قضايا و اراء

43351‏السنة 129-العدد2005اغسطس15‏10 من رجب 1426 هـالأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
بقلم الدكتور‏:‏زغلـول النجـار

‏193‏إنا لما طغي الماء حملناكم في الجارية‏*‏ ‏*(‏ الحاقة‏:11)‏
هذه الآية الكريمة جاءت في الخمس الأول من سورة الحاقة‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثنتان وخمسون‏(52)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الذي استهلت به لحديثها عن الآخرة وأهوالها‏,‏ والساعة وشدائدها‏,‏ لأن الحاقة من أسماء القيامة التي يتحقق فيها الوعد والوعيد ثم انتقلت السورة إلي الحديث عن عدد من الأمم المكذبة وعن هلاكها في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وعن تنجية الصالحين من بينهم‏,‏ مشيرة إلي نجاة من آمن مع سيدنا نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ أثناء الطوفان‏,‏ وبسرعة فائقة تنقلنا السورة مرة أخري إلي وصف شئ من أهوال الآخرة‏,‏ وإلي انقسام الناس فيها إلي شقي وسعيد بناء علي سلوكهم في هذه الحياة الدنيا‏.‏

ثم يأتي القسم الإلهي‏(‏ بما يبصر الناس وما لا يبصرون‏)‏ علي أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الموحي به إلي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ والذي نقله هو بأمانة تامة إلي أمته‏,‏ ونزهته الآيات عن الشعر‏,‏ والكهانة‏,‏ وأكدت أنه ـ صلي الله عليه وسلم ـ لصدقه وأمانته وإخلاصه العبادة لله تعالي ـ لم يكن ليتقول علي الله بعض الأقاويل وإلا لكان عقابه من الله صارما‏.‏ وتؤكد الآيات أن القرآن الكريم لتذكرة للمتقين‏,‏ وأن الله ـ تعالي ـ يعلم علم اليقين أن من عباده مكذبين بالقرآن الكريم وببعثة خاتم النبيين‏,‏ وأن هذا التكذيب سيكون حسرة علي الكافرين لأن القرآن الكريم هو حق اليقين‏.‏ وتختتم السورة الكريمة بأمر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وأمر كل تال لهذه السورة المباركة أن يسبح باسم الله العظيم وأن ينزهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏

وتبدأ السورة الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ـ
الحاقة‏*‏ ما الحاقة‏*‏ وما أدراك ما الحاقة‏*‏ كذبت ثمود وعاد بالقارعة‏*‏ فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية‏*‏ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية‏*‏ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فتري القوم فيها صرعي كأنهم أعجاز نخل خاوية‏*‏ فهل تري لهم من باقية‏*(‏ الحاقة‏:1‏ ـ‏8)‏
و‏(‏الحاقة‏)‏ هي الساعة الآخرة‏,‏ أي القيامة التي تحق وتثبت فيها الأمور الحقة التي كان ينكرها المنكرون من الكفار والمشركين‏,‏ والضالين المتشككين وفي مقدمتها قضايا البعث‏,‏ والحساب‏,‏والجزاء‏,‏ والجنة‏,‏ والنار‏,‏ وما إلي غير ذلك من غيوب الكون‏.‏
و‏(‏الحاقة‏)‏ مشتقة من‏(‏ حق‏)‏ الشئ‏(‏ يحق‏)‏ أي ثبت‏,‏ ومعناها التي‏(‏ تحق‏)‏ فيها الأمور‏,‏ أي تعرف علي حقيقتها‏,‏ مشتقة من الفعل‏(‏ حققته‏)(‏ أحقه‏)‏ إذا عرفت حقيقته‏.‏

و‏(‏الحاقة‏)‏ أيضا قد تكون مستمدة من الفعل‏(‏حاققته‏)(‏ أحاقه‏)‏ فـ‏(‏حققته‏)‏ أي‏:‏ غالبته فغلبته‏,‏ فهي‏(‏ حاقة‏)‏ لأنها‏(‏ تحق‏)‏ كل‏(‏ محاق‏)‏ ـ أي مخاصم ـ في دين الله بالباطل فتغلبه‏.‏
و‏(‏الحاقة‏)‏ مبتدأ‏,‏ خبره جملة‏(‏ ما الحاقة‏),‏ والقسم بـ‏(‏ الحاقة‏)‏ قسم عظيم لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد‏,‏ ولهذا عظم الله أمرها بتكرار قوله‏(‏ تعالي‏):(‏ ما الحاقة‏),‏ ثم توجه السورة الكريمة السؤال إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ وإلي كل مؤمن برسالته‏,‏ وإلي كل صاحب عقل وبصيرة فتقول‏:(‏ وما أدراك ما الحاقة‏)‏ أي‏:‏ وأي شئ تعلم عن الحاقة وكنهها وخطورة شأنها؟ حيث إن أهوالها وشدائدها لا يكاد العقل البشري أن يتصور شيئا منها‏.‏ وجملة‏(‏ ما الحاقة‏)‏ في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني لـ‏(‏أدراك‏).‏

