تحقيقات

43207‏السنة 129-العدد2005مارس24‏14 من صفر 1426 هـالخميس

بعد‏7‏ سنوات من العمل المتواصل‏:‏
افتتـاح عـالمي لحديقـة الأزهـر

تحقيق‏:‏ نادية يوسف
من المتوقع خلال ساعات أن يتم الافتتاح الرسمي لحديقة الأزهر‏,‏ الذي يحضره مائتا ضيف من الشخصيات الدولية‏,‏ مع كبار رجال الدولة وتعتبر حديقة الأزهر واحدة من أكبر وأجمل حدائق العالم‏,‏ وإضافة نوعية ضخمة في السجل المعماري الرائع لمؤسسة الأغاخان للعمارة الإسلامية‏,‏ التي قامت بتمويل إنشاء الحديقة في موقعها الحالي علي تلال الدراسة‏,‏ وهو الموقع الذي ظل مخزنا تاريخيا للقمامة والمخلفات لفترة تزيد علي ألف عام‏!.‏

ورغم العقبات الكثيرة التي صادفت إنشاء الحديقة إلا أنها افتتحت للتجريب منذ ثمانية أشهر‏,‏ وحققت إقبالا جماهيريا كبيرا وحازت إعجاب كل من زارها‏.‏

ويوضح الدكتور عبدالعظيم وزير محافظ القاهرة أن إنشاء هذه الحديقة احتاج إلي تطوير المنطقة المتآخمة لها وكل المناطق الشعبية القديمة المجاورة أيضا ورفع كفاءة شارع صلاح سالم‏,‏ وحاليا يتم الاعداد لعمل جراج متعدد الطوابق تحت الحديقة ليكون هناك منفذ لها آخر شارع الأزهر‏,‏ وتزامن مع تنفيذ الحديقة مشروع آخر لتدريب الشباب علي اكتساب مهارات مختلفة‏,‏ وإحياء وترميم الجدار الأيوبي الذي اكتشف اثناء عملية الحفر أيضا‏,‏ وتدريب أكثر من‏400‏ شاب علي أعمال البناء بالأحجار والنجارة وصناعة المشربيات‏,‏

وتم التدريب بواسطة حرفيين وفنيين مهرة وعدد قليل من الخبراء الأجانب‏,‏ وتم إنفاق أكثر من‏20‏ مليون جنيه علي مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية بالدرب الأحمر وهو من أفقر الأحياء وأكثرها زحاما‏,‏ وقام أهالي المنطقة بتطوير الفراغ والمنطقة السكنية عند باب الوزير وترميم مجموعة خاير بك وتطوير المساكن بجوار السور التاريخي ومساكن درب شغلان‏,‏ وتطوير المناطق المفتوحة من ميدان أصلان ومدخل حديقة الأزهر عند باب المحروق‏,‏ وتطوير جميع العطفات والأزقة بجوار الحديقة‏.‏ وقدمت محافظة القاهرة كل الامكانات لتنظيف المناطق المتاخمة للحديقة وتم الرصف والإنارة بالأسلوب التاريخي القديم وإزالة الاشغالات التي كانت تشوه المنطقة‏.‏

ويرجع اهتمامنا بهذا المشروع إلي أن المنطقة التي تشغلها الحديقة من أغني مناطق العالم بآثار الفن والحضارة الإسلامية‏,‏ وقد حقق التطوير إقامة نماذج للتنمية قابلة للتكرار في أماكن أخري كثيرة‏,‏ ولذلك كان هناك تدقيق في اختيار كل من قام بعمل داخل هذه الحديقة‏,‏ وقد أسندت الأعمال إلي متخصصين‏,‏ ولذلك ظهرت بشكل مشرف لم يكن متوقعا‏.‏

