الكتاب

43287‏السنة 129-العدد2005يونيو12‏5 من جمادى الأولى 1426 هـالأحد

المستشرق والجنرال
بقلم: رجاء النقاش

عندما نتأمل تاريخ الاستعمار الذي تعرضت له مصر ومعظم البلاد العربية منذ الحملة الفرنسية سنة‏1798,‏ نجد أن الأفكار دائما كانت تسبق السلاح‏,‏ وأن طائفة من المستشرقين الذين يزورون بلادنا بحجة السياحة أو الدراسة والتعرف علي أحوال الشعوب إنما هم في الحقيقة الذين يقومون بتمهيد الأرض للجنرالات والقادة العسكريين‏.‏

فالمستشرقون هم الفاتحون الأوائل‏,‏ وهم الذين يخلقون في نفوس العسكريين ميلا قويا إلي الاحتلال والاستعمار‏,‏ وماجري في الماضي هو مايحدث في الوقت الحاضر‏,‏ وماسوف يحدث في المستقبل‏,‏ والفرق هو أن المستشرقين قد حل محلهم الصحفيون والإعلاميون والعاملون في بعض مراكز الدراسات المتعددة والقوية والتي لاتتوقف عن البحث وجمع المعلومات وتقديم الخطط المختلفة للسياسيين والجنرالات‏,‏ ومما لايختلف عليه إثنان الآن أن شكل الاستعمار القديم قد تغير بصورة كبيرة‏,‏ فلم يعد الرئيس بوش مثلا بحاجة إلي أن يقود الجيوش بنفسه‏,‏ كما كان نابليون يفعل عندما قاد الحملة الفرنسية إلي مصر‏,‏ فالسياسيون يقررون‏,‏ والعسكريون ينفذون‏,‏ وأحيانا يكون التنفيذ علي يد الدبلوماسيين أو رجال الأعمال ومدراء الشركات الكبري العملاقة‏,‏ ولكن إذا كان شكل الاستعمار قد تغير‏,‏ وهو ما حدث فعلا‏,‏ فإن المضمون يبقي علي ماهو عليه‏,‏ وهو سيطرة الأقوياء علي من هم أضعف‏,‏ وتلفيق مبررات كاذبة لهذه السيطرة‏,‏ والاستيلاء علي ثروات الشعوب والوقوف في وجه تطورها ونموها والتفاتها إلي أحوالها وتنظيم نفسها تنظيما مناسبا يتيح لها أن تعيش في أمان واستقرار‏,‏ اعتمادا علي ماتملكه من امكانيات وثروات‏.‏

نعم تغير شكل الاستعمار ولكن المضمون لم يتغير‏,‏ وبقيت الأمور تمضي بنفس الطريقة‏,‏ أي أن الأفكار تسبق الأسلحة وتمهد لها وتقوم بإغرائها‏,‏ وأن المستشرقين أو من يحل محلهم من صحفيين وإعلاميين ورجال اقتصاد يمهدون الأرض للجنرالات‏,‏ فالذين يفكرون هم السابقون والذين يقتلون ويدمرون ويستثمرون هم اللاحقون‏.‏
وهذه قصة مستشرق أثار الإعجاب في قلب جنرال‏,‏ فكان الاستعمار والاحتلال ثمرة للتعاون والإعجاب المتبادل‏,‏ وهي قصة تستحق الوقوف أمامها لطرافتها أولا‏,‏ ولأنها قابلة للترجمة بسهولة إلي أوضاع نتعرض لها اليوم في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي معا‏.‏

والقصة هي قصة مستشرق فرنسي جاء إلي مصر في أواخر سنة‏1782‏ وعاش عدة شهور فيها‏,‏ وعندما عاد إلي بلاده أصدر كتابا عن رحلته إلي مصر وبعض بلدان الشرق الأخري ـ والمهم هنا هو ماقاله هذا المستشرق عن مصر‏,‏ وماتركه ذلك من آثار كان لها نتائج خطيرة بعد ذلك‏.‏
هذا المستشرق اسمه قسطنطين فرانسوا فولني‏1755‏ ـ‏1820‏ وقد جاءت كتابته عن مصر مليئة بالنقد العنيف لأحوال الشعب والبلاد ومن ذلك قوله‏:‏ إن الجهل في هذه البلاد ـ أي في مصر ـ عام وشامل وهي في ذلك مثل سائر البلاد التركية‏,‏ وهذا الجهل يشمل كل طبقاتها ويتجلي في جميع نواحيها الثقافية من أدب علم وفن‏,‏ والصناعات اليدوية فيها هي في أبسط حالاتها‏,‏ ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح ساعتك إذا أصابها شيء‏,‏ فإن عثرت علي أحد يقوم بذلك فهو إفرنجي وليس من أهل البلاد‏.‏

