قضايا و اراء

43316‏السنة 129-العدد2005يوليو11‏5 من جمادى الآخرة 1426 هـالأثنين

من آسرار القرآن
بقلم الدكتور‏:‏ زغلـول النجـار

إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا‏*(‏ الإنسان‏:2)‏

هـذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مقدمات سورة الإنسان‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها إحدي وثلاثون بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بالحديث عن الإنسان ونشأته ورسالته في هذه الحياة‏,‏ مؤكدة أنه خلق للابتلاء‏,‏ وأعطي حرية الاختيار بين الشكر لله ـ تعالي ـ أو الكفر بنعمائه‏,‏ وهذا هو قمة ابتلائه والذي علي أساسه يكون مصيره في الآخرة خلودا في الجنة ونعيمها‏,‏ أو خلودا في النار وجحيمها‏.‏

وقد أجملت سورة الإنسان جزاء الكافرين‏,‏ وفصلت جزاء المؤمنين‏,‏ موجهة الخطاب إلي النبي والرسول الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مؤكدة أن الله ـ سبحانه وتعالي ـ هو الذي اصطفاه للنبوة والرسالة‏,‏ ونزل إليه القرآن الكريم تنزيلا‏,‏ وأمره بالصبر لحكم الله‏,‏ وحذره من طاعة الآثمين من المشركين والكفار‏,‏ ووجهه إلي ذكر الله كثيرا بكرة وأصيلا‏,‏ وبالسجود له بالليل طويلا‏,‏ وبتسبيحه وحمده والثناء عليه‏.‏ كذلك أنذرت سورة الإنسان من يبالغون في حب الدنيا ـ وهي الحياة العاجلة‏,‏ القصيرة المنتهية حتما بالموت ـ ويذرون أهوال الانتقال منها إلي الآخرة التي تصفها السورة الكريمة بأنها يوم ثقيل‏,‏ مؤكدة أن الله ـ تعالي ـ هو خالقهم وخالق كل شيء‏,‏ الذي أحسن خلقتهم كما أحسن كل شيء خلقه‏,‏ ثم كفروا بأنعم الله عليهم‏,‏ وهو القادر علي إفنائهم واستبدالهم بغيرهم‏.‏

وتأمر سورة الإنسان بضرورة الاتعاظ بالقرآن الكريم‏,‏ وبما فيه من آيات الذكر الحكيم‏,‏ وعلقت ذلك الاتعاظ بمشيئة الله الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ انطلاقا من إحاطة علمه‏,‏ وكمال حكمته‏,‏ وغلبة إرادته فهو ـ تعالي ـ يدخل من يشاء في رحمته‏,‏ ويخرج من يشاء منها لما يعلمه من نوايا كل فرد من البشر‏,‏ وأنه ـ سبحانه وتعالي ـ قد أعد للظالمين عذابا أليما‏.‏

وعلي ذلك فإن سورة الإنسان تمثل خطابا مباشرا من الله ـ تعالي ـ إلي عباده من بني آدم الذي خلقه بيديه‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وأنطقه بقدرته‏,‏ وأسجد له ملائكته‏,‏ وخلق نسله من صلبه‏,‏ وكرمهم بكرمه‏,‏ وأفاض عليهم من رزقه وفضلهم علي كثير من خلقه‏,‏ وعلي الرغم من ذلك كفر أغلب الناس بالله ـ تعالي ـ أو أشركوا غيره في عبادته‏,‏ ومن هنا جاء الخطاب إلي الإنسان في هذه السورة الكريمة محذرا من الخروج علي منهج الله‏,‏ ناصحا بإتقاء عذابه‏,‏ وباليقظة لحقيقة ابتلائه‏,‏ وإلي إدراك عظيم حكمته في الإنعام والابتلاء علي حد سواء‏.‏

وتبدأ سورة الإنسان بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏

هل أتي علي الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا‏*(‏ الإنسان‏:1)‏

و‏(‏هل‏)‏ حرف استفهام ولكنها هنا حرف تأكيد بمعني‏(‏ قد‏),‏ و‏(‏الحين‏)‏ طائفة محدودة من الزمن الممتد‏,‏ ولفظة‏(‏ الدهر‏)‏ تطلق علي كل زمن طويل غير معين‏,‏ وعلي مدة العالم كله‏.‏ وقد أثبتت الدراسات العلمية أخيرا أن أقدم أثر للحياة علي الأرض يعود إلي قرابة الأربعة آلاف مليون سنة‏(3,8‏ بليون سنة‏)‏ بينما أقدم أثر للإنسان لا يرجع لأكثر من مائة ألف سنة مضت مما يؤكد أن الأرض قد عمرت بمختلف أمم الحياة التي ازدهرت لعدة آلاف من ملايين السنين ولم يكن للإنسان فيها وجود‏,‏ وهنا تأتي روعة التعبير القرآني‏:‏

