قضايا و اراء

43281‏السنة 129-العدد2005يونيو6‏29 من ربيع الآخر 1426 هـالأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية‏(184)‏
بقلم الدكتور‏:‏زغلـول النجـار

‏..‏ وحمــله وفصــاله ثلاثــون شــــهرا‏..(‏ الأحقاف‏:15)‏
هـذا النص القرآني المعجز جاء في نهاية النصف الأول من سورة الأحقاف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها خمس وثلاثون بعد البسملة‏,‏ وسميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي منطقة الأحقاف‏,‏ وهي المنطقة التي سكنتها قبيلة عاد‏.‏ و‏(‏الأحقاف‏)‏ جمع‏(‏ حقاف‏)‏ التي هي جمع‏(‏ حقف‏)‏ وهو ما استطال من الكثبان الرملية واعوج‏.‏

ومنطقة الأحقاف هي من رمال الجزء الجنوبي الشرقي من الربع الخالي‏,‏ الواقع بين كل من حضرموت‏,‏ وعمان‏,‏ وباقي أرض الجزيرة العربية‏.‏

وقبيلة عاد وهم قوم نبي الله هود‏(‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ كانوا من أشد الناس ـ في زمانهم ـ قوة‏,‏ ومن أكثرهم ثراء وترفا‏,‏ وبدلا من شكر الله ـ تعالي ـ علي نعمائه‏,‏ والخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏,‏ كفروا بنعم الله عليهم‏,‏ وأشركوا في عبادته ما لم ينزل به سلطانا‏,‏ وعصوا رسول الله إليهم‏,‏ وسخروا من وعيد الله لهم‏,‏ فأرسل عليهم ريحا صرصرا عاتية فيها عذاب أليم فدمدرتهم‏,‏ وقضت عليهم‏,‏ ونجي الله ـ سبحانه وتعالي ـ نبيه هودا والذين آمنوا معه‏.‏

وافتتحت سورة الأحقاف بحرفين من حروف الفواتح الهجائية هما‏(‏ حم‏)‏ وقد تكررا بمفردهما ست مرات في القرآن الكريم‏,‏ ومرة سابعة بإضافة ثلاثة حروف أخري لتصبح‏(‏ حم‏*‏ عسق‏*),‏ وتعرف هذه السور السبع باسم‏(‏ الحواميم‏),‏ وتشمل سور غافر‏,‏ فصلت‏,‏ الشوري‏,‏ الزخرف‏,‏ الدخان‏,‏ الجاثية‏,‏ والأحقاف‏.‏

والفواتح الهجائية التي استهلت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم سبق التعرض لها في أكثر من مقال‏,‏ ولا أري حاجة إلي تكرار ذلك هنا سوي التأكيد علي أنها من أسرار القرآن الكريم التي يكلها أغلب المفسرين إلي رب العالمين‏,‏ ويحاول البعض الاجتهاد في تفسيرها‏,‏ وإن لم يصلوا إلي إجماع في ذلك بعد‏.‏

وبعد هذا الاستفتاح جاء التأكيد علي أن القرآن الكريم منزل بالوحي من لدن رب العالمين‏:‏
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏*(‏ الأحقاف‏:2)‏

وأن هذا الإله العظيم وصف ذاته العلية بالعزة التي لا ترام‏,‏ والغالبة علي الوجود كله‏,‏ وبالحكمة البالغة في الأقوال والأفعال‏,‏ والظاهرة في خلقه ظهور العيان لكل ذي بصر وبصيرة‏,‏ ومن ذلك خلق السماوات والأرض وما بينهما علي نواميس ثابتة‏,‏ وإلي آماد محددة تؤكد حتمية الآخرة علي الرغم من إعراض الكافرين عن إنذار الله‏(‏ تعالي‏)‏ لهم بها‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمي والذين كفروا عما أنذروا معرضون‏*‏ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين‏*‏ ‏(‏الأحقاف‏:4,3).‏

وتستنكر الآيات شرك المشركين بالله‏(‏ تعالي‏)‏ وضلالهم بدعاء معبودات غافلة عنهم‏,‏ لا تسمع دعاءهم ولا تستجيب لهم‏,‏ ولا تملك من أمرهم شيئا‏,‏ وتتنكر لهم يوم القيامة‏,‏ ولعبادتهم الخاطئة‏,‏ وتقف منهم يومئذ موقف الاستهجان والمعاداة والإنكار‏,‏ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم‏.‏

