شباب وتعليم

43168‏السنة 129-العدد2005فبراير13‏4 من محرم 1426 هـالأحد

الشباب والتعليم وحصـــاد عــام من القضـايا
الجامعات في مصر‏..‏ دعـــوة للإصـــــلاح
بقلم ‏:‏ لبـــيــب الســـــبــاعي

في عالم الجامعات والمجال الاكاديمي بصفة عامة رموز علمية لها مكانة متميزة ليس فقط علي المستوي المحلي والعربي بل والعالمي ايضا‏..‏ ولكن قليل من هذه الرموز العلمية المرموقة هي التي استطاعت ان تحتل نفس المكانة المحترمة والمتميزة داخل الوسط الجامعي والعلمي وفي الوقت نفسه لدي الرأي العام ورجل الشارع‏..‏ من هذه الاسماء ـ إن لم يكن في مقدمتها ـ يأتي اسم العالم الكبير الدكتور محمد أحمد غنيم الاستاذ بطب المنصورة مؤسس مركز المنصورة لامراض الكلي وهو المركز الذي يعرفه الناس في مصر باسم مركز غنيم حتي بعد أن ترك الدكتور غنيم موقعه مديرا لهذا المركز الذي شهدت له الاوساط العالمية بأنه يضارع بل يفوق المراكز العلمية الدولية‏..‏
والدكتور غنيم عزوف عن الاضواء ان لم يكن كارها لها وعلاقته بوسائل الاعلام محدودة ان لم تكن مقطوعة ورغم ذلك فقد استفزت مشاعره العلمية والوطنية بما طرحناه في الاسبوع الماضي تحت عنوان أين جامعاتنا بين افضل‏500‏ جامعة في العالم؟‏!‏ وبادر الي طرح رؤية متكاملة عن الجامعات في مصر‏..‏ وعندما يتحدث عالم في مكانة الدكتور محمد غنيم فإن علينا جميعا ان نستمع اليه بكل الاهتمام‏,‏ فكلامه حصاد تجربة عمر ناجحة لها قيمتها الكبيرة‏.‏
يقول الدكتور محمد غنيم في رؤيته القيمة‏:‏ لم يحمل التقرير المنشور بجريدة الأهرام بعنوان أين جامعاتنا بين أفضل‏500‏ جامعة في العالم أي مفاجأة لنا أو للمهتمين بشئون التعليم الجامعي بمصر والمهمومين بمشاكله وما آل إليه من خلل جسيم أصاب العملية التعليمية وتدهور فادح في مستوي البحوث العلمية‏,‏ فقد نبهنا كثيرا إلي ذلك الخطر الداهم الذي تتعرض له الآن بسبب انهيار مستوي التعليم الجامعي والبحث العلمي‏,‏ وماسوف يترتب عليه من مواجهة تحديات لا قبيل لنا بها سواء خارجيا أو داخليا تتمثل في التحدي العلمي والتكنولوجي مع دولة إسرائيل‏,‏ وتتعلق بقضية التنوير السياسي والتنمية في المجتمع المصري‏,‏ الأمر الذي يستلزم اعتبار هذه القضية قضية قومية لا تعلوها قضية أخري‏.‏