هل أتي علي الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا‏*(‏ الإنسان‏:1)‏

ثم تذكر السورة الكريمة الإنسان بحقيقة خلقه من نطفة مختلطة من ماءي أبيه وأمه‏,‏ وهي حقيقة لم تدركها العلوم المكتسبة إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا‏*(‏ الإنسان‏:2)‏

و‏(‏النطفة الأمشاج‏)‏ أي المختلطة هي اللقيحة المكونة من إخصاب نطفة المرأة‏(‏ البييضة‏)‏ بواسطة نطفة الرجل‏(‏ الحيمن‏),‏ و‏(‏الابتلاء‏)‏ هو الاختبار بالتكاليف حتي يثبت الإنسان جدارته بالجنة أو استحقاقه للنار‏,‏ وقد زوده الله ـ تعالي ـ بملكات الاختيار بين الشكر لله أو الكفر بنعمائه‏,‏ ومن هذه الملكات العقل والحس والضمير‏,‏ ولذلك قال ربنا ـ سبحانه وتعالي ـ‏:‏

إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا‏*(‏ الإنسان‏:3)‏

وبعد ذلك تنتقل الآيات إلي إجمال جزاء كل من الكافرين والأبرار المؤمنين فتقول‏:‏ إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا‏*‏ إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا‏*‏ عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا‏*‏ ‏(‏الإنسان‏:4‏ ـ‏6)‏

و‏(‏السلاسل‏)‏ بها يقاد الكافرون‏,‏و‏(‏ الأغلال‏)‏ بها يقيدون من أيديهم وتجمع أيديهم بها إلي أعناقهم‏,‏ و‏(‏السعير‏)‏ النار المستعرة والآية الكريمة تصور ما سوف ينال الكافرين من مهانة وإذلال في الآخرة‏.‏

وفي المقابل تتحدث الآيتان التاليتان عن شيء من نعيم الأبرار من المؤمنين بالله‏,‏ الشاكرين لأنعمه‏,‏ و‏(‏الأبرار‏)‏ جمع‏(‏ بر‏)‏ وهو المطيع المتوسع في فعل الخيرات‏,‏ و‏(‏الكافور‏)‏ في الدنيا هو طيب فيه بياض وبرودة‏,‏ يستخرج من شجر يحمل نفس الاسم‏,‏ أما‏(‏ كافور‏)‏ الآخرة فهو غيب لا يعلمه إلا الله ـ تعالي ـ وذلك لقول عبد الله بن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏):‏ كل ما ذكر في القرآن الكريم مما في الجنة ليس له في الدنيا شبيه إلا في الاسم‏.‏

وفي وصف جانب من أخلاق المؤمنين الأبرار ووصف شيء من النعيم الذي وعدهم به رب العالمين تقول الآيات في سورة الإنسان‏:‏

يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا‏*‏ ويطعمون الطعام علي حبه مسكينا ويتيما وأسيرا‏*‏ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا‏*‏ إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا‏*(‏ الإنسان‏:7‏ ـ‏10)‏

والشر المستطير هو العذاب المنتشر‏,‏ و‏(‏اليوم العبوس القمطرير‏)‏ هو شديد الهول‏,‏ عظيم الأمر‏,‏ تعبس فيه الوجوه وتقطب الجباه من شدة الخوف من أهواله وتعاظم البلاء فيه‏,‏

وتعاود الآيات إلي الحديث عن جزاء المؤمنين الأبرار في جنات النعيم فتقول‏:‏ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا‏*‏ وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا‏*‏ متكئين فيها علي الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا‏*‏ ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا‏*‏ ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا‏*‏ قوارير من فضة قدروها تقديرا‏*‏ ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا‏*‏ عينا فيها تسمي سلسبيلا‏*‏ ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا‏*‏ وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا‏*‏ عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا‏*‏ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا‏*(‏ الإنسان‏:11‏ ـ‏22)‏

و‏(‏النضرة‏)‏ هي الحسن والبهجة في الوجوه‏,‏ و‏(‏السرور‏)‏ ضد الهم وهو شعور بالرضا والسعادة يدركه القلب‏,‏ و‏(‏الزمهرير‏)‏ هو شدة البرد‏,‏ وفي الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن أبي شيبة إن هواء الجنة سجسج لا حر ولا برد‏,‏ و‏(‏السجسج‏)‏ هو الظل الممتد ما بين الفجر وطلوع الشمس‏,‏ و‏(‏ دانية‏)‏ أي قريبة بمعني أن الظلال قريبة منهم‏,‏ مظللة عليهم وذلك زيادة في تنعيمهم‏,‏ و‏(‏ذللت قطوفها تذليلا‏)‏ أي يسر لهم قطف ثمارها تيسيرا كبيرا بمعني أن قطف ثمار الجنة جعل لأهلها أمرا ميسورا في غاية السهولة‏,‏ وذلك أيضا من قبيل تكريمهم وتنعيمهم‏,‏ ومن قبيل هذا التكريم أيضا أن يطوف عليهم سقاة بأوعية شراب من فضة جعلت شفافة بقدرة الله ـ تعالي ـ حتي يري ما بداخلها من شراب قدره الساقون تقديرا وفق مايشتهي الشاربون من أهل الجنة دون أدني زيادة أو نقصان‏,‏ وفي ذلك يقول ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏):‏ ليس في الجنة شيء إلا أعطيتم في الدنيا شبيهه إلا‏(‏ قوارير من فضة‏),‏ و‏(‏السلسبيل‏)‏ هو السلس في الانسياغ‏,‏ الممتع في المذاق‏.‏

