تحقيقات

43271‏السنة 129-العدد2005مايو27‏20 من ربيع الآخر 1426 هـالجمعة

بروتين للإنسان وعلف للحيوانات والأسماك والطيور
استاكوزا المياه العذبة‏..‏ أحد غزاة النيل الجدد‏!‏

تحقيق‏:‏ مصطفي إمام
منذ نحو عشرين عاما قامت احدي المزارع السمكية الخاصة بالجيزة بمغامرة خطيرة انتهكت خلالها بيئة نهر النيل غير مدركة لعواقبها حيث قامت بجلب كميات من استاكوزا المياه العذبة من موطنها الأصلي في الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ بهدف استزراعها في مصر‏,‏ وتسويقها علي انها جمبري رخيص الثمن‏,‏ خاصة أن مذاق لحمها شبيه بالجمبري‏,‏ إلا أن المستهلكين لم يقبلوا عليها لغرابة شكلها‏,‏ وأطلقوا علي هذا الكائن الدخيل صرصار البحر‏,‏ ظنا بأنه حشرة يمكن أن تسبب الأمراض مثل‏:‏ الجراد‏,‏ والصراصير‏,‏ وهي حشرات ذات تركيب خاص للجسم‏,‏ وأرجلها الست متشابهة‏,‏ بينما استاكوزا المياه العذبة من القشريات التي تضم‏:‏ الجمبري والكابوريا والاستاكوزا‏,‏ والتي يوجد منها‏400‏ نوع‏,‏ وتتميز بأجسامها القشرية وأرجلها العشر متنوعة الشكل‏.‏

وعندما لم يتحقق لصاحب المزرعة أي عائد علي مدي عدة سنوات‏,‏ بسبب عدم خبرته الكافية بطريقة استزراع هذا النوع من كائنات المياه العذبة‏,‏ بدأ التخلص منها بإلقائها في مياه النيل والمجاري المائية المتفرعة عنه‏,‏ بالاضافة إلي هروب أعداد كبيرة منها خارج الأقفاص‏,‏ ومن هنا بدأت رحلة استاكوزا المياه العذبة من موطنها الأصلي في أمريكا إلي مصر‏,‏ حيث وجدت في مصر بيئة جديدة مناسبة لها من حيث بطء تيار الماء في نهر النيل بعد انشاء السد العالي‏,‏ وبطانة القاع‏,‏ والتربة الطينية لمختلف قنوات الري والصرف‏,‏ وارتفاع درجة الحرارة أو الجو الدافئ‏,‏ وبدأت التكاثر والانتشار بكميات مهولة‏,‏ خاصة مع عدم وجود أعداء طبيعيين لها بالبيئة الجديدة‏,‏ وزحفت لتغطي الدلتا‏,‏ وسارت عكس التيار‏,‏ خلال السدة الشتوية لتصل لأعلي النيل في الصعيد‏,‏ حتي وصلت الي أسيوط‏,‏

ومن هنا‏,‏ بدأ عدد من الباحثين الذين درسوا هذا الكائن يدعون إلي التعامل الايجابي معه واستخدامه كطعام للانسان وأعلاف للأسماك والحيوانات والدواجن بدلا من استيرادها‏,‏ إلا أن آخرين يطالبون بالتريث قبل الدعوة لأكله‏,‏ حتي يصدر قرار جهة رسمية وعلمية محايدة اذا ما كنا نأكل هذا الكائن مثل بقية أسماك النيل‏..‏ أم لا وماهي الضمانات الواجب توافرها من أجل سلامة المستهلكين‏,‏ مع العلم بأن دول أوروبا وأمريكا وآسيا يأكلونه‏..‏ ويعتبرونه كالجمبري‏.‏

البقاء للأصلح
يقول الدكتور مبارك فهمي مبارك ـ الذي أعد رسالتين علميتين حول هذا الكائن في مصر‏.‏ إنه من خلال عمليات المسح البيئي التي قام بها في‏35‏ محطة علي طول نهر النيل لتتبع تواجد وانتشار هذا الكائن‏,‏ تبين أن المزرعة الخاصة قامت بجلب نوعين من استاكوزا المياه العذبة للمياه المصرية وهما‏:‏ استاكوزا البرك الأحمر‏,‏ واستاكوزا الأنهار الأبيض‏,‏ ولم يستمر النوع الثاني لفترة طويلة في مصر لضعف حركة المياه في نهر النيل بعد انشاء السد العالي فاختفي تماما‏,‏ بينما استطاعت استاكوزا البرك الأحمر التأقلم مع البيئة الجديدة لتوافر الغذاء والبيئة المناسبة‏,‏ وبذلك تحول هذا الكائن إلي غاز ومستوطن جديد لنهر النيل‏,‏ بسبب تشابه الظروف في مصر مع ظروف بيئته الأصلية في ولاية لويز يانا الامريكية‏,‏ حيث يتم استزراعه هناك علي نطاق واسع‏,‏ ويصدر لأوروبا وهو حيوان شديد التحمل لمختلف التغيرات في البيئة‏,‏ ويمكنه أن يعيش بدون مياه في جحور رطبة لمدة تتجاوز عشرة أسابيع‏,‏ ولذلك يتم تصديره وهو حي لأي مكان في العالم‏.‏

ويتغذي هذا الحيوان علي أنواع كثيرة من الرخويات والنباتات المائية ويمكن استغلاله في المكافحة البيولوجية للقواقع الناقلة للأمراض مثل قواقع البلهارسيا‏,‏ وكذلك الأعشاب المائية الضارة مثل ورد النيل وقال ان قرية بمها التي تقع قبل مدينة العياط بالجيزة كانت تعتبر من المناطق عالية الاصابة بالبلهارسيا‏,‏ إلا أن عمليات المسح التي أجريت أخيرا أوضحت أن القرية أصبحت حاليا خالية تماما من قواقع ودودة البلهارسيا بعد أن تغذت عليها استكاوزا المياه العذبة حيث تأكلها بشراهة بعد كسر القواقع الصلبة‏,‏ ولذلك يري الدكتور مجدي خليل أستاذ علم الحيوان بكلية علوم عين شمس أنه يمكن استخدام هذا الكائن في المكافحة البيولوجية للقواقع التي تنقل للانسان الطفيليات التي تتغذي علي الانسان مثل البلهارسيا والفاشيولا‏,‏ وكذلك استخدامه في المعامل البيولوجية كمادة للتشريح بدلا من الجمبري غالي الثمن أو لاختبار سمية المركبات الجديدة علي الاحياء والبيئة‏.‏

إلا أنه من ناحية اخري‏,‏ فان هذا الكائن يسبب خسائر كبيرة للصيادين‏,‏ حيث يمزق الشبكة بما يملكه من كلابات حادة‏,‏ كما يتغذي علي يرقات وبيض الأسماك والهائمات الحيوانية والنباتية المحيطة به رغم قدرته المحدودة علي الحركة في قاع المجري المائي‏,‏ كما ظهرت شكاوي من التهامه بيض الضفادع وصغاره مما خفض من أعداد الضفادع المطلوبة للمعامل بالكليات العملية التي تستخدمها في التشريح واجراء التجارب المعملية‏,‏ ويقوم هذا الكائن بالحفر في جسور وجوانب الترع والقنوات لأعماق بعيدة يسكن فيها للتزاوج ووضع البيض‏,‏ ويلجأ اليها اذا تعرض للجفاف بحثا عن الرطوبة أثناء مايعرف بالبيات الصيفي‏.‏

ومن هنا‏,‏ استطاع هذا الكائن أن يفرض وجوده كأحد غزاة النيل الجدد‏,‏ وكما يقول الدكتور مبارك فهمي‏:‏ إن الامريكيين ـ الذين لديهم خبرة علمية ومعهد متخصص لدراسة هذا الحيوان ـ لاينصحون بالتخلص من هذا الحيوان باستخدام الكيماويات أو بأساليب يمكن أن تدمر البيئة‏,‏ خاصة في ظل عدم وجود أعداء طبيعيين له بالبيئة المصرية‏,‏ وإن كانت الفئران التي لديها جحور علي حواف الترع تتغذي عليها‏.‏

كيف نتخلص منه؟
إلا أن الدكتور حسام حسن الأستاذ المساعد بالمركز القومي للبحوث‏,‏ والذي قام بدراسة الجوانب البيولوجية لهذا الكائن ـ يري أن هذا الكائن يعتبر بالنسبة للكائنات الأخري الموجودة في نهر النيل كائنا استثنائيا‏,‏ حيث إن لديه قدرة علي تحمل ظروف قاسية لا تتحملها الأسماك الأخري‏,‏ ويمكنه أن يعيش في مياه يبلغ معدل الأوكسجين بها‏2‏ مللي جرام علي‏1‏ لتر‏,‏ وهي نسبة ضعيفة جدا تمكنه من الحياة في المياه الملوثة والتي تزيد فيها نسبة المعادن الثقيلة‏,‏ بينما سمك البلطي يتحمل العيش في مياه بها حتي‏3‏ مللي جرامات من الاكسجين علي‏1‏ لتر‏,‏ ومن هنا‏,‏ فان هذا الكائن يمكنه الحياة خارج المياه ـ في تربة رطبة ـ من شهر حتي‏3‏ شهور‏.‏

وهو يري ضرورة تخليص البيئة المصرية منه بسبب حجم الأضرار التي يسببها‏,‏ وذلك باستخدام الطرق المختلفة سواء عن طريق المكافحة الطبيعية بزيادة أعداد سمك قشر البياض والقراميط التي تتغذي عليه‏,‏ وكذلك بتكثيف اصطياده‏,‏ بالجوبيا لتقليل أعداده‏,‏ والحل كما يقول كثير من الباحثين‏:‏ ان نأكله‏..‏ ونستخدمه في تصنيع الأعلاف للأسماك والحيوانات والدواجن كبروتين لهم‏,‏ كما تقول كل الدول‏,‏ ويوضح الدكتور مبارك انه من خلال عمليات التحليل التي تمت علي جسم هذا الكائن تبين أن كمية اللحم في جسمه تتراوح مابين‏20%‏ إلي‏22%‏ من وزن الجسم الكلي‏,‏ بينما تصل هذه النسبة إلي نحو‏40%‏ في الجمبري‏,‏ ومع ذلك تعتبر هذه النسبة اقتصادية مقارنة بالفرق بين سعر استاكوزا المياه العذبة التي تباع في بعض الأحياء الشعبية بسعر‏3‏ جنيهات تقريبا إلا أنه لا توجد له سوق رائجة وبالنسبة للتركيب الكيميائي للحم الاستاكوزا فوجد أن به نسبة من البروتين والدهون والكربوهيدرات والمعادن المختلفة لاتقل عما هو موجود في الكائنات البحرية الأخري‏.‏

ويري الدكتور مجدي خليل‏:‏ أن هذا الحيوان يعتبر بروتينا رخيصا يمكن ان يساهم في سد الفجوة البروتينية في مصر‏,‏ خاصة انه منتشر حاليا في أنحاء العالم‏ ويشير بعض الباحثين إلي أن بعض المحلات الكبري في مصر تستورده من أمريكا وتبيعه بسعر‏40‏ جنيها للكيلو حيا وتعرضه في أوان زجاجية بها مياه‏,‏ وتقوم بعض محلات الأسماك والجمبري بتقطيعه وبيعه ضمن الجمبري بسعر منخفض يبلغ‏16‏ جنيها للكيلو‏,‏ إذن فالناس تأكله دون أن تدري‏.‏

ومع ذلك‏,‏ فإن بعض الباحثين يرون ضرورة التريث في حسم مسألة اباحة أكله علي نطاق واسع‏,‏ لحين التأكد من عدم اصابة الناس بأمراض في حالة أكل الأنواع الموجودة حاليا بنهر النيل وفي ضوء تواجده في أماكن عالية التلوث‏.‏ ويقف في هذا المعسكر الدكتور حسام حسن الذي يري ان هذا الكائن يتغذي علي أنواع عديدة من القواقع‏,‏ والكائنات بداخلها حاملة الأمراض والطفيليات‏,‏ وتعتبر بذلك هذه الأسماك وسيطا لنقل الأمراض‏,‏ ولذلك لابد من معرفة ما إذا كان يمكن ان تنقل للانسان الامراض عن طريق الأكل أم لا‏,‏ وحتي الان لايمكن الجزم بذلك‏,‏ ومن هنا لابد من قيام باحثين بيطريين بدراسة هذا الكائن‏,‏ وهذه المسألة بدقة حتي يطمئن الناس‏.‏