وهؤلاء الكفار والمشركون إذا تتلي عليهم آيات القرآن الكريم قالوا ـ من فجرهم ـ هذا سحر مبين‏,‏ أو تطاولوا علي خاتم الأنبياء والمرسلين بالادعاء الباطل أنه كتب القرآن الكريم‏,‏ وافتري نسبته إلي رب العالمين‏(‏ نزهه الله تعالي عن ذلك وزاد من تشريف قدره‏)‏ كما لو أنه لم يرسل قبله آلاف الأنبياء ومئات المرسلين‏,‏ وكما لو كان هو أول رسل الله‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏:‏

أم يقولون افتراه قل إن إفتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفي به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم‏*‏ قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحي إلي وما أنا إلا نذير مبين‏*‏ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل علي مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين‏*‏ ‏(‏ الأحقاف‏:8‏ ـ‏10)‏

والآية العاشرة تشير إلي عبدالله بن سلام‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ وكان من أحبار يهود يثرب فمن الله‏(‏ تعالي‏)‏ عليه بالاسلام‏.‏ وشهد بوجود صفة المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فيما بقي بين أيدي اليهود من كتابات ـ علي الرغم من ضياع أصول التوراة وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلي التحريف والتبديل ـ‏.‏

وتشير الآية الحادية عشرة من سورة الأحقاف إلي أن الكافرين والمشركين إنطلقوا من استعلائهم وكبرهم وصلفهم ـ يدعون أنه لو كان ما جاء به سيدنا محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ حقا ما سبق الفقراء والمستضعفون في مجتمعاتهم إلي الإيمان به‏,‏ مشيرين إلي أنهم هم أصحاب الرأي في مجتمعاتهم‏,‏ لهم القيادة‏,‏ والريادة‏,‏ والسيادة‏,‏ والأمر والنهي‏,‏ وهم وحدهم أصحاب الذكاء ورجاحة العقل والقدرة علي الحكم‏,‏ ويضيفون إلي هذا الكبر صلفا آخر مؤداه أنهم ماداموا هم لم يهتدوا به ـ وهم كبراء القوم ووجوهه ـ فلابد من الطعن فيه بوصفه ـ زورا ـ أنه كذب من أساطير الأولين كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا‏*)‏

وتأكيدا لحقيقة الوحي السماوي الذي استمر من آدم إلي محمد‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي أنبياء الله ورسله أجمعين‏)‏ تقول الآيات‏:‏

ومن قبله كتاب موسي إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشري للمحسنين‏*(‏ الأحقاف‏:12)‏

وفي المقابل تمتدح الآيات المؤمنين بالله‏(‏ تعالي‏),‏ الموحدين لجلاله‏,‏ المستقيمين في حياتهم علي منهجه فتقول‏:‏

إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏*‏ أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون‏*)‏ ‏(‏الأحقاف‏:13‏ و‏14)‏

ثم تنتقل الآيات إلي توصية كل إنسان بالإحسان إلي والديه فتقول‏:‏
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتي إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنه قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلي والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين‏*‏ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون‏*.(‏ الأحقاف‏:16,15).‏

وفي المقابل تصف الآيات نموذجا للانحراف والضلال والفسوق والعصيان‏,‏ بالكافر العاق لوالديه المؤمنين الذي قال لهما حين دعواه إلي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ـ متضجرا منهما‏,‏ ومنكرا عليهما دعوتهما ـ أف لكما‏.‏ أتعدانني بالبعث بعد الموت‏,‏ وقد مضت الأمم من قبلي ولم يبعث من القبور أحد‏...!!‏ ووالداه يستغيثان الله إشفاقا عليه من فداحة كفره قائلين له‏:‏ هلكت إن لم تؤمن‏,‏ لأن وعد الله بالبعث حق فيرد مكابرا‏:..‏ ما هذا إلا أساطير الأولين‏*‏

وترد الآيات عليه وعلي أمثاله من الضالين لتقول‏:‏
أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين‏*‏ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون‏*‏ ويوم يعرض الذين كفروا علي النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون‏*.‏ ‏(‏الأحقاف‏:18‏ ـ‏20)‏