و‏(‏الولدان المخلدون‏)‏ أي الدائمون علي ماهم عليه من النضارة والبهاء‏,‏ والذين ينبثون في مجالس أهل الجنة حتي ليتصورهم من يراهم من أهلها كأنهم حبات من الدر المنثور‏(‏ إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا‏)(‏ وإذا رأيت ثم رأيت‏)‏ أي هناك في الجنة‏(‏ نعيما وملكا كبيرا‏)‏ تعظيما لقدر هذا النعيم‏,‏ وتعبيرا عن ضخامة الملك الذي يهبه الله ـ تعالي ـ لكل واحد من أهل الجنة‏.‏

‏(‏عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق‏)‏ أي علي كل واحد من أهل الجنة ثياب خضراء من السندس وهو ما رق من الحرير‏(‏ الديباج‏),‏ و‏(‏إستبرق‏)‏ وهو ما غلظ منه‏,(‏ وحلوا أساور من فضة‏)‏ أي جعل في أيديهم أساور من فضة حلية لهم‏,(‏ وسقاهم ربهم شرابا طهورا‏)‏ أي شرابا بالغا غاية الطهر‏.‏ وفوق كل هذا النعيم يسمع أهل الجنة من يردد علي مسامعهم قول الحق ـ تبارك وتعالي ـ‏:(‏ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا‏)‏ أي أن هذا النعيم المقيم قد أعد لكم جزاء لصالح أعمالكم في الدنيا‏,‏ وكان سعيكم فيها محمودا عند الله‏,‏ مرضيا عنه ومقبولا منه وبعد هذه الإفاضة في وصف أهل الجنة والنعيم الذي أعده الله ـ تعالي ـ لهم فيها تتجه الآيات بالخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ يقول له فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا‏*‏ فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا‏*‏ واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا‏*‏ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا‏*(‏ الإنسان‏:23‏ ـ‏26).‏

وهذه الأوامر من الله ـ تعالي ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ هي أوامر إلي كل مسلم ومسلمة أن يقبل علي كتاب الله تلاوة وتدبرا‏,‏ ومدارسة متأنية حتي يفهموا ما فيها من أوامر فيطبقوها‏,‏ ومافيها من نواه فيجتنبوها‏,‏ ثم ينطلقوا مبلغين عن الله ورسوله بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي‏,‏ لا يخرجهم عن ذلك سفه السفهاء من الكفار والمشركين أو من العصاة الضالين التائهين في متاهات الحياة الدنيا‏,‏ وعلي الدعاة إلي دين الله أن يصبروا كما صبر رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وأن يتجنبوا إثم الآثمين‏,‏ وكفر الكفار والمشركين‏,‏ وألا يطيعوهم في أمر أبدا‏,‏ وأن يداوموا في جميع الأوقات علي ذكر الله ـ تعالي ـ وتسبيحه وتمجيده وتنزيهه عن جميع صفات خلفه وعن كل وصف لا يليق بجلاله من مثل نسبة الشريك أو الشبيه أو المنازع أو الصاحبة والولد لذاته العلية لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعلي المسلمين وأن يحافظوا علي الصلوات في أوقاتها من الفجر إلي العشاء‏,‏ وعلي التهجد طويلا من الليل بنافلة من الصلاة أو الذكر‏.‏

وبعد هذا الخطاب الرباني الموجه إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وإلي كل مؤمن به وبرسالته يتجه الحديث في ختام سورة الإنسان إلي الحديث عن غالبية أهل الأرض من الكفار والمشركين‏,‏ والظلمة الطغاة المتجبرين الذين أعمتهم الدنيا ببريقها الزائف‏,‏ فأنستهم حتمية الآخرة وأهوالها وكروبها حتي يفاجأوا بحقيقتها فيندموا أشد الندم حين لا يجدي ذلك ولا ينفع‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏

إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا‏*‏ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا‏*(‏ الإنسان‏:28,27).‏

