الكتاب

43184‏السنة 129-العدد2005مارس1‏20 من محرم 1426 هـالثلاثاء

مع فنان عظيم ومدرسته
بقلم : مرسي سعد الدين

في أحد أيام الأسبوع الماضي دق جرس التليفون‏,‏ وإذا بصوت هادئ يقول‏:‏ أنا حامد سعيد‏..‏ أتذكرني؟‏,‏ كيف لا أذكره‏,‏ أحد شوامخ الفن المصري المعاصر‏,‏ وصاحب مدرسة فنية مصرية أصيلة‏,‏ مدرسة الفن والحياة‏.‏

كانت آخر مرة قابلت فيها حامد سعيد وزوجته الفنانة ذات المواهب المتعددة إحسان خليل في أواخر السبعينيات حين كنت رئيسا للهيئة العامة للاستعلامات‏.‏ كنا في الهيئة نعد لإقامة معرض لأعماله وأعمال مدرسته في باريس‏,‏ وأقيم المعرض ولاقي نجاحا كبيرا‏.‏

دعاني حامد سعيد لزيارته وسعدت فعلا حين جلست إليه في منزله في المرج‏,‏ ذلك المنزل الذي صممه أستاذ العمارة المصرية الأصيلة حسن فتحي‏,‏ الذي تحيط به الأشجار من كل جانب‏,‏ ويبدو كواحة فيحاء في وسط صحراء من الأبنية التي شوهت الطبيعة‏,‏ لكن لم تؤثر علي جمال البيئة‏.‏

جلست إلي الفنان العظيم بعد أكثر من ثلاثين عاما لم نتقابل فيها‏,‏ وأنصت إلي حديثه بصوته الهادئ الخافت‏,‏ وإن كان يعكس حماسا وقوة‏,‏ أنصت إليه وهو يحدثني عن نشأته وتاريخ حياته‏,‏ وبرغم أنه طلب مني عدم الكتابة عنه كفرد وإنما عن المدرسة التي أنشأها ورعاها‏,‏ مدرسة الفن والحياة‏,‏ وبرغم ما طلبه مني فإني أري أنه من الضروري أن أذكر بعض الحقائق المهمة التي تعكس طبيعة هذا الفنان المصري الأصيل‏.‏

تخرج حامد سعيد في مدرسة المعلمين العليا‏,‏ وسافر في بعثة إلي انجلترا عام‏1936‏ حيث قضي ثلاث سنوات في دراسة عملية مباشرة‏,‏ بمعني أنه لم يهتم بالحصول علي شهادات بقدر ما اهتم بمعايشة الفن علي يد فنانين عظام‏.‏

ويحدثني حامد سعيد عن موقفه حين عاد من البعثة دون شهادة‏,‏ وموقف المسئولين في وزارة التربية و‏(‏التعليم الآن‏),‏ والذي أنقذه منهم وزير االتربية في ذلك الوقت محمود فهمي النقراشي باشا‏,‏ وذلك حين شاهد أعماله واستمع إليه وقال‏:‏ إن هذا الفنان سيصبح أستاذا عظيما‏,‏ وهذا هو ما حدث‏.‏

علاقتي بحامد سعيد لم تبدأ في السبعينيات‏,‏ بل في أواخر الأربعينيات حين كنت ملحقا ثقافيا في لندن‏,‏ وكان لي شرف إقامة معرض لأعماله‏,‏ وكانت كلها بالقلم الرصاص‏,‏ وقد أثارت أعماله اهتماما كبيرا في لندن‏,‏ وكتب عنه الكثير من النقاد أذكر منهم إريك نيوتن مؤلف كتاب معني الجمال‏,‏ تساءل النقاد‏:‏ هل حامد سعيد فنان واقعي أو طبيعي أو‏..‏ أو من تلك المدارس التي يحشر فيها الفنان حشرا‏,‏ وكان رده دائما إنه فنان ينتمي إلي المدرسة المصرية‏,‏ مدرسة الفن والحياة‏.‏

