الكتاب

43203‏السنة 129-العدد2005مارس20‏10 من صفر 1426 هـالأحد

في وداع أستاذ عظيم
بقلم‏:‏ رجاء النقاش

في يوم الخميس العاشر من مارس الحالي توفي إلي رحمة الله أستاذ الأساتذة وسيد علماء الأدب واللغة العربية في العصر الحالي الدكتور شوقي ضيف‏1910‏ ــ‏2005,‏ وجاء رحيل هذا الأستاذ العظيم بعد أن ترك وراءه مجموعة فريدة من الدراسات الخصبة المتنوعة‏,‏ وقد أقترب عدد هذه الدراسات من الخمسين‏,‏ ولكن أهميتها ليست في عددها الكبير‏,‏ وإنما تعود هذه الأهمية إلي القيمة العلمية التي تتميز بها هذه الدراسات‏,‏ فالدكتور شوقي ضيف في دراساته جميعا هو مثل أعلي للعالم المخلص الأمين الذي لايدخر جهدا في البحث عن الحقائق الصحيحة الدقيقة أينما كانت‏,‏ وهو واحد من كبار العلماء الذين يفرقون بين المعلومات والرأي والتحليل‏,‏ ولذلك فإن الذين قد يختلفون مع الدكتور شوقي ضيف في آرائه وتحليلاته لايفوتهم أن ينتفعوا أعظم الانتفاع بما يقدمه من معلومات‏,‏ وقد وفق الله هذا الأستاذ العظيم إلي أن يكتب كل دراساته بأسلوب واضح مشرق لاتعقيد فيه‏,‏ بحيث يلتقي المتخصصون وغير المتخصصين علي محبته والاستمتاع به والانتفاع بما يقدمه من أفكار ومعلومات‏.‏

من بين كتب الدكتور شوقي ضيف كتاب عنوانه مع العقاد انتهي من كتابته في أول يونيو سنة‏1964,‏ أي بعد وفاة العقاد في‏12‏ مارس‏1964‏ بما لا يزيد علي شهرين ونصف الشهر‏,‏ وهذا الكتاب هو من أجمل كتب شوقي ضيف وأكثرها تركيزا ومتابعة علمية لحياة العقاد وأدبه‏,‏ وفي هذا الكتاب معني مهم وكبير‏,‏ فشوقي ضيف هو من التلاميذ المقربين جدا إلي طه حسين‏,‏ وقد كان بين العقاد وطه حسين مايشبه المنافسة حول المكانة والقيمة والتأثير‏,‏ وهي منافسة لم تكن ظاهرة‏,‏ ولم تتحول إلي حرب أدبية معلنة‏,‏ ولكنها كانت منافسة موجودة‏,‏ وكانت الحياة الثقافية تشعر بها شعورا واضحا‏,‏ في الجامعة وخارج الجامعة‏.‏ وبرغم هذه المنافسة‏,‏ فإن موضوعية شوقي ضيف وارتفاعه التام فوق أي تعصب أو حزبية أدبية دفعه إلي أن يكون أول من يقدم دراسة شاملة عن العقاد بعد رحيله‏,‏ وهذه الدراسة لا تزال حتي اليوم من أفضل ماظهر عن العقاد منذ رحيله قبل أربعين سنة حتي الآن‏,‏ وهكذا يرتفع شوقي ضيف في دراسته للعقاد عن أي خصومات ظاهرة أو خفية‏,‏ ويهتم بالحقيقة وحدها شأن العالم المخلص الأمين صاحب الضمير الحي الذي لايعرف الظلم للآخرين ولايستسلم أبدا للأهواء الشخصية‏.‏

وفي السطور الأولي من كتاب مع العقاد يقول شوقي ضيف‏:‏ لم يكتسب العقاد مكانته الأدبية الرفيعة من جاه ولا من وظيفة ولامن لقب علمي‏,‏ وإنما اكتسبها بكفاحه المتصل العنيف الذي يعد به أعجوبة من أعاجيب عصرنا النادرة‏.‏

ولو أننا درسنا حياة شوقي ضيف وجهاده الأدبي والعلمي دراسة دقيقة لوجدنا أن ماكتبه عن العقاد في السطور السابقة يكاد ينطبق عليه نفسه‏,‏ فقد اكتسب شوقي ضيف مكانته العلمية والأدبية بكفاحه المتصل الذي لم يتوقف ولم يهدأ ولم يلتفت فيه إلي شيء آخر خلال سبعين سنة متصلة‏,‏ وفي كتابه الجميل الذي جعل عنوانه معي‏,‏ يروي لنا شوقي ضيف قصة حياته ويصل في هذا الكتاب إلي قمة الوعي والموضوعية‏,‏ فنجد أن قصة حياته الشخصية مرتبطة أشد الارتباط بتاريخ الحركة الوطنية في مصر‏,‏ خاصة في مرحلة ثورة‏1919‏ ومابعدها‏,‏

وهذه الحياة الشخصية مرتبطة كذلك أشد الارتباط بتاريخ التطور الثقافي في مصر في نفس الفترة‏,‏ فالحياة الشخصية والحياة الوطنية والتطور الثقافي ترتبط كلها ببعضها البعض ارتباطا وثيقا سهلا طبيعيا ليس فيه أي افتعال‏,‏ وهذا دليل حي قوي علي أن شوقي ضيف كان ينظر إلي نفسه وإلي عمله وتطوره الشخصي علي أنه جزء من إطار كبير يضم تاريخنا الوطني وتطورنا الثقافي في الوقت نفسه‏,‏ ولا أكاد أعرف بين كتب السيرة الذاتية المهمة في تاريخنا الأدبي المعاصر من كان حريصا كل هذا الحرص علي الجمع بين العناصر الثلاثة‏,‏ أي الشخص والوطن والثقافة‏,‏ كما فعل شوقي ضيف في كتابه معي‏,‏ وفي هذا كله دليل علي الموضوعية الشديدة‏,‏ وفيه دليل علي التواضع وعلي آصالة الجانب الانساني في شخصية شوقي ضيف‏,‏ فهو لم يكن في سيرته الذاتية يقدم صورته الشخصية الخاصة علي أنها صورة للنبوغ الفردي‏,‏ بقدر مايقدمها للناس أجمعين علي أن هذه الشخصية كانت ثمرة للحركة الوطنية والتطور الثقافي في مصر‏.‏

ومن خلال هذه السيرة الذاتية لشوقي ضيف كما صورها لنا هذا الأستاذ العظيم في كتابه معي سوف نجد صورة واضحة بديعة لعالم مجتهد مثابر صبور علي البحث الجاد والدراسة العميقة منذ فجر شبابه‏,‏ فهو رجل لم يلتفت أبدا إلي المناصب الإدارية في الجامعة أو خارج الجامعة‏,‏ وأعلي منصب وصل إليه داخل الجامعة هو منصب رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة‏,‏ أما أعلي منصب وصل إليه خارج الجامعة فهو المنصب الذي وصل إليه بالانتخاب‏,‏ وأعني به منصب رئيس مجمع اللغة العربية‏,‏ وكان شوقي ضيف ـ لو أراد ـ جديرا بأن يصل في الجامعة وخارج الجامعة إلي أعلي المناصب‏,‏ فزملاؤه بل وتلاميذه قد أصبحوا عمداء للكليات ورؤساء للجامعات‏,‏ بل وصل البعض منهم إلي مناصب الوزارة‏,‏ لكن شوقي ضيف لم يسع إلي شيء من ذلك‏,‏ واختار دون تردد أن يكون عالما وباحثا وأستاذا للأدب في الجامعة‏,‏ وقد ظل وفيا لذلك لايحيد عنه‏,‏ ولايرضي لنفسه أن يخرجه أحد عن هذا التركيز التام علي العمل العلمي والاخلاص له والتفاني فيه‏,‏

وبرغم مانجده في كتابه معي من وعي سياسي كبير ومتابعة دقيقة لتطور الحركة الوطنية في مصر‏,‏ وبرغم اقتناعه وميله الواضح إلي حزب الوفد القديم إلا أن شوقي ضيف لم ينضم إلي حزب‏,‏ ولم يشتغل بالسياسة العملية‏,‏ ولم يدخل إلي ميدانها الصاخب المليء بالصراعات‏,‏ ولعل ذلك يعود إلي طبيعته الهادئة ونفسيته التي لاتطيق الدخول في معارك وحروب مختلفة‏,‏ فقد كان يريد أن يتفرع للعلم وحده‏,‏ ولايريد أن ينصرف عن ذلك تحت أي نوع من الإغراء‏,‏ خاصة إغراء السياسة العملية التي هي في العالم الثالث علي الخصوص مليئة بالأزمات والصعوبات والتقلبات‏,‏ ونحن مازلنا جزءا من هذا العالم الثالث والسياسة العملية هي عبء شديد وثقيل علي العلم والعلماء‏,‏ وكثيرا ماتعرض العلماء الذين يسمحون لأنفسهم بأن يشتغلوا بالسياسة العملية إلي مشاكل تعصف بهم وتربكهم وتحرمهم من التفرغ للبحث والدراسة‏,‏ ولعل هذا الإخلاص الشديد للعلم‏,‏ مع عدم الاستجابة لأي إغراء‏,‏ أو التطلع لأي شيء آخر بعيد عن العمل العلمي‏,‏ هو الذي أعطي لشوقي ضيف ما كان معروفا عنه من هدوء ونفس راضية وحياة خالية من أي اضطرابات أو ارتباكات‏.‏

ولقد بدأ شوقي ضيف حياته العلمية والعملية معا نحو سنة‏1937‏ حينما اختاره طه حسين ليكون معيدا في كلية الآداب في جامعة القاهرة التي كان أسمها في ذلك الوقت جامعة فؤاد الأول وقد أنهي شوقي ضيف حياته وهو حريص علي موقعه كأستاذ في نفس الجامعة‏,‏ إذ أنه ـ فيما أعلم ـ لم يتخل عن عمله الجامعي حتي بعد أن أصبح رئيسا للمجمع اللغوي‏,‏ ومعني ذلك أن شوقي ضيف قد قضي نحو سبعين سنة متصلة في موقعه العلمي دون أن يلتفت إلي شيء سواه‏,‏ وعندما كان يضطر إلي الابتعاد عن الجامعة لسبب من الأسباب فانه كان لايتوقف عن عمله العلمي الذي أخلص له وأعطاه حياته كلها‏,‏ وهذا هو سر من أكبر أسرار تفوق هذا الأستاذ العظيم وهو الذي يفسر لنا انتاجه الغزير والمنظم والمهم الذي لامثيل له في المكتبة العربية الحديثة‏,‏ فكتابات شوقي ضيف هي مرجع أساسي متكامل موثوق به لتاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة وهي‏:‏ العصر الجاهلي والعصر الإسلامي والعصر الأموي والعصر العباسي الأول والعصر العباسي الثاني وعصر الدول الإمارات وبدايات العصر الأدبي العربي الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏.‏

علي أننا نجد في سيرة شوقي ضيف الشخصية جانبا مهما هو علاقته الوثيقة باساتذته الكبار مثل طه حسين وأحمد أمين ومصطفي عبد الرازق وعبد الوهاب عزام فقد كان شوقي ضيف ينظر إلي هؤلاء الاساتذة الكبار في احترام شديد‏,‏ ويعرف ما كان عليه هؤلاء الأساتذة من فضل‏,‏ وما كانوا يمثلونه من قيمة علمية وأخلاقية عالية‏,‏ وعلاقة شوقي ضيف بأساتذته الكبار هي نموذج حي للعلاقة المثمرة بين كبار العلماء وبين تلاميذهم المتعطشين للفهم والمعرفة‏,‏ والذين لا يعانون من الرغبة المريضة في هدم السابقين والتقليل من شأنهم وإنكار فضلهم والنظر إليهم نظرة متعالية وغير منصفة‏.‏

وحديث شوقي ضيف عن أساتذته الكبار فيه وفاء جميل وفيه فهم عميق ومحبة غامرة وتفسير دقيق لجوانب العظمة في هؤلاء الأساتذة السابقين‏,‏ ولعلنا نعود إلي علاقة شوقي ضيف بأساتذته في حديث آخر‏,‏ فهي علاقة أستاذ عظيم بأساتذة عظماء أيضا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~