ويحدثنا أستاذنا الجليل الدكتور ثروت عكاشة بشيء من التفصيل عن هذا المستشرق في كتابه الموسوعي الممتع العظيم مصر في عيون الغرباء ويلخص لنا بعض ماورد في كتاب هذا المستشرق من أفكار ودعوات فيقول في الجزء الأول من كتابه طبعة دار الشروق ـ صفحة‏77:‏ رسم فولني صورة لحكومة مصر المملوكية المجردة من النزاهة والتي لا تتمتع بثقة أي مواطن‏,‏ واستعرض أحوال العسكرية المملوكية الفظة الماجنة‏,‏ وتحدث عن أن مصر عارية من أي دفاع‏,‏ وأن بالإمكان اجتياحها في يسر وسهولة‏,‏ فميناء الاسكندرية علي سبيل المثال يخلو من أية حصون‏,‏ وليس فيه سوي أربعة مدافع صالحة‏,‏ وليس بين جنوده من لديه أي معرفة بتصويب مدفعه‏,‏ علي حين أن حامية الاسكندرية التي كانت تبلغ الخمسمائة قد انخفض عددها إلي النصف أكثرهم من العمال الذين لايجيدون غير شد أنفاس النرجيلة‏,‏ أي الشيشة‏.‏
ويواصل فولني تقديم هذه الصورة القاسية البائسة التي يرسمها لمصر‏,‏ حيث يبدو أن هذا المستشرق كان يكره كل شيء له علاقة بهذا البلد‏,‏ حتي أشجارها وأرضها وطبيعتها‏,‏ وكانت عينه لاتقع إلا علي ماهو بائس ويائس ومثير للإحباط‏,‏ ومن ذلك كما جاء في كتاب مصر في عيون الغرباء صفحة‏78‏ قوله‏:‏ إن أشجار مصر خشنة فظة تواكب بؤس الأكواخ ولا توحي بغير إلاهمال والفقر‏,‏ وقد رأيت تحت جدران الاسكندرية القديمة بعض التعساء الذين يلتفون حول جثة ميت يتناهشون بقاياه العفنة مع الكلاب‏.‏

تلك هي الصورة القاسية الفظيعة التي رسمها المستشرق فولني لمصر بعد رحلته إليها في أواخر القرن الثامن عشر‏,‏ وهنا نتساءل عن النتائج التي خرج بها هذا المستشرق من الصورة البائسة القاسية التي رآها للناس والحياة في مصر‏,‏ إنه يخرج بنتيجة واحدة هي أن خلاص مصر لايكون إلا في تدخل أوروبي ينقذها من مأساتها وسقوطها‏.‏
ويقول أستاذنا الدكتور ثروت عكاشة إن فولني لم يتورع عن ترشيح فرنسا لكي تكون القوة الخارجية التي تبعث الحياة في مصر بعد أن تعي ماضيها وتشفيها من أسقامها الحاضرة وتهيئها لمستقبل أفضل‏.‏

بعد صدور كتاب فولني الذي تحدث فيه عن مصر سنة‏1787‏ توالت أحداث مهمة لها دلالة واحدة‏,‏ هي أن المستشرق‏,‏ أو من يقوم مقامه‏,‏ يسبق الجنرال‏,‏ وأن المعلومات تسبق المدافع‏,‏ فالمعلومات هي الجبهة الأمامية للغزو والاستعمار في شكلهما القديم أو الجديد علي السواء‏.‏
سنة‏1792‏ يلتقي المستشرق فولني بنابليون في جزيرة كورسيكا ويستمع نابليون إلي المستشرق ويقرأ كتابه في شغف وفضول‏.‏

سنة‏1798‏ يقود نابليون الحملة الفرنسية علي مصر‏,‏ ويكون كتاب فولني ـ كما يقول الدكتور ثروت عكاشة هو كتاب الأثير بين أيدي قادة الجيش والعلماء في الحملة الفرنسية‏,‏ إذ كان هذا الكتاب بمثابة دليل ممتاز وموجز ونفيس للجغرافيا الاقتصادية والسياسية لمصر‏,‏ ونستطيع أن نقول بلغة العصر إن المستشرق فولني كان جاسوسا من الطراز الأول‏,‏ وأن كتابه لم يعرض الحملة الفرنسية لأي خيبة أمل ولم يقم بعملية تجميل أو خداع بمعسول الحديث عن مصر‏.‏

وهكذا يحدث دائما‏:‏
المستشرق يسبق الجنرال

والمعلومات تسبق المدافع‏,‏ ثم تأتي الأموال والشركات لامتصاص الدماء والثروات‏,‏ وتدور الدائرة الجهنمية لما نسميه باسم الاستعمار في شكله الحديث أو القديم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~