الكتاب

43477‏السنة 130-العدد2005ديسمبر19‏17 ذى القعدة 1426 هـالأثنين

رائعة ميرامار الأوبرالية
بقلم‏:‏ محمـد سـلماوي

لم يصدق ولي عهد الدنمارك الأمير جواكيم هولجر أن عرض أوبرا ميرامار الذي حضر ليلة افتتاحه في الإسكندرية الاسبوع الماضي هو العرض الأول في العالم لهذه الأوبرا الجديدة‏,‏ فالعرض الأول لأي أوبرا في العالم والذي يعرف باسم‏WorldPremiere‏ هو حدث ثقافي كبير تتحدث عنه الأوساط الفنية والثقافية في جميع أنحاء العالم‏,‏ هكذا كان الحال مع أوبرا عايدة مثلا والتي أصبح العالم كله يعرف أن عرضها الأول كان في أوبرا القاهرة يوم‏24‏ ديسمبر عام‏1871,‏ واذا كان هذا هو الحال في القرن التاسع عشر الذي كان عصر الأوبرات الكبري‏,‏ فان الحال قد تغير الآن حيث أصبحت الأوبرات أكثر ندرة‏,‏ وهذا سبب أدعي للاحتفاء بخروج أوبرا جديدة إلي الوجود‏,‏ فما بالك اذا كانت هذه الأوبرا تعتمد علي واحدة من أهم روائع روائي العرب الكبير أديب نوبل نجيب محفوظ؟‏!‏

يعود تاريخ الأوبرا المصرية إلي أوائل الأربعينيات من القرن الـ‏20‏ حين كان المؤلف الموسيقي الراحل يوسف جريس هو أول من وضع مسودة لأوبرا مصرية باسم القدر لكنها للأسف لم تكتمل‏,‏ أما أول أبرا مصرية مكتملة فكانت مصرع أنطونيو التي كتبها حسن رشيد عام‏1947‏ والتي قدم منها فصل واحد لأول مرة بعد ذلك بنحو ربع قرن من الزمان في عام‏1973‏ بمسرح الجمهورية‏,‏ وفي عام‏1952‏ كتب المؤلف الموسيقي كامل الرمالي أوبرا حسن البصري وقد قدم منها فصل واحد هي الأخري في عام‏1956‏ بقاعة إيوارت وكانت من اخراج حمدي غيث‏,‏ أما ثالث أوبرا مكتملة فكانت أشهر الأوبرات المصرية جميعا وهي أنس الوجود للموسيقار الراحل عزيز الشوان التي كتبها عام‏1970‏ واخرجت للمسرح لأول مرة عام‏1996,‏ ومن المعروف أن لعزيز الشوان أوبرا أخري لم تكتمل تحمل اسم عنترة‏,‏ وفي نهاية‏1994‏ ألف سيد عوض أوبرا مصرع كليوباترا وقدمت علي شكل كونسير في نفس العام‏,‏ كما انتهي كامل الرمالي من تأليف أوبراتين في أواخر التسعينيات هما نفرتيتي والساحر‏.‏

أما المؤلف الموسيقي الشاب شريف محيي الدين الذي وضع موسيقي ميرامار فقد ألف قبل ذلك أوبرا ثلاث أوبرات في ساعة عام‏1994‏ التي كتب لها النص شاعر العامية القدير سيد حجاب عن قصص للكاتب الراحل يوسف إدريس‏,‏ وقد قدمت في نفس العام باخراج لمحسن حلمي‏,‏ وها هو الثنائي شريف محيي الدين وسيد حجاب يقدمان لنا الآن هذا العمل الأوبرالي العظيم ميرامار الذي تصور ولي عهد الدنمارك أن يتم الاحتفاء به بشكل أكبر بكثير مما تم حيث عرضت الأوبرا أربعة أيام علي مسرح سيد درويش بالاسكندرية ثم ثلاثة أيام علي مسرح الجمهورية في القاهرة‏,‏ وكأنها أحد أعمال الربرتوار القديم والتي تقدم كل سنة فلا تستدعي أكثر من الاهتمام العادي الذي تحظي به بقية الأعمال الأوبرالية التي يعاد تقديمها كل موسم‏.‏