و‏(‏العاجلة‏)‏ هي الحياة الدنيا‏,‏ والتركيز عليها ينسي المنشغل بها عن الآخرة وأهوالها‏)‏ و‏(‏شد الأسر‏)‏ هو إحكام الخلق وإتقانه‏,‏ وعلي الرغم من ذلك يكفر العباد بخالقهم أو يشركون به أحد خلقه‏,‏ ويتنكرون لأنعمه ولذلك قال ـ تعالي ـ إنه قادر علي استبدالهم بغيرهم إذا شاء‏.‏

وتختتم سورة الإنسان بإعلان من الله ـ تعالي ـ بأن الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة هي موعظة بالغة منه‏,‏ فمن شاء اتعظ بها واتخذ ما جاء فيها من أسباب الهداية وسيلة يتقرب بها إلي خالقه‏,‏ ومن شاء أعرض عنها وعما جاء فيها من أسباب الهداية‏,‏ والإنسان لا يختار شيئا إلا وفق علم الله ـ تعالي ـ وإرادته وهو العليم الحكيم‏,‏ مع وجود دائرة الإرادة الشخصية لكل فرد من بني آدم يمارس فيها قراره بحرية كاملة وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك اسمه ـ‏:‏

إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلي ربه سبيلا‏*‏ وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما‏*‏ يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما‏*(‏ الإنسان‏:29‏ ـ‏31)‏

من ركائز العقيدة في سورة الإنسان
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏,‏ هو رب كل شيء ومليكه‏,‏ وهو خالق الإنسان وخالق كل شيء‏,‏ الذي خلق الإنسان من نطفة مختلطة من ماءي الأب والأم فجعله سميعا بصيرا‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن الله ـ تعالي ـ قد وهب الإنسان مطلق الإرادة وحرية الاختيار‏,‏ وهداه إلي طريق الحق بواسطة الوحي‏,‏ وترك له أن يختار الشكر لله علي نعمائه أو الكفر بها‏.‏

‏(3)‏ التصديق بكل ماجاء بالقرآن الكريم عن الآخرة وأهوالها‏,‏ وعن الجنة ونعيمها‏,‏ والنار وجحيمها‏,‏ لأن هذه من الغيوب المطلقة التي لا سبيل للإنسان في الوصول إليها إلا عن طريق وحي السماء‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالي ـ هو الذي نزل القرآن الكريم تنزيلا علي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ليكون تذكرة وهداية للعالمين في أمر الدين بركائزه الأربع الأساسية‏(‏ العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏)‏ لأن الله ـ تعالي ـ يعلم بعلمه المحيط عجز الإنسان عن الوصول إلي تصورات صحيحة في هذه القضايا بجهده منفردا مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة‏,‏ ولذلك حفظ القرآن الكريم في لغة وحيه إلي أن تقوم الساعة‏.‏

وقد ترك ربنا ـ جل جلاله ـ الخيار مفتوحا أمام الإنسان بين الإيمان والكفر فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏,‏ وعلي أساس من هذا الاختيار سيكون المصير في الآخرة إما في الجنة أو في النار‏.‏
‏(5)‏ التصديق بضرورة الصبر علي قضاء الله وقدره‏,‏ وعلي الاجتهاد في عبادته وذكره‏,‏ وعلي مخالفة الآثمين من الكفار والمشركين مخالفة تامة‏.‏
‏(6)‏ التسليم بأن الله ـ سبحانه وتعالي ـ قادر علي إفناء خلقه‏,‏ وعلي استبدالهم بغيرهم وأن ذلك علي الله يسير‏.‏

‏(7)‏ اليقين بأن الإرادة البشرية داخله في دائرة قدر الله ومشيئته‏,‏ وهو العليم الحكيم الذي يدخل من يشاء في رحمته‏,‏ والظالمين أعد لهم عذابا أليما‏.‏

من القضايا التعبدية في سورة الإنسان
‏(1)‏ ضرورة الوفاء بالنذور‏,‏ والحرص علي إطعام المساكين واليتامي والأسري طلبا لمرضاة الله‏,‏ وهذا الأمر من الله ـ تعالي ـ يوضح الفارق بين دين سماوي خالص ودين وضعي محرف‏,‏ ففي الوقت الذي يأمر القرآن الكريم بإطعام الأسير دهس الصهاينة المجرمون آلاف الأسري المصريين تحت سيور دباباتهم‏,‏ كما دهست دبابات الأمريكان الغازين لأرض كل من العراق وأفغانستان آلاف المدنيين‏.‏
‏(2)‏ الأمر بالمحافظة علي الصلوات المفروضة‏,‏ وعلي أداء النوافل ومنها قيام الليل‏,‏ ومداومة ذكر الله وتسبيحه وتمجيده وتنزيهه عن كل وصف لايليق بجلاله‏.‏
‏(3)‏ ضرورة الصبر لحكم الله ـ تعالي ـ ولقضائه وقدره‏,‏ والالتزام بأوامره‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ والقيام بواجب التبليغ عنه وعن رسوله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ والصبر علي فجور الكفار والمشركين وصلافتهم وفحشهم‏,‏ وعلي بذاءة الآثمين وقلة أدبهم‏,‏ وانعدام حيائهم‏,‏ والحرص علي عدم الانحدار إلي مستوياتهم المنحطة وأساليبهم المتدنية‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة الانسان
‏(1)‏ تأكيد أن حينا من الدهر قد انقضي ولم يكن للإنسان وجود يذكر إلا في علم الله ـ تعالي ـ والعلوم المكتسبة تشير إلي أن أقدم أثر للحياة علي الأرض يصل إلي نحو الأربعة بلايين من السنين‏(3.8‏ بليون سنة‏)‏ بينما أقدم أثر للإنسان عليها لايتعدي المائة ألف سنة‏.‏