ومن قبيل تثبيت الله‏(‏ تعالي‏)‏ لخاتم أنبيائه ورسله في وجه المكذبين لبعثته الشريفة ـ في القديم والحديث ـ ومن وسائل إنذار كفار قريش وأشباههم ـ في القديم والحديث أيضا ـ وتذكيرهم بالأمم التي أهلكها الله‏(‏ تعالي‏)‏ من حولهم ـ تنقلنا الآيات الثماني التالية‏(‏ من‏21‏ إلي‏28)‏ بسرعة خاطفة إلي قصة سيدنا هود‏(‏ علي نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ مع قومه‏(‏ قوم عاد‏)‏ الذين سكنوا منطقة الأحقاف‏,‏ فدعاهم إلي الإيمان بالله‏(‏ تعالي‏)‏ وبملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وحذرهم نبيهم هود‏(‏ عليه السلام‏)‏ من الكفر بالله‏(‏ تعالي‏)‏ أو الشرك به‏,‏ وأنذرهم بأهوال البعث بعد الموت‏,‏ وأهوال العرض الأكبر أمام الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وبخطر الحساب‏,‏ والميزان والصراط‏,‏ وبحتمية العودة إلي الله‏,‏ والخلود في الحياة الآخرة إما في الجنة أبدا‏,‏ أو في النار أبدا‏,‏ ولم يكن في زمانه نذير لهم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ غيره‏,‏ وقد مضت الرسل من قبله‏,‏ فكذبه قومه‏,‏ وأنكروا عليه قوله‏,‏ وسخروا من إنذاره‏,‏ فدمرهم الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بريح فيها عذاب أليم‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏:‏

واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم‏*‏ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين‏*‏ قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون‏*‏ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم‏*‏ تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لايري إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين‏.‏ ‏(‏ الأحقاف‏:21‏ ـ‏25)‏

ومع استمرار الحديث عن قوم عاد ينتقل الخطاب إلي كفار قريش ولأمثالهم‏,‏ ليقول لهم رب العزة والجلال منبها من أخطار الشرك بالله‏,‏ ومنذرا بعقاب الأمم من حولهم‏:‏

ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغني عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ماكانوا به يستهزءون‏*‏ ولقد أهلكنا ماحولكم من القري وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون‏*‏ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ‏(‏الأحقاف‏:26‏ ـ‏28)‏

ثم تنقلنا الآيات في سورة الأحقاف نقلة أخري سريعة إلي أحد عوالم الغيب‏:‏ وهو عالم الجن وهم خلق مكلفون‏,‏ ولكننا لانراهم‏,‏ منهم المؤمنون ومنهم الكافرون‏,‏ ولذلك تحركت قلوب بعضهم بالاستماع إلي تلاوة من القرآن الكريم‏,‏ وفي ذلك توبيخ لكفار قريش الذين كذبوا رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بعد أن كانوا قد نعتوه بالصادق الأمين‏,‏ فكفروا بالقرآن الكريم‏,‏ وجحدوا أنه منزل من رب العالمين‏,‏ وقد عجزوا عن معارضته‏,‏ وهم أهل اللسان العربي الذي نزل به هذا الكتاب العظيم‏,‏ وتنكروا لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وهو من دمهم ولحمهم‏,‏ وسليل أشرافهم‏,‏ وآمنت به طائفة من الجن وهم ليسوا من جنسه‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات موجهة الخطاب إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏

وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلي قومهم منذرين‏*‏ قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسي مصدقا لما بين يديه يهدي إلي الحق وإلي طريق مستقيم‏*‏ ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم‏*‏ ومن لايجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين‏*(‏ الأحقاف‏:29‏ ـ‏32)‏

وتستشهد الآيات في ختام سورة الأحقاف بخلق السماوات والأرض علي طلاقة القدرة الإلهية في تحقيق البعث بعد الموت‏,‏ وتهدد الكافرين بيوم عرضهم علي النار‏,‏ وتوصي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بالصبر كما صبر أسلافه من أولي العزم من الرسل مؤكدة قصر الحياة الدنيا التي ليست الا ساعة من نهار بلاغا عن هلاك القوم الفاسقين فتقول‏:‏

أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر علي أن يحيي الموتي‏*‏ بلي إنه علي كل شيء قدير‏*‏ ويوم يعرض الذين كفروا علي النار أليس هذا بالحق قالوا بلي وربنا‏*‏ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون‏*‏ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون مايوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون‏*‏ ‏(‏ الأحقاف‏:33‏ ـ‏35)‏
من ركائز العقيدة في سورة الأحقاف
‏(1)‏ الإيمان بالله‏(‏ تعالي‏),‏ وبملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ هو العزيز الحكيم‏,‏ الغفور الرحيم‏,‏ الخالق‏,‏ الباريء المصور‏,‏ الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ الذي لم يلد‏,‏ ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفوا أحد‏,‏ وأن الشرك به كفر به‏:‏ لأنه‏(‏ تعالي‏)‏ ليس له شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كتاب منزل من لدن رب العالمين علي قلب خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ هداية لأهل الأرض أجمعين‏,‏ وأن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم لايتبع إلا مايوحي إليه به من رب العالمين‏.‏
‏(3)‏ التسليم بخلق السماوات والأرض وما بينهما‏,‏ وأن هذا الخلق قد تم بالحق وإلي أجل مسمي‏,‏ أي أن الكون له حتما نهاية من بعدها البعث والحساب والجزاء بالجنة أو النار‏,‏ وأنها لجنة أبدا أو لنار أبدا وإن أنكر الكافرون حتمية البعث وضرورته‏.‏

‏(4)‏ التصديق بالبشارات العديدة بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ والموجودة عند بعض أهل الكتاب‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن بر الوالدين من صميم الدين‏,‏ ومن وصايا رب العالمين لعباده أجمعين‏,‏ وأن عقوقهما من الكبائر ومن أسباب الخسران في الدنيا والآخرة‏.‏
‏(6)‏ اليقين بأن من حقوق الله علي العباد‏:‏ التوبة من الذنوب‏,‏ والشكر علي النعيم‏,‏ وأن من أفضل أدعية العباد الدعاء بصلاح كل من الأعمال والذرية‏.‏

‏(7)‏ التصديق بعوالم الغيب ومنهم الملائكة وهم خلق مسخرون من نور‏,‏ ومنهم الجن‏,‏ وهم خلق من نار مكلفون مخيرون‏,‏ ذوو إرادة حرة كالإنس‏,‏
‏(8)‏ التسليم بأن من لايجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض‏,‏ وليس له من دون الله أولياء‏.‏
‏(9)‏ الإيمان بحقيقة كل من الجنة والنار‏,‏ وبحتمية الخلود في الحياة الآخرة إما في الجنة إبدا أو في النار أبدا‏,‏ وبأنه لايهلك إلا القوم الفاسقون‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة الأحقاف
‏(1)‏ الإشارة إلي خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأجل مسمي والعلوم المكتسبة تؤكد أن السماوات والأرض لها بداية‏,‏ وأن كل ما له بداية لابد وأن ستكون له نهاية‏.‏ وهذه البينية التي تفصل الأرض عن السماوات تشير إلي مركزية الأرض من السماوات وهو مالا تستطيع العلوم المكتسبة إثباته
‏(2)‏ التأكيد علي وجود عدد من البشارات بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ عند بعض أهل الكتاب‏,‏ وقد ثبت ذلك‏.‏
‏(3)‏ تحديد فترتي الحمل والفصال للوليد بثلاثين شهرا في هذه السورة المباركة سورة الاحقاف وتحديد فترة فصال الوليد في عامين كما جاء في الآية الرابعة عشرة من سورة لقمان‏,‏ وبذلك تكون اقصر مدة للحمل في أنثي الإنسان هي ستة شهور‏,‏ وهو ما أثبته علم الأجنة مؤخرا‏.‏