إن أوبرا ميرامار عمل أوبرالي علي أعلي مستوي من التقنية الفنية‏,‏ وهو يثبت للعالم ـ إن كانت هذه الأوبرا ستصل إلي أسماع العالم ـ أن لدينا مؤلفين أوبراليين يضارعون المؤلفين الجدد في العالم من أمثال فيليب جلاس الذي ذاع صيته بعد أن كتب أوبرا أخناتون منذ نحو‏30‏ عاما‏,‏ وربما كان أهم ما في هذه الأوبرا أن شريف محيي الدين استطاع ان يطوع اللحن الأوبرالي لمخارج حروف العامية المصرية الحية التي كتبها الشاعر الكبير سيد حجاب بعد أن كانت مستعصية عليها في أعمال سابقة خاصة في الأوبرات الغربية التي كان يتم ترجمتها إلي العربية‏,‏ وهكذا جاء الغناء في ميرامار طبيعيا لا افتعال فيه ولا اصطناع‏,‏ ولقد كان قرار كتابة الأوبرا باللغة العامية قرارا سديدا بالرغم من أن الحوار في الرواية الأصلية كتب بالفصحي‏,‏ ورغم ان جميع الأوبرات المصرية السابقة كتبت أيضا بالفصحي‏,‏ لقد استطاع سيد حجاب ان يستلهم روح رائعة محفوظ الخالدة التي تتحدث عن الواقع المعيشي والتي كثيرا ما استعار فيها محفوظ تعبيرات وتراكيب جمل من العامية مباشرة‏,‏ ويكفي كلمة فريكيكو التي هي مفتاح شخصية حسني علام في الرواية والتي كانت هي ايضا مفتاح الألحان التي كتبت لها في النسخة ال
أوبرالية‏.‏
لقد نجح سيد حجاب أيضا في وضع يده علي العنصر الدرامي في هذا النص الروائي الذي لا يعتمد علي تسلسل الأحداث وتصاعدها إلي لحظة الذروة وإنما علي تقابل الشخصيات‏,‏ فالصراع الدرامي هنا لاينبع من تفاعل الأحداث بقدر ما ينبع من تصادم الشخصيات‏,‏ وان كنت قد وجدت أنه قد أسهب قليلا في مرحلة العرض حتي كان الفصل الأول يبدو طويلا وخاليا تماما من الدراما‏,‏ فلا يمكن أن نخصص فصلا كاملا في الأوبرا لوصول زبائن بنسيون ميرامار الواحد تلو الآخر ثم تبدأ الدراما في الفصل الثاني حين تبدأ هذه الشخصيات في التفاعل مع بعضها البعض‏.‏

ولقد أدخل سيد حجاب عنصر بائعي الصحف كوسيلة للسرد مابين المشاهد وهو عنصر غير دخيل علي النص فبائع الصحف محمود عباس هو إحدي شخصيات الرواية‏,‏ وان كان لايظهر بها أبدا‏,‏ وقد اتخذ سيد حجاب لفصلي الأوبرا شكلا فنيا واحدا وهو تجمع الشخصيات انتظارا لاحتفال ما‏,‏ وهو حفل أم كلثوم في الفصل الأول وليلة رأس السنة في الفصل الثاني‏,‏ ومن هنا جاء هذا التقابل الدرامي بين الاثنين حيث ينتهي الفصل الأول بصوت أم كلثوم الذي يأتي إلينا من خلال الراديو وقد تجمع حوله نزلاء البنسيون‏,‏ ويجيء كورال نهاية الفصل الأول‏:‏
تعيش لنا الست وتخلي ليلنا نهار
وعمار يامصر عمار يا اسكندرية عمار
وعمار يامصر عمار يابنسيون ميرامار