و‏(‏القارعة‏)‏ القيامة لأنها تقرع القلوب قرعا بشدة أهوالها وأفزاعها‏,‏ من‏(‏القرع‏),‏ وهو صك جسم صلب بجسم صلب آخر بعنف‏,‏ يقال‏:(‏ قرع‏)‏ الناقوس أي دقه‏,‏ و‏(‏قرع‏)‏ الباب أي طرقه‏,‏ ومنه‏(‏قوارع‏)‏ الدهر أي‏:‏ شدائده وأهواله‏.‏

وتؤكد السورة الكريمة أن كلا من قبيلة‏(‏ عاد‏)‏ و‏(‏ثمود‏)‏ ـ في غالبيتهم ـ كذبوا بالقيامة التي سوف تقرع قلوبهم بأهوالها وشدائدها‏.‏
ثم توضح الآيات كيفية هلاك هؤلاء الكفار والمشركين فتقول‏:‏ فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية‏*‏ أي الصيحة‏.‏

وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية‏*‏

و‏(‏الصرصر‏)‏ شديدة السموم‏,‏ من‏(‏ الصر‏)‏ بالفتح وهو شدة الحر‏,‏ أو هي شديدة البرودة مهلكة من‏(‏الصر‏)‏ بالكسر وهو شدة البرد الذي‏(‏ يصير‏),‏ أو هي شديدة الصوت من‏(‏ صر‏)(‏ يصر‏)(‏ صرا‏)‏ و‏(‏صريرا‏),‏ وقد تجمع كل ذلك‏.‏

و‏(‏عاتية‏)‏ بمعني متجاوزة الحد في شدتها‏,‏ أي أن الكافرين من قوم عاد أهلكوا بريح عنيفة مدمرة‏,‏تجاوزت الحد في شدتها‏,‏ فلم يقدروا علي مواجهتها علي الرغم من قوتهم‏.‏ وهذه الريح إما كانت شديدة الحر أو شديدة البرد زيادة في عذابهم‏.‏ وهذه الريح سلطها الله ـ تعالي ـ عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما‏(‏أي متتابعة لا تنقطع‏)‏ حتي استأصلهم‏,‏ وذلك من قولهم‏:‏ حسمت الدابة‏,‏ أي‏:‏ تابعت كيها علي الداء مرة بعد أخري حتي ينحسم‏,‏ أو‏(‏ حسوما‏)‏ بمعني نحسات مشئومات‏:‏ فتري القوم في مهاب هذه الريح العاتية موتي محطمين كأنهم أصول نخل فقدت رؤوسها‏,‏ وهي الجذوع‏,‏ و‏(‏خاوية‏)‏ أي ساقطة أو فارغة الأجواف من البلي والخراب والفساد من قولهم‏:‏ خوت الدار أي من أهلها فأصبحت خاوية‏.‏

ثم يأتي السؤال‏:‏ هل تري لهم من نفس باقية دون هلاك ؟‏!‏
وتتابع السورة الكريمة بعد ذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ ـ
وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة‏*‏ فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية‏*(‏ الحاقة‏9‏ و‏10).‏

أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم التي كفرت بربها‏,‏ و‏(‏المؤتفكات‏)‏ وهي قري قوم لوط التي اقتلعها جبريل‏(‏عليه السلام‏)‏ ثم قلبها فجعل عاليها سافلها بأمر من الله ـ تعالي ـ و من‏(‏ ائتفك‏)‏ بمعني إنقلب‏,‏ والمراد أهل تلك القري الذين جاءوا بالخاطئة أي بالأفعال الفاحشة الشنيعة‏,‏ وإسناد تلك الأفعال الخاطئة إلي القري مجاز‏,‏ وإنما هو منسوب لأهلها الذين عصوا أمر ربهم وأوامر رسله إليهم فأخذهم الله ـ تعالي ـ‏(‏ أخذة رابية‏)‏ أي زائدة في الشدة عن أخذه ـ سبحانه وتعالي ـ لغيرهم من الأمم التي أهلكت من قبلهم نظرا لتجاوزاتهم في معصية الله ـ تعالي‏..‏ وتتابع الآيات بالإشارة إلي عقاب الكفار من قوم نوح ـ عليه السلام ـ وإلي نجاة الذين آمنوا معه فتقول‏:‏
إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية‏*‏ لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية‏*‏ ‏(‏ الحاقة‏:11‏ و‏12)‏
و‏(‏الجارية‏)‏ هي سفينة نوح‏(‏ عليه السلام‏),‏ التي جرت في ماء الطوفان الذي أغرق الأرض بماء المطر وبتفجر الأرض عن مخزونها المائي في الصخور‏,‏ وقد جاوز الماء حده‏,‏ وعلا فوق الأرض فأغرق كل حي إلا نبي الله نوح ومن حملهم معه من البشر والحيوان والنبات‏,‏ والخطاب موجه إلي البشر من بعد نوح وحتي قيام الساعة باعتبار أن الذين حملوا مع نبي الله نوح ـ عليه السلام ـ هم الأصول التي تناسل أهل الأرض جميعا منهم من بعد نوح‏,‏ وذلك لكي يجعلها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ تذكرة‏(‏ أي‏:‏ عبرة وعظة‏)‏ لما كان فيها من نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين‏,‏ ولكي تحفظها كل أذن حافظة لما تسمع من تلك الأخبار‏,‏ من‏(‏ الوعي‏)‏ بمعني الحفظ في النفس‏.‏

وتتنقل الآيات بعد ذلك إلي الحديث عن الآخرة وأهوالها لتقول‏:‏
فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة‏*‏ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة‏*‏ فيومئذ وقعت الواقعة‏*‏ وانشقت السماء فهي يومئذ واهية‏*‏ والملك علي أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية‏*‏ يومئذ تعرضون لا تخفي منكم خافية‏*(‏ الحاقة‏:13‏ ـ‏18)‏

و‏(‏نفخة الصور‏)‏ هنا هي النفخة الأولي أو نفخة الصعق التي يصعق علي إثرها كل حي إلا من شاء الله‏,‏ كما تحمل الأرض والجبال وتحطم تحطيما كاملا بضرب بعضها ببعض ضربة واحدة فتتحولان إلي غبار متناثر‏,‏ وهذه كلها من أمارات الآخرة في أوائل أحداثها‏,‏ ومن أماراتها كذلك انشقاق السماء وانفطارها وتصدعها‏,‏ وزوال السنن الحاكمة لها فتنهار في ضعف بعد أن كانت محبوكة الإنشاء محكمة البناء‏,‏ شديدة التماسك‏.‏

والملائكة واقفون علي أرجاء هذه السماء المتصدعة المنهارة ينتظرون أمر الله ـ تعالي ـ لهم‏,‏ ويحمل عرش الرحمن ـ سبحانه وتعالي ـ يومئذ ثمانية من الملائكة الأشداء أو ثمانية من صفوفهم‏.‏

وفي هذا اليوم العصيب يبعث كل ميت بعد النفخة الثانية‏,‏ وتحشر الخلائق للحساب والجزاء‏,‏ عرضا أمام الله ـ تعالي ـ الذي يعلم السر والنجوي‏,‏ ولا يخفي من أي منهم سر‏,‏ ولا تواري خبيئة‏.‏

وبعد ذلك تتحدث الآيات عن مصائر العباد في هذا اليوم العصيب فعن الناجين منهم فتقول‏:‏

فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه‏*‏ إني ظننت أني ملاق حسابيه‏*‏ فهو في عيشة راضية‏*‏ في جنة عالية‏*‏ قطوفها دانية‏*‏ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية‏*(‏ الحاقة‏:19‏ ـ‏24).‏

فأما من أعطي كتابه بيمينه فيقول معلنا فرحه وسروره لمن حوله‏:‏ خذوا إقروا كتابي‏,‏ إني أيقنت في الدنيا أن الله ـ تعالي ـ سوف يحاسبني في الآخرة‏,‏ فأعددت نفسي لهذا اللقاء‏,‏ وكافأني ربي بعيشة يعمها الرضي الثابت الدائم يرضي بها الفائز بها ولا يسخطها أبدا‏,‏ في جنة رفيعة الدرجات‏,‏ ثمارها قريبة من متناولها‏,‏ يقطفها كلما أراد‏,‏ و‏(‏قطوف‏)‏ جمع‏(‏ قطف‏)‏ بمعني‏(‏ مقطوف‏)‏ وهو ما يجتنيه الجاني من الثمار‏,‏ و‏(‏دانية‏)‏ اسم فاعل من الدنو بمعني القرب‏.‏ ومن قبيل المبالغة في تكريم أهل الجنة يقال لهم‏:‏ كلوا واشربوا أكلا وشربا لا مكروه فيهما‏,‏ ولا أذي منهما‏,‏ وذلك بما قدمتم من أعمال صالحة في حياتكم الدنيوية الماضية