ما هي المدرسة المصرية في الفن والحياة؟ جلست أستمع إليه كما استمعت إليه من قبل ليقول‏:‏ إن مبادئ تلك المدرسة هي التوعية بالعلاقة الطبيعية بين الفن والحياة‏,‏ لأني أريد لكل منهما أن يكون سويا‏,‏ أما إذا انعزل الفن عن الحياة‏,‏ أو انعزلت الحياة عن الفن كما هو حادث اليوم‏,‏ فإن هذا يكون مرضا يجب أن نتحاشاه‏,‏ إن المركز يدعو إلي إعادة بناء الشخصية المصرية‏,‏ وتوضيح المعني الثقافي للثورة‏,‏ وتبين روح الفن المصري وتصحيح مسار النشاط الثقافي في دائرة الفنون عن طريق وظيفة الفن الأساسية والأصلية‏.‏

يري حامد سعيد‏,‏ وقد عبر عما يراه في سلسلة محاضرات‏,‏ أن العالم كله مدرسة‏,‏ والبيت مدرسة‏,‏ والأم مدرسة‏,‏ لكن المدرسة الأساسية أن يصبح الفرد نفسه مدرسة‏.‏ إن مصر بلد عظيم في الحضارة‏,‏ حضارة كان لها ثلاث ركائز‏,‏ الإيمان وهو الارتباط بسر الوجود‏,‏ والزراعة وهي الدعوة إلي الوفرة‏,‏ والفن وهو العمل المصري الذي ينشد القيمة‏.‏ وبفضل هذه الركائز نبتت بادرة الحضارة ونمت ونضجت في العصور الفرعونية علي هذا المكان من الأرض‏,‏ وتري مدرسة حامد سعيد أن تراث البشرية التشكيلي ثروة ضخمة‏.‏

ويري حامد سعيد أن الإنسان هو صاحب الرغبة في تحقيق إنسانيته‏,‏ ليكون إنسانا متحضرا بالفعل‏,‏ أي واسع الإدراك ورهيفه‏,‏ يحاول أن يحتويه في نفسه ليحقق اللطف بديلا عن العنف‏,‏ والإيثار لمصلحة الكل بدلا من الأثرة‏,‏ وأكثر من هذا كله الوعي بالمسئولية‏,‏ المسئولية الدقيقة أمام ضميره‏.‏

لقد زرت في الماضي مركز هذه المدرسة التي تعد مكانا لتوسيع البحث والوعي‏,‏ وكان زاخرا بالعمل والأعمال‏,‏ به مجموعة من الشرائح الملونة لمختلف الأعمال الفنية المصرية ومكتبة ممتازة زاخرة بالمراجع الضرورية‏.‏

وكان حامد سعيد يلقي سلسلة من المحاضرات علي تلاميذه ومريديه‏,‏ تحدث عن الأسلوب العلمي والعمل والعلم الحديث‏,‏ وعن الحرية وعن البناء كفن يعتمد علي مجموعة القيم المتحصلة مما تحقق فيها مما يتحرك له القلب البشري‏,‏ فنحن أمام جامع رائع‏,‏ أو كاتدرائية عظيمة‏,‏ أو معبد مصري‏,‏ فإننا نقف ليس فقط أمام قدرة الإنسان علي إقامة هذا البناء في الفضاء‏,‏ ليس مجرد التقنية بمعني معرفة المواد ومقاومتها‏,‏ بل هناك حصيلة أخري هي القيمة التي يقدر المكان علي بثها في الضمير من القدسية‏,‏ ومن العظمة‏,‏ ومن الجمال والجلال والكمال‏.‏

ومدرسة الفن والحياة تهتم بالصناعة وتري أن تأصيلها هو في صميم تأصيل الذات القومية‏,‏ ونظرة إلي متاحفنا وآثارنا ترينا كيف تواءمت رفعة حياتنا برفعة صناعاتنا‏,‏ وأننا بقدر ما توقفنا عن صنع ما نحتاج إليه‏,‏ توقف نمو كياننا المصري‏.‏