‏(4)‏الإشارة إلي قوم عاد‏,‏ وإلي سكناهم في الأحقاف‏,‏ وإلي نبيهم هود‏(‏ عليه السلام‏)‏ وهو من أنبياء الله الذين لم يرد لهم ذكر عند أهل الكتاب‏,‏ والإشارة إلي قصته مع قومه والي شيء من صفاتهم‏,‏ والي الوسيلة التي دمروا بها‏(‏ ريح فيها عذاب أليم‏)‏ والكشوف الأثرية الحديثة تؤكد صدق ذلك‏,‏ بينما لم يكن معروفا عنهم شيءفي زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ ولا ذكر لهم عند أهل الكتاب فيما بقي بين أيديهم من ذكريات‏.‏
‏(5)‏ الاستشهاد بخلق السماوات والأرض وما بينهما علي إمكانية البعث‏,‏ وعلي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي كل شيء قدير‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا الخمس تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الثالثة من القائمة السابقة والتي جاءت في الآية الخامسة عشرة من سورة الأحقاف‏,‏ وقبل البدء بمناقشة مافيها من إشارات علمية أري ضرورة استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرحها‏.‏

من أقوال المفسرين في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏...(‏ الأحقاف‏:15)‏

‏*‏ ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ مامختصره‏:....‏ وقال عز وجل ههنا‏:(‏ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا‏)‏ أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما‏,....(‏ حملته أمه كرها‏)‏ أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا من وحم وغثيان وثقل وكرب إلي غير ذلك‏,‏ مما ينال الحوامل من التعب والمشقة‏,(‏ ووضعته كرها‏)‏ أي بمشقة أيضا من الطلق وشدته‏,(‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏)‏ وقد استدل بهذه الآية مع التي في لقمان‏(‏ وفصاله في عامين‏),‏ علي أن أقل مدة الحمل ستة أشهر‏,‏ وهو استنباط قوي صحيح‏,‏ وقال ابن عباس‏:‏ إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحد وعشرون شهرا‏,‏ وإذا وضعته لسبعة كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا‏,‏ وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين‏,‏ لأن الله تعالي يقول‏:(‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏)...‏

‏*‏ وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما مختصره‏:‏ حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏)‏ وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضني والكلال‏..‏ لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد‏,‏ ويلهث بالأنفاس‏!‏ إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه‏,‏ وصورة الوضع وطلقه وآلامه‏.‏ ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة‏..‏ ثم الوضع‏,‏ وهو عملية شاقة‏,‏ ممزقة‏,‏ ولكن آلامها الهائلة كلها لاتقف في وجه الفطرة‏,‏ ولاتنسي الأم حلاوة الثمرة‏.‏ ثمرة التلبية للفطرة‏,‏ ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش‏,‏ وتمتد‏..‏ بينما هي تذوي وتموت‏!‏ ثم الرضاع والرعاية‏.‏ حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها‏,‏ وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية‏.‏ وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة‏,‏ رحيمة ودودة‏,‏ لاتمل أبدا ولاتكره تعب هذا الوليد‏.‏ وأكبر ماتتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو‏.‏ فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد‏!‏ فأني يبلغ الانسان في جزاء هذه التضحية‏,‏ مهما يفعل‏.‏ وهو لايفعل إلا القليل الزهيد؟ وصدق رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وقد جاءه رجل كان في
الطواف حاملا أمه يطوف بها‏,‏ فسأل رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ هل أديت حقها؟ فأجابه‏:(‏ لا‏,‏ ولا بزفرة واحدة‏).‏ رواه الحافظ أبوبكر البزار ـ بإسناده ـ عن بريدة عن أبيه‏.‏

‏*‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبها‏)‏ مانصه‏:(‏ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا‏)‏ أمرناه أن يحسن إليهما إحسانا‏,‏ ويبرهما بصنوف البر في حياتهما وبعد مماتهما‏.‏ والإحسان‏:‏ خلاف الإساءة‏,‏ وقرئ‏(‏ حسنا‏).‏ نزلت هذه الآية إلي قوله‏(‏ وعد الصدق الذي كانوا يوعدون‏)‏ في أبي بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏ وهو مثل رفيع في الجمع بين التوحيد والاستقامة في الدين‏.‏

‏*‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما موجزه‏:‏ ووصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا عظيما‏,‏ حملته أمه حملا ذا مشقة‏,‏ ووضعته وضعا ذا مشقة‏,‏ ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا قاست فيها صنوف الآلام‏....‏