وفي المقابل تنتقل الآيات إلي الحديث عن مصائر الهالكين لتقول‏:‏
وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه‏*‏ ولم أدر ما حسابيه‏*‏ ياليتها كانت القاضية‏*‏ ما أغني عني ماليه‏*‏ هلك عني سلطانيه‏*‏ خذوه فغلوه‏*‏ ثم الجحيم صلوه‏*‏ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه‏*‏ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم‏*‏ ولا يحض علي طعام المسكين‏*‏ فليس له اليوم ها هنا حميم‏*‏ ولا طعام إلا من غسلين‏*‏ لا يأكله إلا الخاطئون‏*(‏ الحاقة‏:25‏ ـ‏38)‏

ومعني هذه الآيات أن من أعطي كتابه بشماله فيقول نادما متحسرا‏,‏ يا ليتني لم أعط كتابي هذا‏,‏ ولم أطلع علي ما فيه من أخطائي‏,‏ ولم أعلم ما هو حسابي لسوء ما وجدت فيه‏,‏ ويعقب علي مصيره الأسود بقوله‏:‏ يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاطعة لأمري‏,‏ فلم أبعث بعدها‏,‏ ولم ألق ما ألقاه من مهانة وعذاب‏,‏ ولم ينفعني شئ مما ملكته في الدنيا في دفع شئ من ذلك العذاب عني‏,‏ وقد زال عني سلطاني وحجتي وقوتي‏.‏

وفي أثناء هذا الموقف‏,‏ ووسط هذا البكاء والنحيب والندم‏,‏ يقال لخزنة جهنم‏:‏ خذوه فاجمعوا يديه إلي عنقه في الغل‏,‏ ثم ألقوه في الجحيم وهي النار الشديدة التأجج لشناعة ما اقترف هذا الكافر من ذنوب وعلي رأسها الكفر بالله العظيم‏(‏ ثم الجحيم صلوه‏)‏ أي اجعلوا نار جهنم تصليه‏,‏ أي تحرقه‏,‏ أو تغرقه ثم في سلسلة بالغة الطول فاسلكوه‏,‏ أي أدخلوه فيها كأنه السلك الذي يدخل في ثقوب الخرزات بصعوبة لضيق تلك الثقوب‏,‏ وذلك لجمعها علي هيئة العقد بشئ من الإحكام‏,‏ كناية عن صعوبة تقييد الكافر بتلك السلسلة‏,‏ لأنه كان في الدنيا لا يؤمن بالله العظيم ولا بملائكته وكتبه ورسله‏,‏ ولا باليوم الآخر‏,‏ وبما فيه من بعث وحساب وجزاء‏,‏ ولم يكن يحث أحدا علي إطعام المسكين‏,‏ فضلا عن أن يقوم هو بذلك‏.‏ فليس لهذا الكافر أو المشرك اليوم في الجحيم صديق أو قريب يمكن أن يحميه أو يدفع عنه‏,‏ وليس له من طعام إلا من غسلين‏,‏ وهو شجر يأكل منه أهل النار‏,‏ فيغسل بطونهم‏,‏ أي يخرج أحشاءهم‏,‏ أو‏(‏ غسلين‏)‏ هو ما يسيل من أجسام أهل النار عند حرقها‏,‏ أو هو شر الطعام‏,‏ وأخبثه وأبشعه‏,‏ الذي لا يأكله إلا‏(‏ الخاطئون‏)‏ المتعمدون المصرون علي ذنوبهم من الكفار والمشركين من‏(‏ خطئ‏)‏ الرجل أي تعمد الذنب‏.‏

وتنقلنا الآيات نقلة أخري فيها ما فيها من تعظيم للقرآن الكريم ومن تأكيد علي أنه هو وحي الله ـ تعالي ـ المنزل علي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ويأتي القسم بما يبصر الناس وبما لا يبصرون‏,‏ لأن الكون من حولنا ملئ بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله ـ سبحانه وتعالي ـ وفي ذلك تقول الأيات‏:‏