‏(2)‏ الإشارة إلي خلق الإنسان من نطفة أمشاج‏(‏ مختلطة من ماءي الأب والأم‏)‏ وهي حقيقة لم تصل إليها العلوم المكتسبة إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏.‏

‏(3)‏ تقديم السمع علي البصر في هذه الآية التي نحن بصددها‏,‏ وفي العديد غيرها من آيات القرآن الكريم‏,‏ والعلوم المكتسبة تثبت تقدم مراكز السمع علي مراكز الإبصار في مخ الانسان‏,‏ وسبق استخدام حاسة السمع عند كل من الحميل والوليد لحاسة البصر‏.‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أركز هنا علي النقطة الثانية من القائمة السابقة والمتعلقة بخلق الإنسان من نطفة أمشاج‏(‏ أي مختلطة‏).‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله ـ تعالي ـ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا‏.(‏ الانسان‏:2)‏
‏*‏ذكر ابن كثير‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏:‏ ثم بين ذلك فقال جل جلاله‏(‏ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج‏)‏ أي أخلاط‏,‏ والمشج والمشيج‏,‏ الشيء المختلط بعضه في بعض‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا‏,‏ ثم ينتقل بعد من طور إلي طور‏,‏ وحال إلي حال‏,‏ وقال عكرمة ومجاهد‏:‏ الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة‏,‏ وقوله تعالي‏:(‏ نبتليه‏)‏ أي نختبره كقوله جل جلاله‏:(‏ ليبلوكم أيكم أحسن عملا‏),(‏ فجعلناه سميعا بصيرا‏)‏ أي جعلنا له سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية‏.‏

‏*‏ وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏:(‏ إنا خلقنا الإنسان‏)‏ الجنس‏(‏ من نطفة أمشاج‏)‏ أخلاط أي‏:‏ من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين‏(‏ نبتليه‏)‏ نختبره بالتكليف‏,‏ والجملة مستأنفة‏,‏ أو حال مقدرة أي‏:‏ مريدين ابتلاءه حين تأهله‏(‏ فجعلناه‏)‏ بسبب ذلك‏(‏ سميعا بصيرا‏)‏

‏*‏ وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحمة الله‏)‏ ما نصه‏:(‏ من نطفة‏)‏ من مني‏,‏ وهو ماء الرجل وماء المرأة‏,‏ ممتزج أحدهما بالآخر‏,‏ كما قال تعالي‏:(‏ أمشاج‏)‏ أي أخلاط بمعني مختلط ممتزج من الماءين‏,‏ أو من عناصر شتي‏.‏ يقال‏:‏ مشج بينهما ـ من باب ضرب ـ خلط ومزج‏.‏ وهو جمع مشج كسبت‏,‏ أو مشج ككتف‏,‏ أو مشيج كنصير‏.‏ وقيل‏:‏ مختلطة‏,‏ وأمشاج مفرد جاء علي أفعال كأعشار في قولهم‏:‏ برمة أعشار‏,‏ أي متكسرة‏.(‏ نبتليه‏)‏ مبتلين له‏,‏ أي مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف حتي يتأهل لذلك‏.(‏ فجعلناه سميعا بصيرا‏)‏ ليتمكن من الاستماع للآيات التنزيلية‏,‏ والنظر في الآيات التكوينية‏.‏

‏*‏وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ماقدم‏)‏ ما نصه‏:‏

‏..‏ والأمشاج‏:‏ الأخلاط‏.‏ وربما كانت هذه إشارة إلي تكون النطفة من خلية الذكر وبويضة الأنثي بعد التلقيح‏.‏ وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة‏,‏ والتي يمثلها ما يسمونه علميا‏(‏ الجينات‏)‏ وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولا ولصفات الجنين العائلية أخيرا‏,‏ وإليها يعزي سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان‏,‏ لا جنين أي حيوان آخر‏,‏ كما تعزي إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة‏..‏ ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتي‏..‏ خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج‏,‏ لا عبثا ولا جزافا ولا تسلية‏,‏ ولكنه خلق ليبتلي ويمتحن ويختبر‏.‏ والله سبحانه يعلم ماهو؟ وما اختباره؟ وما ثمرة اختباره؟ ولكن المراد أن يظهر ذلك علي مسرح الوجود‏,‏ وأن تترتب عليه آثاره المقدرة في كيان الوجود‏,‏ وأن تتبعه آثاره المقدرة‏,‏ وأن يجزي وفق مايظهر من نتائج ابتلائه‏.‏