صعود وتراجع الجامعات المصرية
يقول الدكتور محمد غنيم‏:‏ تأسست أول جامعة مصرية أهلية عام‏1908‏ وتحولت إلي جامعة حكومية جامعة فؤاد الأول عام‏1952‏ بناء علي مشروع مقدم من عدلي باشا يكن‏,‏ وقد تضمنت هذه الجامعات كلا من كليات الآداب والعلوم والطب والحقوق والهندسة والزراعة والطب البيطري والتجارة فكانت منارة للعلم والتنوير من المحيط إلي الخليج‏,‏ وقد عبر الدكتور علي مصطفي مشرفة عن رأيه في هذه الجامعة الجديدة قائلا‏:‏ ان الجامعة ليست مدرسة لتخريج الفنيين والمهنيين وإنما هي مكان لإحياء الروح العلمية والبحث العلمي‏.‏
ونظرا لتزايد الإقبال علي التعليم الجامعي فلم تعد جامعة واحدة تكفي‏,‏ فصدر قرار بإنشاء جامعة فاروق‏(‏ الاسكندرية‏)‏ عام‏1938‏ وجامعة إبراهيم‏(‏ عين شمس‏)‏ عام‏1950‏ وافتتحت جامعة أسيوط في عام‏1957.‏ وقد ساد الأوساط الجامعية حينئذ خوف من تدهور المستوي الأكاديمي والعلمي نتيجة لإنشاء هذا العدد من المؤسسات الجامعية دون التحضير الجيد لها‏.‏ وفي الستينيات قررت الحكومة المزيد من التوسع في التعليم العالي وقبول الأعداد الضخمة من الحاصلين علي الثانوية العامة سنويا في الجامعات‏(‏ وهي السياسة التي مازالت سارية حتي الآن‏)‏ فأنشأت لذلك جامعة المنصورة وطنطا والزقازيق‏...‏ إلخ ولم يفكر أحد في متطلبات الجامعات الجديدة من منشآت ومكتبات ومعامل وأعضاء مؤهلين لهيئة التدريس‏,‏ وقد زاد الطين بلة استحداث تغييرات جذرية في نظام الترقي والحصول علي الوظائف الجامعية فألغيت وظيفة أستاذ الكرسي وألغيت المنافسة العلمية للتدرج في السلم الوظيفي لأعضاء هيئة التدريس‏,‏ فأصبحت الترقية مسألة روتينية‏,‏

وانتفت أهمية البحوث العلمية وباتت أمورا هامشية‏,‏ كما أدت هذه التعديلات إلي إمكانية الحصول علي درجة الأستاذية بالزحف بعد عشر سنوات من الحصول علي درجة الدكتوراه مما أدي إلي أن أصبح عدد الأساتذة أكبر بكثير من عدد المعيدين في كثير من الكليات‏,‏ ومن المؤسف كان لإلغاء التنافس علي المناصب الأكاديمية ـ والذي كان يرفع المستوي العلمي والبحثي ـ صدي إيجابي وترحيب لدي الكثير من أعضاء هيئة التدريس الذين أتاح لهم القانون الحصول علي الأستاذية في وقت قياسي وبدون منافسة أو مجهود علمي حقيقي‏(‏ وهم الآن للأسف يحتلون المواقع القيادية الأكاديمية والتنفيذية‏).‏ وقد ترتب علي ذلك أن أصبحت مصر تملك أعدادا هائلة من أعضاء هيئة التدريس في مختلف الكليات والتخصصات بما يفوق الكثير من البلاد المتقدمة‏..‏ غير أن المستوي العلمي الحقيقي للكثير من هؤلاء مشكوك فيه‏,‏ بل إن محاولة تغيير هذه القوانين التي أدت إلي تخلف الجامعات وتراجع البحث العلمي لا تلقي استحسانا أو استجابة من أعضاء هيئة التدريس الذين تربوا وتعودوا علي الحصول علي أكبر المناصب الأكاديمية والتنفيذية بدون مجهود علمي مبتكر‏.‏
ومن المؤكد ـ يضيف الدكتور غنيم إن كل هذه العوامل أثرت علي مستوي خريجي الجامعة تأثيرا سلبيا وأدت إلي ضحالة وتدني مستوي البحوث العلمية‏.‏ كما ساهمت عدة عوامل أخري في تعجيل هذا السقوط والانهيار‏,‏ فقد كانت ولا تزال الموازنات الخاصة بالبحث العلمي في غاية الضآلة‏(‏ مخصصات البحوث بقسم الكيمياء بكلية العلوم في جامعة المنصورة وبه أكثر من مائة عضو هيئة تدريس ثلاثون ألف جنيه فقط‏).‏ كما أدت الإعارات الخارجية للعمل في دول الخليج‏,‏ أو الداخلية للعمل في الجامعات والمعاهد الخاصة إلي استنزاف أعداد كبيرة من أعضاء هيئة التدريس والذين أنفق دافع الضرائب علي تعليمهم أو ابتعاثهم للخارج الكثير من الأموال‏.‏
وقد توازي مع ذلك ظهور أمراض جديدة وغريبة‏:‏ الدروس الخصوصية في الجامعات‏!!‏ الإستعانة بالمذكرات والملخصات بدلا من أمهات الكتب ـ انتشار الوساطة والمحسوبية لأبناء ذوي السلطة وأعضاء هيئة التدريس‏.‏