فلا أقسم بما تبصرون‏*‏ وما لا تبصرون‏*‏ إنه لقول رسول كريم‏*‏ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون‏*‏ ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون‏*‏ تنزيل من رب العالمين‏*‏ ولو تقول علينا بعض الأقاويل‏*‏ لأخذنا منه باليمين‏*‏ ثم لقطعنا منه الوتين‏*‏ فما منكم من أحد عنه حاجزين‏*‏ وإنه لتذكرة للمتقين‏*‏ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين‏*‏ وإنه لحسرة علي الكافرين‏*‏ وإنه لحق اليقين‏*‏ فسبح باسم ربك العظيم‏*‏ ‏(‏الحاقة‏:38‏ ـ‏52)‏

ونفي القسم في اللغة العربية تعظيم للقسم وتوكيد له‏,‏ ومن معاني‏(‏ فلا أقسم‏)‏ هو لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق والتأكيد بالقسم‏,(‏ بما تبصرون‏)‏ من المرئيات والمحسوسات في عالم الشهادة‏,(‏ وما لا تبصرون‏)‏ من عالم الغيب‏,‏ والغيوب من حولنا كثيرة‏,‏ وتكفي فيها الإشارة إلي أن علماء الفلك يجزمون اليوم بحساباتهم الرياضية أن كل ما يدركه العلماء من الكون لا يتعدي العشرة بالمائة من كم المادة فيه‏,‏ ولذلك يطلقون علي غير المدرك من مادة الكون أسماء مثل المادة الداكنة أو الرمادية أو غير المرئية‏.‏

وجواب هذا القسم بجميع مخلوقات الله أن القرآن الكريم هو وحي الله الذي أنزله بعلمه علي لسان خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وهو الذي أنطقه إياه‏,‏ وكرمه وشرفه فوق جميع خلقه فوصفه بقوله العزيز‏:(‏ إنه لقول رسول كريم‏)‏ تبليغا عن رب العالمين‏.‏ونفت الآيات ادعاء كفار قريش علي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بأنه شاعر حينما عجزوا عن الإتيان بشئ من مثل القرآن الكريم‏,‏ فرد عليهم رب العالمين بقوله‏(‏ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون‏)‏ أي أن القرآن الكريم ليس بقول شاعر كما تزعمون‏,‏ أيها الكافرون لأنكم لا تؤمنون البتة‏,(‏ ولا بقول كاهن‏)‏ لأنه ليس بسجع كسجع الكهان الذي تعهدون‏,‏ ولم يعرف في التاريخ كله أن كاهنا قد أنشأ منهجا كاملا للحياة كالذي جاء به القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يكون قول كاهن‏,‏ بل كلام رب العالمين‏(‏ قليلا ما تذكرون‏)‏ أي قليلا ما يكون منكم تذكر أو تأمل لتدركوا الفارق الهائل بين كلام الله وكلام البشر‏.‏ فالقرآن الكريم هو‏(‏ تنزيل من رب العالمين‏)‏ أي تنزيل من الله الخالق الباريء المصور الذي تعهد العالمين بالخلق والرعاية والتربية‏.‏

وتؤكد الآيات صدق رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في التبليغ عن رب العالمين فتقول‏:‏ ولو ادعي علينا شيئا لم ننزله عليه لأخذنا منه باليمين أي لأخذناه بالقوة والشدة‏,‏ وعبر عنها باليمين لأن قوة كل مخلوق في ميامنه‏,(‏ ثم لقطعنا منه الوتين‏)‏ كناية عن الإهلاك‏.(‏ فما منكم من أحد عنه حاجزين‏)‏ أي فليس منكم أحد يستطيع حجز عقابنا عنه مهما بلغت قوة المحاولين‏.‏

وتؤكد الآيات أن القرآن الكريم هو عظة للمتقين الذين يمتثلون أوامر الله‏,‏ ويجتنبون نواهيه‏,‏ والله ـ تعالي ـ يعلم بعلمه المحيط أن من الناس من سوف ينكر الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ ويكذب بما نزل فيه من الحق المبين‏,‏ وإن هذا الجحود والنكران والتكذيب سوف يعود علي أصحابه بالحسرة والندامة في يوم الدين حين يرون ما هم فيه من عذاب وهوان وما فيه أهل الإيمان من تكريم ونعيم‏.‏ وتعظم الآيات من شأن القرآن الكريم فتقول‏:(‏ وإنه لحق اليقين‏)‏ أي أنه لليقين الحق الثابت الذي لا ريب فيه‏,‏ ولا شك في أنه كلام الله الموحي به الي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ ومرتبة‏(‏ حق اليقين‏)‏ هي أعلي من مرتبة‏(‏ علم اليقين‏)‏ لأنها هي مرتبة الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏.‏