ومن ثم جعله سميعا بصيرا‏,‏ أي زوده بوسائل الإدراك‏,‏ ليستطيع التلقي والاستجابة‏,‏ وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار‏,‏ ويجتاز الابتلاء وفق مايختار‏..‏ وإذن فإن إرادة الله في امتداد هذا الجنس وتكرر أفراده بالوسيلة التي قدرها‏,‏ وهي خلقته من نطفة امشاج كانت وراءها حكمة‏,‏ وكان وراءها قصد‏,‏ ولم تكن قلقه‏..‏ كان وراءها ابتلاء هذا الكائن واختباره‏,‏ ومن ثم وهب الاستعداد للتلقي والاستجابة‏,‏ والمعرفة والاختيار‏..‏ وكان كل شيء في خلقه وتزويده بالمدارك وابتلائه في الحياة بمقدار‏!.‏

‏*‏وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏

إنا خلقنا الإنسان من نطفة ذات عناصر شتي‏,‏ مختبرين له بالتكاليف فيما بعد‏,‏ فجعلناه ذا سمع وذا بصر‏,‏ ليسمع الآيات ويري الدلائل

‏*‏وجاء في صفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبه خيرا‏)‏ ما نصه‏:(‏ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج‏)‏ أي نحن بقدرتنا خلقنا هذا الإنسان من ماء مهين ـ وهو المني ـ الذي ينطف من صلب الرجل‏,‏ ويختلط بماء المرأة‏(‏ البويضة الأنثوية‏)‏ فيتكون منهما هذا المخلوق العجيب‏.‏ قال ابن عباس‏:(‏ أمشاج‏)‏ يعني أخلاط‏,‏ وهو ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا‏,‏ ثم ينتقل بعد من طور إلي طور‏,‏ ومن حال إلي حال‏,(‏ نبتليه‏)‏ أي لنختبره بالتكاليف الشرعية‏,‏ والأوامر الإلهية‏,‏ لننظر أيشكر أم يكفر؟ وهل يستقيم في سيره أم ينحرف ويزيغ؟

‏(‏فجعلناه سميعا بصيرا‏)‏ أي فجعلناه من أجل ذلك عاقلا مميزا‏,‏ ذا سمع وبصر‏,‏ ليسمع الآيات التنزيلية‏,‏ ويبصر الدلائل الكونية علي وجود الخالق الحكيم‏,‏

قال الإمام الفخر‏:‏ أعطاه تعالي مايصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر‏,‏ وهما كنايتان عن الفهم والتمييز‏,‏ كما قال تعالي حاكيا عن سؤال ابراهيم لأبيه‏:(‏ لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر‏)‏؟‏,‏ وقد يراد بهما الحاستان المعروفتان‏,‏ وخصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها

من الدلالات العلمية للآية الكريمة
علي الرغم من أن قضية تكون الأجنة قد شغلت بال الانسان منذ أن وطأت قدماه سطح الأرض إلا أن العلوم المكتسبة لم تصل الي معرفة دور كل من نطفة الرجل‏(‏ الحيمن‏)‏ ونطفة المرأة‏(‏ البييضة‏)‏ في ذلك التكون إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ وبعد مجاهدة استغرقت عشرات القرون ومئات من العلماء‏,‏ ومن هنا فإن الإشارة القرآنية الي خلق الإنسان من نطفة أمشاج‏(‏ أي مختلطة‏)‏ وفي أوائل القرن السابع الميلادي يعتبر سبقا علميا يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ كما يشهد للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏ ويشهد له بذلك مارواه عبد الله بن مسعود‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ حيث قال‏:‏ مر يهودي برسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وهو يحدث أصحابه فقالت قريش‏:‏ يايهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏,‏

فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي‏,‏ قال فجاء حتي جلس ثم قال‏:‏ يا محمد ممن يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله‏(‏ صلي عليه وسلم‏):‏ يايهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة‏(‏ مسند الإمام أحمد بن حنبل‏)‏ والحديث مذكرة تفسيرية واضحة الدلالة للآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها‏,‏

وذلك لأن مصطلح‏(‏ النطفة‏)‏ كما يطلق علي الحيمن يطلق علي البييضة‏,‏ ومصطلح النطفة‏(‏ الأمشاج‏)‏ أي المختلطة يطلق علي اتحاد هاتين النطفتين وتكوين النطفة المخصبة التي تعرف باسم اللقيحة‏(FertilizedOvumorZygote)‏ التي تستمر في الانقسام حتي تنغرس في بطانة جدار الرحم فتعرف حينئذ باسم الأرومة الجرثومية المنغرسة‏(ImplantedBlastula)‏ أو مرحلة العلقة‏(Leech`likestage).‏