وجاء بالهامش مايلي‏:‏ أقل مدة للحمل ستة أشهر لقوله تعالي‏:(‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏)‏ وقوله تعالي‏:(‏ وفصاله في عامين‏)‏ وقوله تعالي‏:(‏ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة‏)‏ فبإسقاط مدة الفصال من مدة الحمل والفصال يبقي للحمل ستة أشهر‏.‏ وهذا يتفق مع ماثبت علميا من أن الطفل إذا ولد لستة أشهر فإنه قابل للحياة‏.‏

‏*‏ وجاء في صفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبها خيرا‏)‏ مانصه‏:(‏ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا‏)‏ لما كان رضا الله في رضا الوالدين‏,‏ وسخطه في سخطهما حث تعالي العباد عليه‏,‏ والمعني أمرنا الانسان أمرا جازما مؤكدا بالإحسان إلي الوالدين‏.‏ ثم بين السبب فقال‏:(‏ حملته أمه كرها ووضعته كرها‏)‏ أي حملته بكره ومشقة ووضعته بكره ومشقة‏(‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏)‏ أي و مدة حمله ورضاعه عامان ونصف‏,‏ فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة‏,‏ قال ابن كثير‏:‏ أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا من وحم‏,‏ وغثيان‏,‏ وثقل‏,‏ وكرب إلي غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة‏,‏ ووضعته بمشقة أيضا من الطلق وشدته‏,‏ وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان‏(‏ وفصاله في عامين‏)‏ علي أن أقل مدة الحمل ستة أشهر‏,‏ وهو استنباط قوي صحيح‏....‏

‏*‏ وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلي تكراره هنا‏.‏

من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم
في قوله تعالي‏:(‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏):‏
درج الناس علي أن مدة حمل الجنين البشري هي في حدود التسعة شهور قمرية أو‏(266)‏ يوما من لحظة الإخصاب‏,‏ وعلي ذلك اتهموا كل وضع قبل تلك المدة بالزنا‏,‏ كما حدث في الحادثة التي رواها محمد بن اسحاق عن معمر بن عبدالله الجهني قال‏:‏ تزوج رجل منا امرأة من جهينة‏,‏ فولدت له لتمام ستة أشهر‏,‏ فانطلق زوجها إلي عثمان‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ فذكر ذلك له‏,‏ فبعث إليها‏,‏ فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها‏,‏ فقالت‏:‏ مايبكيك؟‏:‏ فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالي غيره قط‏,‏ فيقضي الله سبحانه وتعالي في مايشاء‏.‏ فلما أتي بها عثمان‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ أمر برجمها‏,‏ فبلغ ذلك عليا‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ فأتاه فقال له‏:‏ ماتصنع؟
قال‏:‏ ولدت لتمام ستة أشهر وهل يكون ذلك؟ فقال له علي‏(‏ رضي الله عنه‏):‏ أما تقرأ القرآن؟ قال‏:‏ بلي‏,‏ قال‏:‏ أما سمعت الله‏(‏ عز وجل‏)‏ يقول‏:(‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏),‏ وقال‏:(‏ حولين كاملين‏)‏ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر‏,‏ فقال عثمان‏(‏ رضي الله عنه‏):‏ والله مافطنت بهذا‏,‏ علي بالمرأة‏,‏ فوجدوها قد فرغ منها‏.‏ قال‏:‏ فقال معمر‏:‏ فوالله ما الغراب بالغراب‏,‏ ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه‏,‏ فلما رآه أبوه قال‏:‏ ابني‏,‏ والله لا أشك فيه‏....‏

وجاء علم الأجنة في القرن العشرين ليؤكد لنا علي أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر قمرية‏(‏ أي‏177‏ يوما‏)‏ من لحظة الإخصاب‏,‏ وأن الحميل إذا ولد لستة أشهر فإنه قابل للحياة‏,‏ لأن كافة أجهزة وأعضاء جسمه يكون خلقها قد اكتمل مع نهاية الأسبوع الثامن من لحظة الإخصاب‏(‏ أي بعد‏56‏ يوما‏),‏ وأن مرحلة انشائه خلقا آخر تبدأ من اليوم السابع والخمسين من عمر الجنين وتستمر حتي لحظة ميلاده في فترة تتراوح مابين الستة والتسعة شهور قمرية‏(‏ أي‏177‏ يوما إلي‏266‏ يوما بعد لحظة الإخصاب‏)‏ تتم خلالها عملية تحديد الملامح الشخصية للحميل‏.‏

