تقارير المراسلين

43459‏السنة 130-العدد2005ديسمبر1‏29 من شوال 1426 هـالخميس

بدء العد التنازلي لسحب قوات الاحتلال الأمريكي من العراق

رسالة واشنطن : خالد داود
كوندوليزا رايس
وسط تبادل الصياح والكلمات النابية والاتهامات بالجبن وانعدام الوطنية لم يكن من المستبعد مطلقا أن تزداد سخونة الأجواء في مجلس النواب الأمريكي نهاية الأسبوع الماضي لدي مناقشة المطالب المتزايدة بسحب قوات الاحتلال من العراق وأن يبدأ الأعضاء من الجمهوريين والديمقراطيين في تبادل اللكمات والاشتباك بالأيدي‏.‏

فالنائبة الجمهورية حديثة العهد القادمة من ولاية أوهايو جين شميدت بملامحها الحادة والقاسية قالت ان لديها رسالة من ضابط في قوات المارينز‏(‏ مشاة البحرية‏)‏ ردا علي مطالبة نائب ديمقراطي مخضرم من قدامي المحاربين في فيتنام هو جون ميرثا بإصدار قرار فوري بالبدء في سحب قوات الاحتلال الأمريكي من العراق خلال ستة أشهر وذلك بعد أن تيقن من مقابلاته مع القادة العسكريين أن الحرب هناك لا يمكن كسبها بالوسائل العسكرية‏.‏ ثم رفعت شميدت صوتها وقالت‏:‏ الجبناء فقط هم الذين يسارعون في الهرب أما المارينز فلا يفعلون ذلك أبدا وكان لهذه الكلمات وقع الصدمة علي أعضاء مجلس النواب وسادت الفوضي وسط صراخ وانفعالات حادة تطالب بإسكات هذه النائبة المتهورة‏.‏

فالنائب ميرثا البالغ من العمر‏73‏ عاما يحظي بتقدير الجمهوريين والديمقراطيين خاصة وأنه خدم شخصيا في قوات المارينز الأكثر تقديرا وحظوة في الولايات لمدة‏37‏ عاما‏.‏ كما أنه من المحسوبين علي جناح الديمقراطيين الصقور وذلك لتأييده المطلق للقوات العسكرية الأمريكية وكان الوحيد من أعضاء مجلس النواب الذي حرص منذ بدء حرب العراق في مارس‏2003‏ علي كتابة خطاب تعزية يوقعه شخصيا لعائلة كل جندي أو جندية يلقوي مصرعه وهو الرقم الذي تجاوز الآن حاجز ال‏2100‏ بجانب زياراته الأسبوعية التي لا تنقطع للجرحي الذين بلغوا نحو‏15‏ ألفا وخاصة ممن فقدوا أطرافهم بسبب القنابل البدائية التي تزرعها قوات المقاومة العراقية علي جوانب الطرق‏.‏

التزم بوش ومنذ أن قرر خوض حرب العراق برفض تحديد أي جدول زمني لسحب قواته والإصرار علي أن المهمة هناك مفتوحة حتي يتم تحقيق النصر علي من يصفهم بالإرهابيين‏.‏ ويشير بوش في كل خطبه تقريبا إلي تأثره الواضح بما قاله زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بأن الولايات المتحدة تسارع في الهرب من المعارك إذا ما تصاعدت خسائرها البشرية وأن هذا هو وحدث لها في فيتنام ولبنان والصومال وأنه مصمم كرئيس للقوة العظمي الوحيدة في العالم علي عدم تكرار ذلك السيناريو في العراق ومواصلة المعركة حتي تحقيق الانتصار وإن كانت المشكلة أنه لا يحدد بشكل واضح مفهوم ذلك النصر‏.‏ وبالتالي أصبحت المطالبة بتحديد موعد لسحب القوات الأمريكية من العراق بمثابة أحد المحرمات داخل إدارة بوش ويتم مهاجمة من يطالب بها واتهامه بانعدام الحس الوطني‏.‏

ولذلك حين قرر النائب ميرثا الإلقاء بقنبلته والمطالبة بالبدء في سحب فوري للقوات الأمريكية كان لكلامه وقع هائل خاصة وأنه تزامن مع ارتفاع واضح في تراجع شعبية حرب العراق والأخطر حجم ثقة الأمريكيين في رئيسهم‏.‏ وانعكس ذلك بوضوح في تفشي القلق في صفوف الحزب الجمهوري نفسه خاصة مع اقتراب موعد انعقاد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس نهاية العام المقبل‏.‏ وبينما كان الحصول علي دعم الرئيس بوش في الحملات الانتخابية لمرشحي الحزب الجمهوري مكسبا يتطلع إليه أولئك المرشحون فلقد اهتمت الصحف الأمريكية مؤخرا بتجنب المرشح لمنصب حاكم ولاية فيرجينيا الظهور مع الرئيس بوش في حملته الانتخابية وذلك خشية تأثير تراجع شعبية الرئيس الأمريكي علي فرصه في الفوز‏.‏ كما أن كبار نجوم الحزب الجمهوري من أعضاء مجلس الشيوخ من أمثال جون ماكين وشاك هيجل وكلاهما من الوجوه التي يتوقع أن تحاول خوض انتخابات الرئاسة عام‏2008‏ وكذلك شخصيات فاعلة أخري في إدارة الرئيس جورج بوش الأب أصبحوا ينتقدون علنا سير الحرب في العراق ويطالبون بالبدء في تحديد جدول زمني لسحب قوات الاحتلال وأن يتم ذلك بالتعاون مع القوي الإقليمية بما في ذلك إيران من وجهة نظر السيناتور هاجيل‏.‏