الجامعات الخاصة بهدف الربح
ويضيف الدكتور محمد غنيم قائلا إنه في ظل هذه السلبيات جميعا طرحت فكرة إنشاء الجامعات الخاصة وتم صدور قانون منظم لها محددا أهدافها‏,‏ وكان في مقدمتها تدريس مواد وإنشاء تخصصات ليس لها نظير في الجامعات الحكومية‏!!.‏ وقد غاب عن المشرع وأصحاب القرار أنه لا توجد جامعات خاصة في أعتي الدول الرأسمالية تعود بالربح علي مجموعة من المستثمرين‏,‏ ولكن يسمح فقط بإنشاء جامعات أهلية لا تستهدف تحقيق أي أرباح ويوظف أي عائد مالي يتحقق منها في تنمية العملية التعليمية والبحثية فقط‏.‏
ومن المؤكد أن هذه المؤسسات الخاصة لم تقم بإنشاء أي أقسام جديدة أو تخصصات غير موجودة أو ابتعاث دارسين إلي الخارج‏,‏ وإنما استعانت بأعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية‏.‏ ومن المدهش أن يقوم رئيس إحدي الدول الأوروبية بافتتاح إحدي هذه المؤسسات في حين لا يسمح القانون في دولته بإنشاء جامعات خاصة أو أهلية‏.‏
ومن الغريب أن سداد المصروفات الدراسية الباهظة بتلك الجامعات لا يعتبر أمرا غير دستوري‏,‏ في حين يتعالي الصراخ عند طرح أي مشروع يطالب نسبة من الطلبة بسداد مصروفات في الجامعات الحكومية‏,‏ وإن كان قد تم الالتفاف حول هذا المفهوم بإنشاء ما يعرف بكلية التجارة الإنجليزية أو كلية الحقوق الإنجليزية‏...‏ الخ داخل الجامعات الحكومية‏.‏

لقد ترتب علي هذه المشكلة عدة نتائج سلبية يمكن حصرها فيما يلي‏:‏
أولا‏:‏ وجود أعداد هائلة من خريجي الجامعات من أصحاب المؤهلات غير المطلوبة‏,‏ أو من غير المؤهلين تأهيلا علميا وعمليا مناسبا يبحثون عن وظيفة غائبة ويمثلون قنبلة موقوتة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا‏.‏

ثانيا‏:‏ أصبحت المخصصات المالية للتعليم الجامعي في صورته الحالية غير ذات جدوي ولا تؤتي ثمارها المرجوة وتمثل ـ في رأيي ـ إهدارا للمال العام‏.‏

ثالثا‏:‏ غياب القاعدة العلمية‏,‏ واستمرار التخلف في مجالات البحث العلمي‏.‏ وأضرب لذلك بعض الأمثلة‏.‏

‏1‏ـ بدأت مصر والهند في عملية البحوث النووية سويا وفي وقت واحد عام‏1958...‏ والمفاعل الذري الذي جلب لمصر من الاتحاد السوفيتي آنذاك استلمت الهند مفاعلا ذريا مماثلا له‏...‏ والهند اليوم لديها سيطرة كاملة في مجال العلوم النووية‏.‏

‏2‏ـ مصر هبة النيل‏...‏ قامت الزراعة علي ضفافه منذ سبعة آلاف سنة وبالرغم من ذلك فقد اعتمدت أكثر مشروعات التوسع الزراعي علي الخبرة والأبحاث العلمية من دولة من دول الجوار‏.‏

‏3‏ـ إن دخل مصر من الصناعة في مجال علوم الحاسب الآلي من خمسة إلي سبعة ملايين دولار سنويا‏,‏ في حين أن دخل إسرائيل‏2,6‏ مليار دولار سنويا‏,‏ والهند‏6,2‏ مليار دولار سنويا‏.‏