وتختتم سورة الحاقة بأمر من الله ـ تعالي ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏(‏ والأمر إليه أمر لكل مؤمن برسالته إلي يوم الدين‏)‏ أن يسبح باسم ربه العظيم الذي أنزل القران الكريم‏,‏ وأن يداوم علي هذا التسبيح لله‏.‏

من ركائز العقيدة في سورة الحاقة
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالي وبملائكته‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ وباليوم الآخر‏,‏ وبالجنة ونعيمها وبالنار وجحيمها‏.‏ والخضوع لله ـ تعالي ـ بالطاعة والعبادة وبمداومة الذكر والتسبيح والتمجيد‏.‏
‏(2)‏ التصديق ببعثة سيدنا محمد بن عبد الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ خاتما لجميع الأنبياء والمرسلين‏,‏ ومتمما لرسالاتهم أجمعين‏,‏ والتصديق بحقيقة الوحي من لدن رب العالمين إلي من يصطفي من عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين لهداية الناس الي دين الله‏,‏ ولتفهيمهم حقيقة رسالتهم في هذه الحياة وتعريفهم بمصائرهم من بعدها‏.‏

‏(3)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو تنزيل من رب العالمين‏,‏ وتذكرة للمتقين‏,‏ وحسرة علي الكافرين من المكذبين والمشركين‏,‏ وإنه لحق اليقين لأنه من كلام رب العالمين المحفوظ بين أيدي الناس اليوم بنفس لغة كلمة كلمة وحرفا حرفا تحقيقا للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي ذاته العلية‏.‏
‏(4)‏ التصديق بكل ما جاء بالقرآن الكريم من ركائز الدين‏,‏ ومن سير الأولين‏,‏ ومن عذاب الكافرين والمشركين منهم‏,‏ وبمشاهد الآخرة وأهوالها‏,‏ والجنة ونعيمها‏,‏ والنار وجحيمها‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بحقيقة الغيب‏,‏ وبأن الإنسان يبصر ولا يبصر‏,‏ ويسمع ولا يسمع‏,‏ ويدرك القليل ويفوته الكثير‏,‏ وأن ما يعلمه من ملكوت السماوات والأرض لا يتعدي الشيء اليسير اليسير‏,‏ ومن هنا كانت حاجته إلي هداية رب العالمين‏.‏

من الإشارات العلمية في سورة الحاقة
‏1‏ ـ ذكر عدد من الأقوام البائدة من أمثال أقوام عاد و ثمود‏,‏ وفرعون‏,‏ وأقوام كل من نبي الله لوط ونبي الله نوح‏(‏ عليهما السلام‏),‏ والكشوف الأثرية تثبت صدق القرآن الكريم في كل ما أشار به الي تلك الأقوام‏.‏
‏2‏ ـالتلميح الي حقيقة أن بلايين الأفراد من بني الإنسان الذين يملأون جنبات الأرض اليوم‏,‏ والذين عاشوا من قبلهم الي الناجين من طوفان نوح‏,‏ والذين سوف سيأتون من بعدنا الي قيام الساعة‏,‏ كل هؤلاء هم من نسل سيدنا نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ ونسل من نجاهم الله ـ تعالي ـ معه‏:(‏ ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا‏*)(‏ الإسراء‏:3)‏

ومعني ذلك أن البشرية من بعد طوفان نوح والي قيام الساعة كانت في صلب هذا النبي الكريم وأصلاب الذين آمنوا معه علي ظهر السفينة التي نجاهم الله ـ تعالي ـ فيها ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏
إنا لما طغي الماء حملناكم في الجارية‏*‏ ‏(‏الحاقة‏:11)‏

والخطاب للبشرية كلها من بعد نبي الله نوح‏(‏ علي نبينا وعليه السلام‏)‏ وعلوم الوراثة الحديثة تؤكد هذه الحقيقة وتدعمها‏.‏