وسبق القرآن الكريم بتحديد أقل مدة للحمل بستة شهور‏,‏ هذا التحديد الجازم الواضح في أكثر من آية قرآنية كريمة كالتي نحن بصددها لمما يقطع بأن هذا الكتاب الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏,‏ وتعهد ـ تعالي ـ بهذا الحفظ الكامل إلي قيام الساعة ولم يعط هذا العهد لرسالة سابقة أبدا‏.‏

من حكم تحديد الرضاعة بحولين كاملين‏:‏
يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في سورة البقرة‏:‏
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة‏...*‏ ‏(‏البقرة‏:233)‏

ويقول ـ جل جلاله ـ في سورة لقمان‏:‏
ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين‏...*(‏لقمان‏:14)‏

ويقول ـ تعالي ـ في سورة الأحقاف‏:‏
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏...*(‏ الأحقاف‏:15)‏

وجاء الفعل‏(‏ حمل‏)‏ بتصريفاته المختلفة بمعني‏:‏ حمل الأنثي للجنين في بطنها خمس عشرة مرة في القرآن الكريم‏,‏ والأصل في‏(‏ الحمل‏)‏ هو‏(‏ الحمل‏)‏ علي الظهر فاستعير للحبل لما تشعر الأنثي بثقل الحمل أثناء فترة حبلها‏.‏ يقال‏(‏ حملت‏)‏ المرأة إذا حبلت‏,‏ والحمل هو ما تحمل الإناث في بطونها‏,‏ يقال‏:‏ إمرأة‏(‏ حامل‏)‏ و‏(‏حاملة‏)‏ إذا كانت حبلي‏,‏ وجمعها‏(‏ حملة‏).‏

وواضح من الآيات القرآنية الثلاث أن تمام الرضاعة يكوف في حولين كاملين‏,‏ وأن أقصر مدة الحمل هي ستة شهور‏,‏ قمرية‏(‏ أي‏177‏ يوما من لحظة الإخصاب‏),‏ وأن الحميل إذا ولد لستة أشهر فإنه يكون قابلا للحياة إذا لقي الرعاية اللازمة‏,‏ ومنها أن تطول مدة رضاعته لسنتين قمريتين كاملتين‏,‏ وأن أتم مدة للحمل هي تسعة أشهر قمرية‏(‏ أي‏:266‏ يوما من لحظة الإخصاب‏),‏ فإن ولد الحميل لتسعة أشهر قمرية كان كافيا لإرضاعه واحد وعشرون شهرا قمريا حتي لا يتجاوز مجموع فترتي الحمل والرضاعة ثلاثين شهرا قمريا‏.‏

وعلي ذلك فإن إتمام إرضاع المولود من أمه أو من أم بديلة لمدة حولين كاملين ليس ملزما‏,‏ ولكن الملزم هو الثلاثون شهرا التي يجب أن تغطي فترتي الحمل والرضاعة‏.‏

وقد أثبتت الأبحاث في مجال طب الأطفال‏[‏ بورش نيلسون‏,1994‏ م‏.(Nelson,Borch,1994),‏ ومجاهد أبو المجد‏,1995‏ م‏,1999‏ م‏]‏ أن هناك ارتباطا وثيقا بين استبدال الرضاعة الطبيعية من لبن الأم بإرضاع الأطفال من منتجات الألبان الحيوانية المصنعة وغير المصنعة‏(‏ خاصة لبن الأبقار‏)‏ وبين انتشار مرض الداء السكري بين الأطفال الرضع‏.‏

كذلك ثبت وجود ارتباط قوي بين اكتمال مدة الرضاعة الطبيعية من الأم وبين سلامة الرضيع من الإصابة بمرض الداء السكري من النوع الأول‏.‏ وكان تعليل ذلك بأن تمكين الرضيع من لبن الأم أو الأم البديلة للمدة الكافية‏(‏ من‏21‏ شهرا قمريا إلي‏24‏ شهرا قمريا‏)‏ يمد الرضيع بحماية فطرية ضد العديد من العوامل التي قد تؤدي إلي تدمير أعداد من الخلايا الهامة في البنكرياس من مثل خلايا بيتا التي تقوم علي إفراز مادة الإنسولين لدي الأطفال الرضع سواء كانوا مولودين باستعداد وراثي لمرض الداء السكري أو لم يكونوا كذلك‏.‏