ويوضح الدكتور محمد مكاوي مدير مؤسسة الأغاخان بمصر أن الحديقة بدأت كفكرة عام‏1984‏ وفي زيارة للأمير كريم أغاخان لحضور مؤتمر بالقلعة‏,‏ قرر أن يهدي القاهرة مكانا مفتوحا لندرة الأماكن الخضراء‏,‏ وفي إطار برنامج مؤسسة الأغاخان لرعاية العواصم الإسلامية وبعد عرض العديد من الأماكن تم اختيار تلال الدراسة لعدة أسباب‏,‏ أهمها أن مساحتها ضخمة ومرتفعة‏,‏ عن منسوب المدينة وملاصقة القاهرة التاريخية‏,‏ وكان يري أن الحديقة ستكون فرصة جيدة لتنمية جزء من القاهرة التاريخية‏.‏

ويقع المشروع علي مساحة‏80‏ فدانا كانت مقلبا للقمامة والمخلفات لمدة تزيد علي ألف عام‏,‏ وأثناء رفع المخلفات بدأت تظهر أسوار القاهرة الأيوبية التي أنشئت في عهد الأيوبيين ـ نحو منتصف القرن الثالث عشر الميلادي ـ وبدأ مشروع ترميم الأسوار التي وجد بها‏15‏ برجا وحصنا دفاعيا وبوابتين تم ترميمهما وفتحهما لربط الحديقة بمنطقة الدرب الأحمر‏,‏ واستغرق تنفيذ المشروع أكثر من‏7‏ سنوات بتكلفة إجمالية تزيد علي‏100‏ مليون جنيه وعمل بها نخبة من المتخصصين المصريين وعدد محدود من الأجانب‏.‏

والحديقة بها مجموعة من النباتات النادرة مختلفة ومتنوعة‏,‏ ويتم استخدام المياه فيها بكثرة لأن العمارة الإسلامية كانت غنية في استخدام المياه‏,‏ وهناك منطقة مخصصة لملاعب الأطفال‏,‏ ومقاعد ومشايات ومطاعم وكافتيريات تطل علي البحيرة الصناعية وحاليا يتم انشاء مسرح مفتوح‏,,‏ تقدم فيه الأغاني التراثية العربية والإسلامية‏,‏ وقد بدأت الحديقة تستقبل الزوار ـ في افتتاح تجريبي ـ في أغسطس الماضي‏,‏ وفي شهر رمضان كان الاقبال ضخما‏.‏ وشمل الجانب التنموي بمنطقة الدرب الأحمر تدريب شباب المنطقة علي حرف مرتبطة بالبيئة‏,‏ وإيجاد فرص عمل للشباب وكذلك ترميم مجموعة من المساكن بجوار السور التاريخي بعدد‏200‏ منزل‏.‏

سلوك رائع
ويضيف تم زراعة‏50‏ فدانا وعمل مشتل‏,‏ وبالتالي عندما نقلت النباتات كان حجمها معقولا وتأقلمت مع المناخ في مصر‏,‏ خاصة أن الكثير منها غير مصري‏,‏ وجاءت نسبة نجاحه في مصر عالية جدا‏.‏

وكان المتوقع أن عدد الزوار في الشتاء سيتراوح بين‏200‏ و‏300‏ زائر‏,‏ ولكننا نستقبل حاليا أكثر من‏3000‏ زائر في اليوم‏,‏ خاصة في أيام الجمع والإجازات والمواسم‏,‏ وهذا مؤشر علي أن هذا الصيف ستكون معدلاته في الزيادة أكثر بكثير وقد احتاج الأمر إلي فريق من العاملين والمشرفين‏,‏ وتم عمل استبيانات لمعرفة شرائح الزائرين ومعرفة آرائهم في الحديقة‏,‏ وماهي احتياجاتهم وتم تجميع اقتراحاتهم وتعديل بعض الأمور داخل الحديقة‏,‏ فمثلا وجدنا أن ملاعب أطفال ليس بها العدد الكافي من الألعاب‏,‏ وتم زيادتها‏,‏ وهناك مخطط لتصنيع مجموعة أخري وإضافة بعض الألعاب حول البحيرة‏,‏ بعد اكتشافنا أنها الأكثر استقطابا للزوار‏,‏ كما طلب الزوار منافذ للبيع بسعر السوق‏.‏

أيضا طلب الزوار زيادة عروض الموسيقي الشعبية‏,‏ وشراء بعض الشتلات النادرة‏,‏ فقمنا بعمل منفذ للبيع‏,‏ والحقيقة أن سلوك المواطنين كان مفاجأة لنا‏,‏ فقد كنا خائفين من تصرفات المواطنين الخاطئة في التعامل مع النباتات والمنشآت والمرافق الخاصة بالحديقة‏,‏ ولكن بعد الافتتاح التجريبي بـ‏8‏ شهور استطيع أن أقول أن سلوك الرواد أكثر من رائع لأنهم تأكدوا أن هذه الحديقة لهم‏,‏ فحافظوا عليها‏.‏

ومن الاقتراحات التي نسعي لتنفيذها وجود طفطف ينقل الأطفال وكبار السن في المساحات الشاسعة للحديقة‏,‏ وتخصيص مساحات مفتوحة لعروض الرسم واللوحات ومعارض لكبار الفنانين‏,‏ وفعلا تم التعاقد مع كبار الفنانيين لعمل هذه المعارض التي ستبدأ مع الشهر المقبل‏.‏

ويشير الدكتور محمد مكاوي إلي ان تكلفة صيانة حديقة الأزهر ستكون عالية جدا‏,‏ والمؤسسة علي استعداد لتغطية تكلفة الصيانة والادارة في حالة تسليمها للمحافظة عام‏2007,‏ لأن الدخل الحالي المتمثل في العائد من المطعم والكافتيريا والتذاكر غير كاف لاحتياجات الحديقة‏.‏

ومن ضمن البرامج المهمة التي حرصت الحديقة علي إعدادها برامج زيارة أطفال المدارس التي يتعرفون من خلالها علي القاهرة التاريخية ويعودون إلي مدارسهم بمعلومات تاريخية وثقافية شديدة الأهمية‏.‏

جزء من مشروع ضخم
ويوضح الدكتور ماهر استينو استشاري المشروع وعميد كلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة بأن مشروع حديقة الأزهر جاء كجزء متكامل من تطوير الدرب الأحمر‏,‏ الذي يتبع مؤسسة الأغاخان التي تهتم بتطوير العواصم الإسلامية‏,‏ وكانت المسئولية كبيرة‏,‏ لأن الموقع كان مخزنا تاريخيا للقمامة فكيف أحوله إلي موقع بهذا الجمال‏,‏ والفكرة التصميمية أصلا تقوم علي توفير مكان أخضر مفتوح لسكان القاهرة يحسن الجو ويقلل نسبة التلوث ويأخذ من روح المنطقة الإسلامية‏,‏ دون أن يكون عبئا عليها‏.‏

كما تقوم علي إيجاد محور رئيسي‏,‏ وهو محور حركة المشاة الذي يربط جوانب الحديقة ببعضها‏,‏ وقد أطلق عليه محور النخيل‏,‏ وعلي امتداد المحور كانت هناك ملامح كثيرة من العمارة الإسلامية وأسس التخطيط وتصميم مناطق الحدائق الإسلامية‏,‏ وعلي امتداد المحور كان هناك تصميم لمخرات المياه والنوافير والأرض المخططة في تشكيلات هندسية إسلامية ونباتات نادرة ذات ألوان زاهية‏,‏ بالإضافة لتوفير الظلال والزهور ذات الروائح العطرية‏,‏ وكلها مستوحاة من الحدائق الإسلامية‏.‏

ولأول مرة في مصر‏,‏ تستخدم عناصر فرش مصممة خصيصا للحديقة من الرخام المصري وتشكل الاضاءة والمقاعد وسلات المهملات ونافورات الشرب‏,‏ وكل هذه قمنا بتصميمها وبأياد مصرية‏,‏ وهي من أجمل ما وضع في الحديقة لأنها تراث ينتمي للحضارة الإسلامية‏.‏ وتضم الحديقة بحيرة مساحتها‏6000‏ متر وهي جزء جذاب جدا‏,‏ خاصة أنها ليست بحيرة جمالية فقط‏,‏ بل إنها خزان مياه لري الحديقة‏.‏

وللحفاظ علي هذه الحديقة لابد أن يكون هناك مجلس أمناء مثل مكتبة الاسكندرية للحفاظ عليها واستمرار الصيانة لأنها مكلفة جدا والحديقة تعتبر بمثابة رئة جديدة للقاهرة وقد حسنت حال الجو في هذه المنطقة‏,‏ وفقا لتقارير الخبراء‏,‏ والغريب أن هناك مجموعات من الطيور النادرة مثل الهدهد والصقور وطيور مجهولة الشكل بدأت تظهر بأعداد كبيرة في المنطقة‏,‏ وهذا معناه أن الجو تحسن والتلوث قد انخفض مما شجع هذه الفصائل النادرة للهبوط في المنطقة ولابد أن تستخدم الفراغات الموجودة بالقاهرة بنفس الأسلوب‏,‏ وبذلك ستتغير الظروف المناخية للقاهرة‏.‏

وللحديقة دور تثقيفي للناس يؤدي إلي الارتقاء بالذوق العام‏,‏ وقد بدأت الجامعات خاصة أقسام العمارة بعمل زيارات لدراسة الموقع‏,‏ ليتعلم الطلبة معني تنسيق موقع‏,‏ وأصبحت الحديقة مكانا مهما لإدارة ندوات متخصصة في التنسيق والتخطيط البيئي السليم‏.‏

ويوضح اللواء محمود ياسين نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية والمسئول عن برنامج القاهرة التاريخية‏,‏ بأن الحديقة بدأت ببروتوكولا للتعاون بين مؤسسة الأغاخان والمحافظة‏,‏ وبمقتضاه سلمت المحافظة‏80‏ فدانا من منطقة جبال الدراسة إلي المؤسسة عام‏1990,‏ ورغم ذلك تأخر المشروع‏7‏ سنوات بسبب انشاء ثلاثة خزانات للمياه عملاقة‏,‏ لتخزين المياه‏,‏ وبدأت عملية التسوية حتي عام‏2000,‏ إلي أن تم العمل الفعلي الذي انتهي عام‏2004,‏ وهي حديقة لها مواصفات خاصة‏,‏ فهي في موقع فريد ومتميز يطل علي القاهرة التاريخية مثل قلعة قايتباي والدرب الأحمر ومجموعة مساجد تاريخية‏,‏ ومن هذا الارتفاع يستطيع أي زائر أن يري القاهرة من أعلي نقطة فيها‏,‏ وكانت هناك لجنة تنعقد دوريا خلال إنشاء الحديقة يحضرها مستشارو هيئة الأغاخان‏,‏ لمتابعة أعمال التنفيذ وإزالة أي معوقات وصياغة الاتفاقيات القانونية‏,‏ لتكون متفقة دائما مع البروتوكول وأخيرا بدأ التنفيذ والافتتاح التجريبي للحديقة وكان الاقبال الجماهيري كبيرا جدا‏,‏ لدرجة أن عدد الزوار زاد إلي‏9‏ آلاف زائر في اليوم الواحد في شهر رمضان‏,‏ وتتابع المحافظة مايتم داخل الحديقة وخارجها تمهيدا لتسلمها عام‏2007,‏

وقد أسهم في نجاح المشروع تدخل بعض الجمعيات الأهلية التطوعية مثل جميعة أصالة وفدا لعمل إشعاع ثقافي وتعليمي وديني وفني في المنطقة المحيطة بالحديقة‏,‏ أيضا كان هناك تعاون مع وزارة الثقافة لتطوير السور الأيوبي الذي تم اكتشافه اثناء بناء الحديقة‏,‏ وتقوم جمعية أصالة بتدريب أبناء الدرب الأحمر علي الأعمال التراثية وترميم المنازل الأثرية في محاولة لإيجاد فرص عمل جديدة للشباب وإحياء للحرف التراثية القديمة‏,‏ وتصنيع منتجات خان الخليلي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~