‏3‏ ـ التأكيد علي حقيقة الغيب المطلق الذي لا سبيل للإنسان في الوصول إليه إلا بوحي السماء‏,‏ والغيب المرحلي الذي تجاهد العلوم المكتسبة كلها في الوصول إليه بالتدريج كلما تقدم العلم‏,‏ وهذه العلوم المكتسبة تثبت اليوم ذلك بتقدمها المطرد‏,‏ وبإثبات أن كل ما علمه الإنسان من مادة الجزء المدرك من الكون لا يكاد يتعدي عشرة بالمائة مما هو موجود فعلا ومقدر بالحسابات الرياضية‏,‏ ولذلك يطلق علي التسعين بالمائة الباقية أسماء مثل المادة الخفية‏,‏ المادة السوداء‏,‏ أو المادة الداكنة‏.‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج الي معالجة خاصة بها ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الثانية من القائمة السابقة والتي تؤكد حمل ذرية أبينا آدم ـ عليه السلام ـ من بعد الطوفان في سفينة نوح ـ عليه السلام ـ في صلب هذا النبي الصالح وأصلاب الذين نجاهم الله ـ تعالي ـ معه‏.‏

من الدلالات العلمية في الآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله ـ تعالي ـ‏:‏ إنا لما طغي الماء‏...*:‏
جاءت قصة طوفان نوح في العهد القديم كما جاءت في القرآن الكريم‏:‏
وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت علي الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين‏*(‏ هود‏:44)‏

وبعد جهود من البحث المضني أثبت الأثري دكتورتشارلز ويلليس‏(Dr.CharlesWillis)‏ في سنة‏1980‏ م أن الموقع الصحيح لاستواء سفينة نوح هو جبل الجودي‏(MountCudiorJudyDagh)‏ علي بعد‏250‏ ميلا الي الجنوب الغربي من جبل أرارات وهو يمثل أعلي قمة في سلسلة جبال جنوب تركيا إذ يزيد ارتفاعه علي سبعة آلاف قدم فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وقد وجدت في هذه القمة بقايا سفينة نوح التي وجدت مطمورة في رسوبيات مياه عذبة‏.‏

كذلك فإن سهول ما بين النهرين‏(‏ دجلة والفرات‏)‏ والتي كانت مهدا لعدد من الحضارات القديمة سجلت خبر الطوفان الذي وجدت آثاره علي هيئة سمك هائل من رسوبيات الماء العذب تغطي المساحة ما بين النهرين‏,‏ وقد تم الحفر عليها في أربعة مواقع علي الأقل هي أور‏(UR),‏ إيريك‏(Erech),‏ كيش‏(Kish),‏ أو تل الأحمد‏,‏ وشوروباك‏(Shuruppak),‏ أو تل القعدة‏,‏ ويتراوح عمر هذه الرسوبيات بالفترة بين ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وسبعة آلاف سنة قبل الميلاد‏.‏ وقد قام بدراسة هذه المواقع مجموعات متتابعة من العلماء منهم هول‏(R.H.Hall)‏ من المتحف البريطاني بلندن‏(BritishMuseum),‏ وليونــارد وولــــــي‏(LeonardWoolley)‏ في مشروع مشترك بين المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا‏(UiniversityOfPennsylvania)‏ وقد استمرت البحوث الأخيرة في الفترة من‏1922‏ م الي‏1934‏ م‏,‏ وكشفت عن بقايا حضارات قديمة علي عمق عشرة أقدام من رواسب الماء العذب‏:‏ من الغرين والصلصال والرمل التي تمتد لآلاف الكيلو مترات المربعة والتي لا يمكن أن تنتج إلا عن طوفان غامر‏.‏ وقد تأكد ذلك بدراسة تمت في كهف يقع في شمال العراق يعرف باسم كهف شانيدار العظيم‏(TheGreatShanidarCave)‏ يحوي قطاعا
من الرسوبيات يعود عمرها الي مائة ألف سنة مضت ويحوي بقايا إنسية وقد قام بدراسته دكتور رالف سونسكي‏(Dr.RalphSonecki).‏

وقد حملت كل رسالات السماء التي أنزلت من بعد نبي الله نوح ـ علي نبينا وعليه من الله السلام ـ أخبار هذا الطوفان حتي تكون فيه العبرة لبني الإنسان‏.‏

يبقي وصف طوفان نوح كما جاء في القران الكريم والمرجع الحق عن هذه الواقعة الكبري في تاريخ الإنسانية‏,‏ وقد لخصها القران الكريم في عشرات الآيات الكريمة التي نختار منها قوله ـ تعالي ـ‏:‏

وأوحي إلي نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون‏*‏ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون‏*‏ ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون‏*‏ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم حتي إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل‏*‏ وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم‏*‏ وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادي نوح ابنه وكان في معزل يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين‏*‏ قال سآوي إلي جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين‏*‏ وقيل ياأرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت علي الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين‏*(‏ هود‏:36‏ ـ‏44)‏