والآن هل من حلول؟‏!‏ السؤال يطرحه الدكتور محمد غنيم ويجيب عنه قائلا‏:‏ أولا وبادئ ذي بدء أتمني أن يستقر في وجدان الشعب حكاما ومحكومين أن التعليم والبحث العلمي يجب أن يحتل مكان الصدارة في أولويات الدولة‏.‏ بل لعله يكون المشروع القومي الذي تتوحد حوله كل الجهود‏,‏ حيث أنه يخدم في النهاية قضايا الأمن والدفاع والاقتصاد‏...‏ الخ‏.‏

طريقان للإصلاح ويحدد الدكتور محمد غنيم طريقين للاصلاح‏:‏
الأول‏:‏ يتمثل في محاولة الإصلاح من داخل المؤسسات القائمة‏,‏ وأنا اعترف‏,‏ بأن ذلك قد يلاقي صعوبات ليست بالقليلة‏,‏ سبق أن أوضحت أسبابها‏.‏

والطريق الثاني‏:‏ وهو تجاهل المؤسسات القائمة وإقامة مؤسسات أخري علي أسس مغايرة تماما وهو اقتراح الدكتور أحمد زويل‏.‏ وفي أي من الحالتين يجب أن يؤسس الإصلاح علي الركائز التالية‏:‏

أولا‏:‏ إنشاء قاعدة علمية وتشجيع البحث العلمي‏,‏ والالتزام بتوفير الموارد المالية اللازمة والمناخ الملائم ودعم وتشجيع القائمين به‏.‏ فالبحث العلمي يتطلب استثمارات ضخمة كما أن مردوده غير سريع‏,‏ ومن هنا يتطلب وضع استراتيجية عليا له علي المدي القصير والمدي البعيد‏.‏

أ‏.‏ في المدي القصير‏...‏ يجب جلب أساتذة زائرين علي أعلي مستوي في مجالات الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء أسوة بمشروع محمد علي لنهضة مصر‏.‏ فإذا كانت الدولة تستجلب خبراء أجانب للكرة المصرية بتكاليف باهظة‏,‏ فمن الأولي استجلاب أساتذة اجانب في التخصصات العلمية الأساسية لتشجيع البحث العلمي الذي يعتبر ركنا أساسيا في تشكيل وعي المجتمع ومعرفته الإنسانية ويمثل عنصرا جوهريا من عناصر إنتاجه ومحددا أساسيا لإنتاجيته‏.‏
واذكر في ذلك أن إسرائيل تحولت من دولة مصدرة للبرتقال والموالح إلي دولة مصدرة للتكنولوجيا بفضل عشرة آلاف عالم سوفيتي لم تتحمل بالنسبة لهم سوي ثمن تذكرة السفر فقط‏.‏

ب‏.‏ في المدي البعيد‏...‏ الإبتعاث إلي الخارج‏,‏ وعلي أن يقتصر الابتعاث إلي الخارج علي تلك العلوم الأساسية الأربعة‏.‏

ثانيا‏:‏ ضرورة بناء هياكل وظيفية لأعضاء هيئة التدريس بالأقسام بالكليات المختلفة‏,‏ تعكس الحاجة الفعلية لكل قسم وكل تخصص فيما يتعلق بالتدريس والبحث العلمي وخلافه‏.‏ وبحيث تتراوح هذه الهياكل بين الضيق والاتساع تبعا لاختلاف كل جامعة عن الأخري ويمكن الأخذ بمعيار نسبة أعضاء هيئة التدريس إلي الطلاب‏.‏

ثالثا‏:‏ أن يكون شغل جميع الوظائف الجامعية الأكاديمية بدءا من وظيفة مدرس حتي وظيفة رئيس القسم عن طريق الإعلان المفتوح‏,‏ بما يضمن عدم الترقية بنظام الزحف‏.‏ وبما يحفز أعضاء هيئة التدريس علي مواصلة البحث العلمي‏.‏

رابعا‏:‏ ضرورة تفرغ أعضاء هيئة التدريس تفرغا كاملا‏.‏ ويمكن تنفيذ هذا التوجه علي عدة مراحل‏.‏ تبدأ المرحلة الأولي بتفعيل قانون الجامعات بوجوب تفرغ المدرسين تفرغا كاملا لمدة‏3‏ سنوات من تاريخ حصولهم علي درجة الدكتوراه‏.‏ ووجوب تفرغ القيادات الجامعية المتمثلة في رؤساء الأقسام ووكلاء الكليات وعمدائها ونواب رئيس الجامعة ورئيس الجامعة في نفس المرحلة‏.‏

