروقراطية الجاهلة التي إحترفت خنق المعايير ثم قتلها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~