وجاء في سورة القمر قول بنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر‏*‏ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر‏*‏ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر‏*‏ وفجرنا الأرض عيونا فالتقي الماء علي أمر قد قدر‏*‏ وحملناه علي ذات ألواح ودسر‏*‏ تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر‏*‏ ولقد تركناها آية فهل من مدكر‏*‏ فكيف كان عذابي ونذر‏*‏ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر‏*‏ ‏(‏ القمر‏:9‏ ـ‏17).‏

وجاءت القصة أيضا في سورة قرآنية كاملة هي سورة نوح كما جاءت إشارات عديدة لها من مثل ما جاء في سور‏:(‏ الأعراف‏:69),(‏ الإسراء‏:17,3),(‏ مريم‏:58),(‏ الفرقان‏:37),(‏ الشعراء‏:116,106,105),‏ و‏(‏ الحاقة‏:12,11).‏

ثانيا‏:‏ في قوله تعالي‏:(..‏ حملناكم في الجارية‏*):‏
والضمير في‏(‏ حملناكم‏)‏ يعود علي ذرية نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ وذراري من حملهم معه في سفينته‏,‏ أي إلي البشرية كافة من بعد طوفان نوح الي قيام الساعة‏,‏ لأن الآية الكريمة تشير الي حمل أصول تلك البشرية الثانية في صلب نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ وفي أصلاب صحبه الذين نجاهم الله ـ سبحانه وتعالي ـ معه من نازلة الطوفان‏.‏

والمعارف المكتسبة في علم الوراثة تؤكد أن البشرية كلها من لدن أبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ وحتي قيام الساعة كانت في صلبه لحظة خلقه‏,‏ ثم بدأت في التوزع الي زوجه حواء‏(‏ عليها السلام‏),‏ ثم الي بنيهما وأحفادهما الذي مثلوا الموجة الأولي من بني آدم‏.‏
ولما انحرف بنو آدم عن منهج الله أرسل الله ـ تعالي ـ إليهم الأنبياء والرسل حتي عهد نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ واستعصي الناس علي قبول هدايته فعاقبهم الله ـ سبحانه وتعالي ـ بالطوفان وقضي عليهم‏,‏ وبقيت فضلة من مجموع المورثات التي خلقها الله الخالق الباريء المصور في صلب أبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ في أصلاب كل من نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ والناجين معه ليخلق الله ـ تبارك وتعالي ـ من تلك الأصلاب موجة البشرية الثانية الي قيام الساعة‏.‏ ومن هنا كان الخطاب في الآية الكريمة التي نحن بصددها موجها الي الموجة الثانية من البشرية التي نجت من طوفان نوح واستمرت في التكاثر الي اليوم والي قيام الساعة بانقسام الشيفرات الوراثية عند تكون الخلايا التناسلية وتكاملها بالتزاوج‏.‏

وبالرجوع بعمليات انقسام الخلايا التناسلية الي الوراء مع الزمن تلتقي جميع الشيفرات الوراثية في خلايا السبعة بلايين إنسان الذين يملأون جنبات الأرض اليوم‏,‏ وفي خلايا ذراريهم الي قيام الساعة‏,‏ مع الشيفرات الوراثية التي كانت في خلايا أسلافهم الي عهد طوفان نوح ـ عليه السلام ـ مع الشيفرات الوراثية التي كانت في صلب نوح وفي أصلاب الناجين معه ومن هنا كان الخطاب لجميع أفراد موجة البشر الثانية بقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ـ إنا لما طغي الماء حملناكم في الجارية‏*(‏ الحاقة‏:11)‏

ولما كان علم الوراثة من أحدث المعارف المكتسبة‏,‏ وكانت قوانين الوراثة لم تتبلور إلا في أوائل القرن العشرين وكان مرسي سفينة نوح لم يحدد إلا في نهاية ذلك القرن كانت هاتان الومضتان المبهرتان في الآية الحادية عشرة من سورة الحاقة حقيقتين علميتين صحيحتين تشهدان للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية فحفظه حفظا كاملا في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ كلمة كلمة وحرفا حرفا في صفائه الرباني‏,‏ وإشراقاته النورانية‏,‏ والحق الذي جاء به‏,‏ والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏.‏

فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام الذي أتم الله برسالته جميع رسالات السماء‏,‏ وختم بنبوته سلسلة الأنبياء فليس من بعده من نبي ولا من رسول فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~