خامسا‏:‏ القسم الأكاديمي هو الوحدة الأساسية لكل كلية‏.‏ ومن ثم يجب أن يتوافر له الاستقلال الكامل من الناحية العالمية والإدارية والأكاديمية‏.‏

سادسا‏:‏ يكون رئيس القسم هو أستاذ الكرسي ولا يتم اختياره بالاقدمية من بين أقدم ثلاثة أساتذة أو بالانتخاب‏.‏ وإنما عن طريق الإعلان المفتوح‏,‏ ويجوز ـ في شغل هذه الوظيفة بالتحديد ـ الاستعانة بمحكمين من الخارج لفحص الإنتاج العلمي للمتقدم لشغلها درءا لأي شبهات‏.‏ كما يجب الرجوع إلي تاريخه العلمي وتفضيل الحاصلين علي جوائز الدولة التشجيعية أو جوائز التفوق العلمي‏.‏

سابعا‏:‏ ضرورة التقييم المستمر لأعضاء هيئة التدريس ـ وخاصة شاغلي وظائف رؤساء الأقسام ـ عن طريق حصر وتقييم إنتاجهم العلمي ومدرستهم العلمية وإنجازاتهم الإنشائية‏.‏ وإعادة الإعلان لشغل الوظيفة ذاتها كل ست سنوات ويجوز الاستعانة بمحكمين من الخارج في هذا الصدد أيضا‏.‏

ثامنا‏:‏ حول الكتاب الجامعي‏:‏
تنفق الدولة ـ ممثلة في الجامعات ـ عشرات الملايين من الجنيهات سنويا علي ما يعرف بـ دعم الكتاب الجامعي وهذا أمر معلوم للجميع‏,‏ ويعرفه القاصي والداني‏.‏ وكما هو معلوم أيضا ان أغلب هذه المطبوعات ذات قيمة علمية محدودة كما أنها تشجع الطالب علي عدم التعمق وإعمال العقل من ناحية وتصرفه عن البحث والتقصي بالرجوع لأمهات الكتب من ناحية أخري‏.‏
والمفروض أن تصحح الدولة توجيه هذه الموارد بحيث تتخذ مسارا آخر‏...‏ وهو أن تقوم الدولة بشراء حقوق طبع أمهات الكتب من الناشرين‏.‏ وتكلف لجانا علمية متخصصة ـ كل في تخصصها ـ بتحديد الكتاب المرجعي لكل مادة علمية‏(‏ الطب‏,‏ الهندسة‏,‏ العلوم الطبيعية‏,‏ الآداب‏,‏ التاريخ‏...‏ الخ‏)‏ ثم تقوم الدولة بطبع هذه الكتب بما يعرف بالطباعة الرخيصة الثمن أو نسخة الطالب‏.‏ وقد أخذ بهذا الأسلوب في الهند حيث يتوافر بها مختلف الكتب والمؤلفات المرجعية بثمن زهيد أمام جميع الدارسين‏.‏

تاسعا‏:‏ بالنسبة لمصادر التمويل ومخصصات الإنفاق علي البحوث العلمية‏:‏
‏1‏ـ زيادة الإنفاق الحكومي علي البحث العلمي كنسبة من الناتج الإجمالي العام‏(‏ المتوسط العالمي‏1,4%),‏ مع التركيز في إنفاق هذه المخصصات علي إقامة قاعدة علمية قوية في مجالات الرياضيات‏,‏ الفيزياء‏,‏ الكيمياء‏,‏ الأحياء‏.‏
‏2‏ـ التعليم في الجامعات الحكومية مقابل مصروفات‏....‏ وتسدد المصروفات الدراسية لكل طالب يقبل بالجامعات الحكومية وفقا للضوابط التالية‏:‏