وثبت أيضا أن البروتين الموجود في لبن الأبقار هو بذاته عامل فعال ومؤثر في إصابة الأطفال الرضع بمرض الداء السكري إذا استبدلت الرضاعة الطبيعية بلبن الأبقار مصنعا أو غير مصنع‏.‏

ويذكر الأخ الكريم الدكتور مجاهد أبو المجد أستاذ الأمراض الباطنة بكلية طب المنصورة أن دراسة أجريت تحت إشرافه في سنة‏(1995‏ م‏)‏ أثبتت وجود أجسام مناعية مضادة لبروتينات لبن الأبقار في مصل الأطفال الذين أرضعوا هذا اللبن‏(‏ مصنعا أو غير مصنع‏)‏ إلي نهاية العام الثاني من أعمارهم‏.‏ أما الذين تناولوا هذا اللبن بعد تجاوز العامين الأولين من أعمارهم فلم يثبت وجود هذه الأجسام المناعية عندهم‏.‏ ويفسر ذلك بعدم اكتمال نمو الغشاء المبطن للجهاز الهضمي عند الرضع‏,‏ والذي لا يتم اكتمال نموه إلا بعد تمام العام الثاني بعد الميلاد‏,‏ وبأن إنزيمات الهضم عند الرضيع لا تستطيع تكسير بروتينات ألبان الأبقار إلي مكوناتها من الأحماض الأمينية‏,‏ فتمر تلك البروتينات المعقدة مباشرة إلي دم الرضيع مما يحفزه علي تكوين أجسام مناعية مضادة تضر به‏.‏

ويستنتج من ذلك كله أن أقل مدة للحمل والرضاعة الطبيعية هي ثلاثون شهرا‏,‏ وإن إتمام مدة الرضاعة للوليد هي حولين كاملين‏,‏ وذلك يترك مدة ستة أشهر كأقل مدة للحمل‏,‏ وهو ما أثبتته الدراسات الطبية مؤخرا‏.‏

كذلك ثبت أن إتمام مدة الرضاعة الطبيعية من الأم أو الأم البديلة إلي حولين كاملين يحمي الرضيع من مخاطر الإصابة بالعديد من الأمراض وفي مقدمتها مرض الداء السكري‏.‏

وثبت أيضا أن إعطاء الرضيع الألبان الحيوانية المصنعة وغير المصنعة بديلا للبن الأم في فترة السنتين الأوليتين من عمره يؤدي إلي إصابته بالعديد من الأمراض‏,‏ وإلي تركيز العديد من الأجسام المناعية الضارة في جسمه‏,‏ ولم يعرف ذلك إلا في أواخر القرن العشرين‏.‏ لذلك أنزل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق‏:‏

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لم أراد أن يتم الرضاعة‏...*‏ ‏(‏البقرة‏:233)‏

وأنزل‏:...‏ وفصاله في عامين‏...*‏ ‏(‏ لقمان‏:14).‏

وأنزل‏:..‏ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏...*‏ ‏(‏الأحقاف‏:15).‏

وهذه الآيات الثلاث تشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية ـ ولم يقطعه لرسالة من قبل ـ وحفظه حفظا كاملا في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ وحفظه حرفا حرفا‏,‏ وكلمة كلمة ليبقي حجة علي جميع الناس إلي قيام الساعة‏.‏

فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة سيد الأنام‏,‏ إمام الموحدين‏,‏ وقائد الغر المحجلين‏,‏ الذي بعثه الله ـ تعالي ـ رحمة للعالمين بالرسالة الخاتمة وبالدين الخاتم‏,‏ ولذلك تعهد بحفظه فحفظ في وقت ضاعت أصول الرسالات السماوية السابقة كلها‏,‏ وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلي التحريف تلو التحريف‏,‏ والتحرير تلو التحرير‏,‏ وإلي الإضافات والتبديل والتغيير مما أخرجها عن إطارها الرباني وجعلها عاجزة عن هداية أتباعها‏.‏ فالحمد لله علي ما نحن فيه من نعمة وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~