والنطفة لغة هي الماء الصافي قل أو كثر‏,‏ والجمع‏(‏ نطاف‏)‏ و‏(‏نطف‏),‏ ويعبر بها عن ماء التكاثر‏(‏ التناسل‏),‏ ويكني عن اللؤلؤة بـ‏(‏ النطفة‏),‏ وليلة‏(‏ نطوف‏)‏ يجيء فيها المطر حتي الصباح‏,‏ و‏(‏الناطف‏)‏ السائل من المائعات‏,‏ ويقال‏:‏ فلان‏(‏ ميطف‏)‏ المعروف أي يندي به‏,‏ و‏(‏النطف‏)‏ الدلو واحدته‏(‏ نطفة‏),‏ و‏(‏نطفان‏)‏ الماء سيلانه‏,‏ وقد‏(‏ نطف‏)(‏ ينطف‏)(‏ بضم الطاء وكسرها‏)‏ أي يسيل‏.‏ يقال‏:(‏ نطفت‏)‏ آذان الماشية و‏(‏تنطفت‏)‏ أي‏:‏ ابتلت بالماء فقطرت‏.‏

وأخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ قال‏:‏ كنا جلوسا مع رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فقال‏:‏ يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة‏,‏ فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه‏.‏

استعراض تاريخي لتطور علم الأجنة
ما من شك في أن قضية تكون الأجنة قد شغلت بال الإنسان منذ اللحظات الأولي لوجوده‏,‏ وحاول تفسيرها بتصورات متعددة وجدت إشارات إليها في معظم الحضارات القديمة‏,‏ كما دونت محاولات لمنع الحمل في الحضارة المصرية القديمة يعود تاريخها الي حوالي‏(2000)‏ سنة قبل الميلاد‏.‏

وفي الحضارة الهندية القديمة وجدت إشارات إلي كيفية تكون الجنين يعود تاريخها الي‏(1416)‏ سنة قبل الميلاد‏,‏ ويعزي ذلك إلي اختلاط دم حيض المرأة بماء الرجل‏.‏

وفي الحضارة اليونانية القديمة كتب أبو قراط‏(Hippocrates)‏ الذي عاش في الفترة من حوالي‏(460)‏ ق‏.‏ م الي‏(377)‏ ق‏.‏ م عن تكون أجنة الدجاج وشبه ذلك بتكون أجنة الإنسان‏.‏

وخلفه أرسطو‏(Aristotle)‏ الذي عاش في الفترة من حوالي‏(384)‏ ق‏.‏ م‏.‏ إلي‏(322)‏ ق‏.‏ م‏.‏ ونادي بتكون الجنين من كتلة غير مشكلة من بذرة وروح مغذية وبأن جميع الأعضاء تنتج من دم الحيض عند اختلاطه بماء الرجل‏.‏

أما جالين‏(Galen)‏ الذي عاش في حوالي‏(130‏ م الي‏201‏ م‏)‏ فقد كتب كتابا عن تكون الجنين وصف فيه كلا مما يعرف اليوم باسم المشيمة‏,‏ والغشاء المشيمي‏,‏ وغشاء السلي‏(‏ الرحل‏).‏ ولم يدون شيء يذكر عن تكون الجنين في الفترة من القرن الثالث الي القرن السادس عشر الميلاديين وإن كانت هناك بعض المحاولات البدائية في العصور الوسطي لا نعرف منها سوي أعمال قسطنطين الافريقي‏(ConstantinusAfricanus)‏ الذي عاش في الفترة من‏(1020‏ م الي‏1087‏ م‏)‏ وكتب كتابا باللاتينية بعنوان‏:‏ طبيعة الإنسان‏(DeHumanaNatura)‏ اعتمد فيه علي كثير من المراجع العربية والرومانية واليونانية‏,‏ وحاول فيه الربط بين تطور الجنين في مراحله المتتابعة وبين الكواكب التي تظهر في الأفق مع كل شهر من أشهر الحمل‏.‏

أما في عصر النهضة فقد كتب في موضوع تكون الأجنة كثيرون كان منهم ليوناردو دافنشي‏(LeonardodaVinci)‏ الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي والذي رسم أشكالا عديدة للرحم أثناء الحمل‏,‏ وقام بقياسات لحجم الجنين في المراحل السابقة علي ولادته‏.‏

وكان منهم فابريشيوس‏(Fabricius)‏ الذي عاش في الفترة‏(‏ من‏1537‏ م الي‏1619‏ م‏)‏ وكتب موسوعتين في علم الأجنة‏,‏ وقدم رسوما للجنين في عدد من مراحله‏,‏ وكان منهم وليام هارفي‏(WilliamHarvey)‏ الذي عاش في الفترة‏(‏ من‏1578‏ م الي‏1657‏ م‏)‏ ونشر في سنة‏(1651‏ م‏)‏ كتابا بعنوان التخلق الحيواني‏(GdenerationeAnimalium)‏ اعتمد فيه علي كثير من المراجع العربية واقترح أن بذرة الرجل‏(‏ الحيمن‏)‏ إذا دخلت الرحم تحولت الي مايشبه البيضة التي ينتج منها الجنين‏.‏ ولما عجز عن رؤية مراحل ذلك اقترح أن الأجنة تفرزها أرحام الإناث‏.‏

وكان تصميم المجهر في سنة‏(1609‏ م‏)‏ بواسطة الهولندي‏(Z.Janssen)‏ فتحا في مجال العلوم المكتسبة ـ بصفة عامة ـ وفي مجال علم الأجنة ـ بصفة خاصة ـ والمجاهر الأولي كانت بدائية للغاية إلا أنها قد ساعدت الكثيرين من أمثال دي جراف‏(DeGraaf)‏ في سنة‏(1672‏ م‏)‏ علي اكتشاف جريب البييضة دون أن يعرف ماهيته‏,‏ ولكنه يسمي اليوم باسمه‏(GraafianFollicle),‏ وساعدت مالبيجي‏(Malpighi)‏ في سنة‏(1675‏ م‏)‏ علي رؤية بعض مراحل الأجنة في بيض الدجاج المخصب‏,‏ وظن أن البيضة تحتوي فرخا كامل النمو في هيئة متقزمة‏.‏

وفي سنة‏(1677‏ م‏)‏ تمكن كل من هام‏(Hamm)‏ وليوفينهويك‏(Leeuwenhoek)‏ من اكتشاف نطفة الرجل‏(‏ الحيمن‏)‏ وذلك باستخدام مجهر محسن‏,‏ وذلك دون معرفة دوره في عملية تكوين الجنين‏,‏ ظنا منهما بأن رأس الحيمن يحتوي إنسانا كامل النمو في هيئة متقزمة جدا ينمو الي حجم الحميل في رحم الأم‏.‏ وظلت هذه الخرافة سائدة بين علماء الأجنة حتي رفضها العالم الألماني وولف‏(CasperFriedrichWolff)‏ في سنة‏(1759‏ م‏)‏ والذي اقترح نظرية التآصل الفوقي أو السطحي‏(Epigenesis)‏ والتي تنادي بأن نمو الجنين يتم بواسطة نمو وتمايز خلايا خاصة‏.‏ وعلي الرغم من ذلك بقيت خرافة الإنسان السابق التكوين والتقزم في رأس الحيمن سائدة حتي سنة‏(1775‏ م‏),‏ حين ألغاها سباللنزاني‏(Spallanzani)‏ الذي أثبت ان الجنين يتكون عن طريق اخصاب البييضة بواسطة الحيمن‏.‏

في سنة‏(1817‏ م‏)‏ اكتشف العالم الألماني باندر‏(HeinrichChristianPander)‏ الطبقات الثلاث من الخلايا الجرثومية‏(Germcells)‏ التي تنتج عن انقسام النطفة الأمشاج أو اللقيحة‏(Zygote).‏

وفي سنة‏(1827‏ م‏)‏ وصف فون باير‏(VonBaer)‏ الخلية البيضية‏(Oocyte)‏ وذلك بعد مائة وخمسين عاما من اكتشاف الحيمن‏(Sperm),‏ ولاحظ عملية انقسام اللقيحة‏(Zygote),‏ وتعرف علي كيفية تكون الأنسجة والأعضاء المختلفة‏.‏ وإلي هذا التاريخ لم يكن معروفا أن كلا من الحيمن والبييضة من خلايا الجسم حتي تقدم كل من شليدن‏(Schleiden)‏ وشفان‏(Schwann)‏ بنظرية الخلية‏(Thecelltheory)‏ في سنة‏(1839‏ م‏).‏

من هذا الاستعراض يتضح سبق القرآن الكريم لجميع المعارف المكتسبة في التأكيد علي أن الإنسان يخلق من كل من ماء الرجل وماء المرأة‏(‏ النطفة الأمشاج أي المختلطة‏)‏ وذلك بأكثر من اثني عشر قرنا‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتخيل مصدرا لهذا العلم في القرن السابع الميلادي غير الله الخالق مما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏),‏ وحفظه حفظا كاملا‏:‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفا حرفا علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية والي أن يشاء الله ـ تعالي ـ‏.‏

فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن الذي حفظه الله ـ سبحانه وتعالي ـ ليبقي حجة علي جميع الناس الي يوم الدين‏,‏ والحمد لله علي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي بعثه الله ـ تعالي ـ رحمة للعالمين‏,‏ فختم ببعثته النبوات‏,‏ وأتم الرسالات‏,‏ ونشر نور الهداية في الأرض فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ونسأل الله أن يجزيه خير ماجازي به نبيا عن أمته‏,‏ وصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي اله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~