قضايا و اراء

43244‏السنة 129-العدد2005ابريل30‏21 من ربيع الأول 1426 هـالسبت

المحافظون الجدد وإعادة الانتشار
بقلم‏:‏ د‏.‏ جمال سلامة علي

صدق مجلس الشيوخ الأمريكي علي قرار الرئيس الأمريكي جورج بوش الخاص بتعيين جون نيجروبونتي كأول مدير للاستخبارات القومية‏,‏ وهي إحدي وكالات الاستخبارات المستحدثة في الولايات المتحدة والتي يبلغ عددها‏16‏ وكالة استخبارات أهمها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية‏CIA‏ التي يرأسها بورتر جوس‏.‏

ويأتي استحداث تلك الوكالة التي اقترحته لجنة الحادي عشر من سبتمبر بالكونجرس في إطار تصعيد هجوم حملات المحافظين الجدد ضد وكالة الاستخبارات الأمريكية وعدم قدرتهم في الحصول علي موطيء قدم داخل تلك المؤسسة بعكس وضعهم داخل أجهزة البنتاجون التي تعتبر معقلا تقليديا لتيار المحافظون الجدد‏,‏ ويبدو أن جورج تنت مدير الاستخبارات السابق قد دفع منصبه ثمنا للتنافس والغيرة الوظيفية بين وكالة الاستخبارات وبين تيار أوعصابة المحافظين الجدد‏(‏ وهو الاسم الذي تطلقه عليهم معظم وسائل الإعلام الأمريكية‏)‏

وبرغم ان صلاحيات الاستخبارات القومية لم تتضح كليا ـ إلا أن أهمية منصب نيجروبونتي تتضح من تصريح الرئيس بوش وقوله‏:‏ أن نيجروبونتي سيكون مصدري الأول لسماع التقارير الموجزة وعلي ذلك فإن اتصالات مدير المخابرات المركزية الأمريكية بورتر جوس بالرئيس ستتم من خلال نيجروبونتي‏,‏ وقد ذاع صيت نيجروبونتي كأحد الصقور منذ أن كان دبلوماسيا صغيرا بفيتنام في الستينيات‏,‏ وقد لعب دورا أساسيا في تشكيل جيش متمردي الكونترا وفرق اغتيالات عسكرية ضد حكومة نيكاراجوا‏,‏ وقد واجه نيجروبونتي اتهامات بتضليل وسائل الإعلام والكونجرس حول عمل تلك الفرق وحول مصادر التمويل‏,‏ وعمل نيجروبونتي كأول سفير لبلاده ببغداد بعد الاحتلال الأمريكي‏.‏

وبوصول نيجروبونتي تكتمل عملية تمترس المحافظين الجدد في المربع الحيوي لعملية صنع القرار الأمريكي ـ هذا المربع الذي يضم الاستخبارات والبنتاجون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض‏,‏ فقد مثل وصول كوندليزا رايس الي وزارة الخارجية اكبر نجاح حققه هذا التيار نظرا لأن وزارة الخارجية كانت من المؤسسات العقلانية التي لم يستطع تيار المحافظين الجدد الوصول إليه بهذه الدرجة من القوة والقرب إلا من خلال كوندوليزا رايس التي تلقب بالأميرة المقاتلة والتي تعد واحدة من أكثر الصقور تشددا بسبب سلوكها المتصلب وهي أحد أقرب المستشارين إلي عقل الرئيس بوش الابن والصديقة الشخصية له‏,‏ أما في البنتاجون فيستحكم دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الذي تصفه وسائل الإعلام بأنه متعهد صب الزيت علي النار ـ فهو صاحب لسان حاد وسليط‏,‏ يبقي الضلع الرابع داخل البيت الأبيض حيث يجسده نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني‏.‏

ويضاف إلي رصيد المحافظين الجدد بول وولفويتز رئيس البنك الدولي الحالي ونائب وزير الدفاع الأمريكي السابق‏,‏ فبرغم أن البعض قد فسر عملية خروج وولفويتز من وزارة الدفاع علي أنه بداية لأفول نجم المحافظون الجدد إلا أن الأمر يبدو أنه لايعدو أكثر من كونه بمثابة عملية إعادة انتشار‏.‏
من هم المحافظون الجدد؟
ترتبط نشأة تيار المحافظين الجدد بأفكار ليو ستراوس وهو مفكر أمريكي من أصلي ألماني هاجر إلي أمريكا أواخر الثلاثينات وعمل أستاذا بجامعة شيكاغو‏,‏ وقد عرفت الأفكار فيما بعد بالستراوسية الليبرالية التي أصبحت بمثابة الجذور الفكرية للمحافظين الجدد‏,‏ كانت فحوي تلك تلك الأفكار تصب تجاه الاعتقاد بأن الأمة الأمريكية هي أمة صاحبة رسالة خيرة ومن ثم يجب إيصالها إلي غيرها من المجتمعات‏,‏ وفي سبيل ذلك يصبح من المفيد استغلال الشعور الديني للسيطرة علي الأفراد مع اعتماد مبدأ القوة المفرطة لكبح الميول العدائية لدي الآخرين ولعل تلك الأفكار تتلاقي أو تستمد جذورها أيضا من فكرة أو نظـرية حرب الديقمراطية التي كان يتبناها السياسي الأمريكي المشهور جورج كينان المعروف باسم‏Mr.X‏ الذي مات فقط نهاية الشهر الماضي عن عمر يناهز‏101‏ عام‏.‏

وللمحافظين الجدد أيضا أجندتهم الداخلية التي تدافع بشدة عن الحرية الاقتصادية وتعارض بشدة التشريعات التحررية الاجتماعية‏,‏ فهم يعارضون تدخل الحكومة بأي صورة قد تحد من الحرية الاقتصادية لذلك يعارضون أساسا زيادة الضرائب كما يعارضون زيادة الإنفاق الحكومي علي المجالات الاجتماعية كالتعليم والصحة علي أساس أن هذا الدور يجب أن يوكل الي مؤسسات القطاع الخاص وفي نفس الوقت يعارضون التوسع في إطلاق الحريات الاجتماعية حيث يحاربون الاجهاض ويطالبون بالتشدد في عقاب مقترفي الجرائم‏,‏ ورفض الاتجاهات الداعية إلي الحداثة الفكرية مع تغليب الاتجاهات العقلانية والمنطقية في التفكير‏.‏

ويتزعم تيار المحافظين الجدد حاليا علي الساحة الأمريكية مفكر يهودي يدعي ارفنج كريستول وهو ماركسي سابق يلتف حوله مجموعة من المفكرين في تخصصات مختلفة كالاقتصاد والتاريخ والسياسة االخارجية واللاهون وغيرها

ويوجد المحافظون الجدد علي الساحة السياسية ضمن الحزبين الجمهوري والديمقراطي علي السواءـ وبرغم تقاربهم اكثر مع توجهات الجمهوريين إلا أن صراعهم الفكري هو موجه ضد المحافظين التقليديين واللبرالليين علي حد سواء بل أنهم أكثر شراسة في حربهم ضد المحافظين التقليديين داخل الحزب الجمهوري وذلك بدافع الغيرة والرغبة في النفوذ‏,‏ ومن المفيد القول بأن اطلاق لقب المحافظين الجدد عليهم قد تم قبل الليبراليين ومن قبيل السخرية والحط من قيمتهم الفكرية وبرغم تباين اتجاهاتهم الفكرية وصعوبة جمعهم تحت مظلة نظرية أو مذهبية واحدة فإن مايجمعهم هو دعمهم وولاؤهم الدائم لإسرائيل‏,‏ وفي دفاعهم عن مصالح إسرائيل يزعمون دائما أنهم يدافعون عن المصالح الأمريكية‏,‏ ولاينظرون للأمور إلا من خلال العدسة الصهيونية‏,‏ فهم ذروة اليمين الأمريكي المتصهين وهم ليكوديون أكثر من الليكود وأشد تطرفا من شارون وموفاز وشالوم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~