وعلي خلاف ذلك تأتي نهاية الفصل الثاني وقد تحولت ليلة رأس السنة المنتظرة إلي مأتم بانتحار سرحان البحيري‏,‏ ويختتم العرض بواحدة من أجمل أغاني الأوبرا وهي الأريا التي تغنيها زهرة بعد أن انكسر قلبها‏:‏
لا الدنيا زي ماهي
ولا احنا زي ما احنا
ياتري ده غضب إلهي
ولا احنا اللي جمحنا؟
لقد جعل محفوظ من زهرة رمزا لمصر وهكذا يكون قد تنبأ في ميرامار بهزيمة‏1967,‏ واليوم فان ماتمر به مصر يشابه مرة أخري ما كان سائدا عام‏1966‏ حين كتب محفوظ رائعته مصورا رجال التنظيم السياسي الحاكم الذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية ويستنزفون خيرات البلد بينما ينزوي باقي الشعب كل في ركنه البعيد وتبحث مصر‏/‏زهرة عن بطلها فلا تجده‏.‏

أما علي المستوي الموسيقي فقد أكدت أوبرا ميرامار العبقرية الموسيقية التي يمثلها شريف محيي الدين في وقت نحن أحوج ما نكون لا أقول للعبقرية وإنما لمجرد الموهبة الموسيقية‏,‏ إن عبقرية شريف محيي الدين تتسم بالخيال والسيطرة في آن واحد‏,‏ وهي تتسم بالحداثة والتراث في آن واحد أيضا فرغم جموح الصيغ الموسيقية التي قدمها شريف محيي الدين في هذا العمل المهم إلا أنه كان دائما مسيطرا علي أدواته‏,‏ وقادرا علي أن يكبح جماح نفسه فلم ينسق وراء الألحان السكرية العذبة ولا الزخرف الموسيقي الذي كان يمكن للآلات الشرقية التي أدخلها الأوركسترا أن تجره اليه‏,‏ وقد كان تأثير أستاذه الراحل جمال عبدالرحيم واضحا في هذا الجانب‏,‏ ومن ناحية أخري جاءت المفردات والجمل الموسيقية التي استخدمها شريف محيي الدين غاية في الحداثة رغم لجوئه المتكرر إلي اللحن الشرقي الذي يرجعنا للتراث‏,‏ فهذه الأوبرا هي نتاج طبيعي للعصر الموسيقي الحديث‏,‏ ولم يكن من الممكن ان تكتب في القرن الـ‏18‏ أو الـ‏19.‏

وقد تميز الاخراج والسنوغرافيا التي قدمها محمد أبو الخير برؤية فنية ثاقبة فقد حول فيها غرف البنسيون إلي مايشبه زنازين السجن التي ينزوي فيها النزلاء‏,‏ لكن الملابس لم تكن علي نفس المستوي‏,‏ فقد تأرجحت بين البعد الرمزي الذي تمثل في ألوان الباستل التي اتسمت بها ملابس منصور باهي وحسني علام وبين الواقعية الطبيعية الرخيصة التي اتسمت بها ملابس زهرة والتي جعلتها تبدو وكأنها غسالة سوقية في حي شعبي تركت ورائها سنوات الشباب واختفت معالم الأنوثة من جسدها وليست فتاة ريفية فاتنة تجسد جمال مصر وشموخها يطمع في جمالها نزلاء البنسيون‏.‏

أما الأصوات فقد كانت متوسطة في معظمها وان تميز بشكل واضح كل من أشرف سويلم ورضا الوكيل والهامي أمين ونيفين علوبة وجيهان الناصر‏.‏

وهناك ملاحظات أخري لايتسع لها المجال هنا لكن ينبغي تداركها في العرض القادم‏,‏ فأنا أتصور أن الأوبرا التي أنتجت هذا العمل العظيم مع مكتبة الاسكندرية لابد ستقوم باعادة عرضه كما يليق بالعمل الأوبرالي الجديد‏,‏ وبالدعاية اللازمة‏,‏ وإلا ذهبت أموال الانتاج كلها هباء‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~