إن الأعمال الفنية تصب في حياة الناس فتكسبها البهجة والمعني‏,‏ وتؤكد الذاتية القومية‏,‏ وتنقش الوعي التشكيلي‏.‏

وأخذني حامد سعيد في جولة في حجرات منزله الذي يعد بحق متحفا لأعمال مدرسته‏,‏ وللفن المصري الأصيل‏,‏ شاهدت أعمال زوجته إحسان خليل‏,‏ ووجدت فيها البشر المصري الفرعوني‏,‏ والأنس الفردوسي الإسلامي‏,‏ ومزيدا من الواقع الطيب المرئي رؤية مثقفة عالية القيمة‏.‏ شاهدت لوحات الجداريات تمثل إيزيس‏,‏ وزينب‏,‏ ورابعة‏,‏ والفلاحة المصرية‏,‏ وشاهدت تماثيل لبعض أعضاء المدرسة‏,‏ وقطع أثاث‏,‏ وهي قطع فنية‏,‏ جلست علي مقعد يشبه عرش فرعون‏,‏ وشاهدت فناجين شاي وأطباقا من العصر الإسلامي‏.‏

إن بيت حامد سعيد يعد متحفا من نوع جديد‏,‏ فنحن نعرف المتاحف الفرعونية والقبطية والإسلامية‏,‏ ولكن متحف حامد سعيد يجمع كل هذه المتاحف‏,‏ نري فيه نماذج من هذه الفنون مجتمعة لتعكس الحياة المصرية بكل ما مرت به من فترات وتاريخ‏.‏

إن قيمة حامد سعيد يعرفها ويقدرها جيلي وجيل من بعدي‏,‏ وإذا كان الجيل الحالي من الفنانين أو مدعي الفن لا يعرفونه‏,‏ فتلك تكون مصيبة فعلا تبين مدي انعزال الجيل الحاضر عن الفن المصري الأصيل‏,‏ وتعلقه بالمدارس الغربية‏.‏ إن فلسفة حامد سعيد ومحاضراته وآراء مدرسته يجب أن تدرس في الكليات الفنية‏,‏ ولو كان في يدي لمنحته جائزة مبارك أو الجائزة التقديرية‏.‏

باقـة حب
كتاب صغير رشيق علي غلافه صورة لأخي بليغ حمدي‏,‏ عنوانه إبحار في عبقرية بليغ حمدي‏,‏ الكتاب بقلم اثنين من الشبان من إحدي المدن الصغيرة في الدلتا‏,‏ وقد تعودنا أن من يكتب عن فنان يكون صديقا له‏,‏ أو قريبا‏,‏ أو ناقدا‏,‏ أو باحثا‏,‏ ولكن عبدالله حسين وخالد أبو الروس ليسا إلا من العاشقين لموسيقي وألحان بليغ حمدي‏.‏ إن كل صفحة وكل كلمة في الكتاب تعكس الحب الذي يشعر به الكاتبان‏,‏ والمعرفة التامة لكل أغاني بليغ وألحانه‏.‏ ويقول المؤلفان في مقدمة الكتاب‏:‏ إن غايتهما من إخراج الكتاب هي الاعتراف بالفضل العظيم لواحد من أصحاب الفنون الشريفة الذي عمل جاهدا لإرضاء النفوس البشرية علي اختلافها‏,‏ والوصول إلي تجاوب حقيقي لها‏.‏

ويدور موضوع هذا الكتاب في كلمات مؤلفيه حول محور رئيسي وهو الإبحار في هذه العبقرية الفريدة والغامضة‏,‏ وذلك من خلال عدة نظريات فطرية غير معهودة‏,‏ حيث نسرد فيه ما أملته علينا الفطرة الإنسانية من حقائق وأمور تكشف لنا بعضا من غرائب تلك العبقرية‏,‏ وذلك علي اعتبار أن الفطرة هي المعمل الطبيعي للحكم علي الأشياء كما فطرنا الله عليها‏.‏ إن الكتاب حقا هو باقة حب عبقة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~