ويقول الدكتور عصام حسن‏:‏ انه من المستحيل حاليا مقاومة هذا الكائن في الارض المصرية حيث ان مقاومته ستكون صعبة للغاية‏,‏ خاصة انه يدخل جحره من الطين ويغلقه علي نفسه في حالة احساسه بالخطر‏,‏ ولذلك فاننا ندرس حاليا امكانية استخدامه كغذاء للانسان وللحيوان من خلال اضافته للأعلاف‏,‏ والدراسات المعملية التي تجري حاليا والتي لن تنتهي قبل عام تبحث اذا ما كان هذا الحيوان يتخلص من التلوث الموجود في غذائه الذي حصل عليه من المياه الملوثة‏,‏ واذا ما كان يحتفظ به في الأمعاء فقط وليس في الاعمار أو الانسلاخات المختلفة للحيوان ومدي قدرة الكائن علي التخلص من التلوث خلال الانسلاخات التسعة التي يقوم بها‏,‏ وبناء علي هذه الدراسات والتجارب يمكن المساهمة في الاجابة علي التساؤل المهم حول استخدام‏,‏ أو عدم استخدام استاكوزا المياه العذبة كغذاء للانسان والحيوان في ضوء الظروف البيئية الحالية‏,‏ وفي حالة استخدامه ماهي الاشتراطات التي يجب مراعاتها‏.‏

تجربة الأعلاف
ومع ذلك فان أحد الباحثين انتهي بالفعل من تجاربه علي استخدام هذا الكائن في تصنيع الأعلاف للأسمام النهرية‏,‏ ويستعد حاليا لاجراء تجارب لانتاج اعلاف للأسماك البحرية‏,‏ وهو الدكتور حسام عجوز الباحث في المعمل المركزي لبحوث الثروة السمكية التابع لوزارة الزراعة‏,‏ ويقول عن تجاربه انه لضمان نجاح الحصول علي أعلاف صالحة للأسماك باستخدام استاكوزا المياه العذبة‏,‏ فلابد من الحصول علي كميات كبيرة منه من مناطق غير ملوثة‏,‏ وذلك كشرط أساسي للتصنيع‏,‏ حيث يتم إجراء اختبار لنسب المعادن الثقيلة في الجزء القشري للحيوان‏,‏ للتأكد من انها خالية من أي سموم‏,‏ ويتم بعد ذلك تجفيفها علي درجة حرارة‏65‏ درجة مئوية لمدة يوم كامل‏,‏ وطحنها كالبودرة واضافة بعض الأحماض الأمينية المحلية لتكملة الاحتياجات الغذائية للأسماك من البروتين‏,‏

وهذه الأحماض رخيصة الثمن ويضاف كل ذلك الي الذرة الصفراء والردة‏,‏ مشيرا الي ان نسبة البروتين تختلف من المادة الحية عن المادة الجافة‏,‏ وتتراوح في استاكوزا المياه العذبة في حالتها كجافة ما بين‏35%‏ و‏37%‏ حسب النوع اذا ما كان ذكرا أو أنثي‏,‏ وأيضا حسب الحجم‏,‏ ويحتاج انتاج طن من هذا العلف الي ما بين خمسة الي سبعة أطنان من استاكوزا المياه العذبة الخالية من التلوث‏,‏ وبالطبع ليس من السهولة الحصول علي كل هذه الكمية الا انه في حالة الانتاج‏,‏ فان سعر طن العلف المصنع من بروتين هذا الكائن يعتبر منخفضا حيث يتراوح ما بين‏1200‏ و‏1300‏ جنيه بينما يبلغ سعر طن علف الاسماك المضاف اليها مسحوق السمك نحو‏1800‏ جنيه‏,‏ ويقول انه تمت تغذية أسماك البلطي بالعلف الجديد لمدة ستة شهور‏,‏ ووصل الي حجمه التسويقي المطلوب والذي يتراوح ما بين‏200‏ و‏220‏ جراما للسمكة الواحدة‏.‏

ولكن قبل كل ذلك لابد من تولي هيئة علمية رسمية تجمع الباحثين المهتمين بدراسة هذا الكائن والخروج بتوصيات محددة حول طرق استخدامه وآليات الاستفادة منه كغذاء للانسان واستخدامه في عمليات التصنيع وامكانية تصديره الي السوق الأوروبية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~