كل هذه الضغوط دفعت الرئيس بوش إلي التراجع بوضوح عن هجومه الحاد علي معارضي حرب العراق بل والإشادة بالنائب ميرثا وسجله العسكري بعد أن كان أحد المتحدثين باسم البيت الأبيض قد صرح بأن مطالبته بسحب القوات الأمريكية خلال ستة شهور تضعه في مصاف المخرج الأمريكي الليبرالي الشهير مايكل مور صاحب فيلم فهرنهايت‏9-11‏ والمعروف بمعارضته الحادة للحرب وإدارة الرئيس بوش‏.‏ ولكن الأهم هو أن الرئيس بوش وعلي لسان المتحدثة الأكثر قربا منه وتأثيرا هذه الأيام وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس اضطر أخيرا إلي الإعلان أنه سيبدأ‏'‏ قريبا‏'‏ في سحب تدريجي لقواته من العراق‏.‏ ومن المعروف أن عدد قوات الاحتلال الأمريكي في العراق يصل الآن إلي نحو‏160‏ ألفا وذلك تزامنا مع عقد الاستفتاء الأخير علي الدستور العراقي في شهر أكتوبر والحاجة لتأمينه‏.‏ ويقول المسئولون الأمريكيون الآن إنهم سيبدءون في النظر في تخفيض عدد القوات بأعداد بسيطة نسبيا قد تصل إلي نحو عشرين ألفا عقب الانتخابات المقبلة في‏15‏ ديسمبر من أجل انتخاب حكومة عراقية دائمة وذلك مع زيادة أعداد وإمكانيات قوات الجيش والشرطة العراقيين‏.‏ وإذا تحسن الموقف الأمني في العراق وتمكنت الحكومة الجديدة م
ن تثبيت أقدامها فإن القادة العسكريين يأملون أن يتمكنون من سحب‏60‏ ألف جندي آخرين بنهاية العام‏2006‏ وليصل عدد قوات الاحتلال إلي مائة ألف فقط‏.‏

وحددت رايس استراتيجية الولايات المتحدة الآن في العراق بالتخلص أولا من قوات المقاومة في مناطق محددة في المحافظات السنية المشتعلة ثم السيطرة علي المدن التي يتم‏'‏ تنظيفها‏'‏ لعدم السماح لهم بالعودة إليها مرة أخري‏.‏ ويتبع ذلك تمركز القوات العراقية أساسا في تلك المدن وذلك للسماح للقوات الأمريكية بالانتقال إلي مناطق أخري‏'‏ لتنظيفها‏'‏ ثم السيطرة عليها وإحلال القوات العراقية مكانهم‏.‏ والمرحلة التي تلي ذلك جهود إعادة البناء والتنمية في المدن المؤمنة والتي تسيطر عليها القوات العراقية بمفردها‏.‏ وقالت رايس في حوار مع شبكة الـ سي‏.‏إن‏.‏إن لا نريد أن يتمكن الإرهابيون من السيطرة علي مناطق كبيرة أو حتي مدن هامة في العراق ولذلك قمنا بعملياتنا الأخيرة في تل عفر والموصل لتنظيف هذه المدن من المتمردين وتمكين القوات العراقية من السيطرة عليها وذلك لكي نتمكن من بناء مستقبل أفضل في تلك المناطق‏.‏ وسيتطلب ذلك بالطبع ليس فقط زيادة أعداد القوات العراقية ولكن أيضا تقبل عودة الضباط والجنود العاملين في الجيش العراقي السابق وهو ما وافق عليه بالفعل سفير أمريكا لدي العراق زلماي خليل زاد‏.‏

وبجانب هذه الاستراتيجية السياسية والعسكرية لمحاولة وقف التدهور المستمر في العراق وإنقاذ شعبية الرئيس بوش والحزب الجمهوري علي المستوي الداخلي فلقد سعت رايس أيضا إلي التلميح أيضا بأن الرئيس الأمريكي وأعضاء إدارته أصبحوا أكثر تقبلا للاختلاف مع وجهة نظرهم في مدي صحة حرب العراق وضرورة خوضها من الأساس بعد أن كان الشعار المرفوع للإدارة الحالية هو‏'‏ إما أن تكون معنا أو ضدنا‏.'‏ وفي سلسلة اللقاءات الأخيرة التي اجرتها رايس قالت ربما للمرة الأولي‏'‏ من المشروع تماما أن يكون هناك تساؤل إذا ما كان إزاحة صدام في تلك الفترة من الوقت قرارا صائبا‏,‏ من الممكن أن يكون للناس وجهات نظر مختلفة في هذا الشأن‏.'‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~