أـ تقوم الدولة بسداد نسبة‏50%‏ من هذه المصروفات‏(‏ كمنحة‏)‏ للطلاب النابهين والحاصلين علي شهادة الثانوية العامة من مصر‏.‏ ولا يشمل هؤلاء الطلاب من سبق له الالتحاق بالتعليم الخاص في أي مرحلة من مراحل الدراسة قبل الجامعية‏,‏ أو الحاصلين علي الدبلوم الأمريكي أو شهادة الثانوية العامة الإنجليزية‏....‏ الخ‏.‏ وتلغي هذه المنح في حالة رسوب الطالب أو حصوله علي درجات متدنية‏.‏ حيث لا تعني هذه المنح الإعفاء من المصروفات الدراسية ولكنها تضمن توفير المناخ الذي يسمح للطالب بجدية الدراسة‏,‏ ويجب ألا يتحمل دافع الضرائب نفقات تعليم طالب متكاسل أو جهول‏.‏
ب ـ تقوم هيئات محددة مثل‏:‏ شركات البترول والأدوية والمقاولات والإنشاءات والقوات المسلحة بسداد المصروفات الدراسية لبعض الطلاب لتوظيفهم لديها بعد تخرجهم من الجامعات‏.‏

ج ـ تقدم البنوك قروضا حسنة للطلاب لسداد المصروفات الدراسية ترد إليها علي أقساط شهرية بعد تخرجهم‏.‏
د ـ يقوم ولي الأمر بسداد هذه المصروفات مباشرة‏.‏

‏3‏ـ أن تخصص الاعتمادات ـ المدرجة لما يعرف ببدل الريادة وبدل الساعات الإضافية وبدل البحث العلمي ـ لدعم أعضاء هيئة التدريس المتفرغين‏.‏
‏4‏ـ أن يقتصر السفر في المهمات العلمية وحضور المؤتمرات علي المتفرغين فقط‏.‏

‏5‏ـ الأخذ بنظام مايعرف بالتفرغ الجغرافي بمعني إمكانية السماح للوحدات الجامعية ـ في نطاق اختصاصها بالتعاقد مع الهيئات والمؤسسات الصناعية والزراعية والخدمية للقيام بالبحوث العلمية أو الإدارية أو أداء الخدمات العلاجية‏,‏ داخل أسوار الجامعة مستفيدة بإمكانياتها العلمية والمعملية‏...‏ إلخ وتخصص هذه الحصيلة للإنفاق علي الأقسام ومتطلبات البحث العلمي والحوافز‏.‏
وفي تواضع لا يعرفه سوي كبار العلماء يقول الدكتور محمد غنيم في الختام إن هذه الخواطر‏...‏ تعكس أفكار كاتبها بعد تجربة طويلة في العمل الجامعي قاربت علي الأربعين عاما أطرحها للنقاش والحوار‏.‏ وإنني علي يقين أنها سوف تصطدم بالمعارضين الذين قد يفوقون المؤيدين لها‏.‏ لكنها ـ علي كل حال ـ دعوة لكل العقول المستنيرة‏,‏ ولكي تشارك في إثراء النقاش حول النقاط الأساسية لتطوير الجامعات والتعليم الجامعي والبحث العلمي‏.‏ لعلها توقظ الهمم وتبشر بالتطوير الحقيقي والمأمول‏.‏

وأخيرا‏...‏ فإنني ـ والكلام للدكتور محمد غنيم ـ أنبه إلي أن هذا الطريق الصحيح والسليم للإصلاح‏.‏ وإن لم يتحقق ذلك‏...‏ نصبح كمن يحرث في البحر‏...‏ ولا داعي للبكاء علي هبوط مستوي التعليم‏..‏ أو تدني البحث العلمي عن متطلبات العصر‏...‏ أو أنه ليس في مصر جامعات من بين أفضل‏500‏ جامعة في العالم‏.‏
انتهت رؤية الدكتور العالم محمد غنيم ودعوته لإصلاح أوضاع الجامعات في مصر وهي رؤية ودعوة تعبر عن ضمير مهموم بقضايا الوطن وفي مقدمتها قضية الجامعات التي هي مستقبل مصر والأمل في أن تنال هذه الرؤية دراسة شاملة هدفها المصلحة القومية والصالح العام‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية