تحقيقات

43416‏السنة 130-العدد2005اكتوبر19‏16 من رمضان 1426 هـالأربعاء

أســـرار وادي الحيتـــان
أول محمية طبيعية مصرية توضع علي لائحة التراث العالمي

تحقيق‏:‏ د‏.‏ هالة أحمد زكي
صورة عامة للوادى
منذ فترة أحتفت مصر علي طريقتها الخاصة ـ بإنجاز مهم في مجال البيئة والتراث بعد أن تم وضع منطقة وادي الحيتان بالفيوم ضمن لائحة التراث الطبيعي العالمي في اجتماع لجنة التراث العالمي الذي استضافته مدينة دربن بجنوب إفريقيا في الفترة مابين العاشر والسابع عشر من يوليو الماضي‏.‏
ولأن منطقة وادي الحيتان بالفيوم بعيدة عن مناطق البحار فربما لا يصدق البعض وجود حيتان بتلك المنطقة‏,‏ إلا أن الحقيقة المؤكدة تشير إلي وجود عدد هائل من الحيتان بالإضافة إلي أنواع أخري من الأسماك والدرافيل وعروس البحر‏.‏

أما عن القصة فكما جاءت في إعلان المهندس ماجد جورج وزير الدولة لشئون البيئة إعلان وادي الحيتان كأول موقع طبيعي مصري وسادس موقع عربي الذي يعتبر خطوة أولي علي الطريق الذي تحاول مصر أن تستكمله بإعدادها أوراق‏26‏ موقعا تحاول وزارة البيئة بالجهود الذاتية تنميتها لفتح الطريق لها حتي لا تصبح مصر وحسبما أشار الوزير لا تملك ـ بالرغم من ثروتها الطبيعية ـ غير موقع واحد لاغير‏.‏
ويعتبر وادي الحيتان ـ كما يقول د‏.‏ محمد إبراهيم مستشار قطاع المحميات الطبيعية بوزارة الدولة لشئون البيئة ـ أول منطقة تراث طبيعي علي مستوي عالمي في مصر‏,‏ وتأتي كتتويج للجهود المصرية التي بذلت منذ بداية القرن العشرين‏.‏ فالمعروف أن هناك دراسات مستفيضة ظهرت منذ بداية القرن العشرين وتركزت في الفترة ما بين عامي‏1983‏ و‏1993‏ وكانت نتيجتها إعلان وجود‏406‏ هياكل عظمية للحيتان‏,‏ منها‏205‏ هياكل عظمية كاملة‏,‏ بالإضافة إلي وجود الكثير من الحيوانات والأسماك الأخري مثل‏:‏ القروش والأسماك العظمية وعروس البحر والدرافيل‏.‏

وقد حدث نتيجة لاهتمام الحكومة المصرية ولجدية التنسيق بين المتحف الجيولوجي وهيئة المساحة الجيولوجية وجهاز شئون البيئة والجامعات المصرية والخبرات العالية في هيئة البترول‏,‏ أن قدمت هذه الدراسة في وادي الحيتان التي أصبح من خلالها يمكن التقدم بملف كامل لوضع هذه المنطقة ضمن لائحة اتفاقية التراث العالمي التابعة لليونسكو‏.‏
والمعروف أن الاتحاد الدولي لصون الطبيعة قد ناقش في سبتمبر الماضي الملف الذي تقدمت به الحكومة المصرية وكانت هناك عمليات تقويم للموقع وزيارات ميدانية ومقابلات للمسئولين ليأخذ هذا الموقع مكانه علي لائحة التراث الطبيعي التي تبدو قليلة بالنسبة لمواقع التراث الثقافي‏.‏

ففي مصر هناك اتفاقيات لوضع مواقع علي لائحة التراث الثقافي مثل الآثار المسيحية في أبي منيا‏,‏ ومنطقة طيبة القديمة ومقابرها‏,‏ ومناطق في القاهرة الإسلامية ومنف ومقابرها‏,‏ وآثار النوبة من أبي سمبل حتي فيلة‏,‏ ومنطقة سانت كاترين‏,‏ لكن يبقي وادي الحيتان أول موقع للتراث الطبيعي في مصر‏.‏
وقد انضمت مصر إلي عضوية هذه الاتفاقية عام‏1975‏ ويوجد علي مستوي العالم أكثر من‏570‏ موقعا للتراث الثقافي‏,‏ في مقابل‏130‏ موقعا للتراث الطبيعي و‏30‏ موقعا مشتركا بين التراث الثقافي والطبيعي‏.‏

وهناك بالفعل بروتوكول تعاون بين كلية ميتشجان الأمريكية والمتحف الجيولوجي ووزارة شئون البيئة لتطوير المنطقة وتكوين كوادر بشرية لصيانة وترميم الهياكل العظمية ووضع خطة تطوير للمنطقة كمتحف جيولوجي مفتوح لجذب السياحة البيئية‏.‏

خطط وتوقعات
جزء من هيكل عظمى كامل وجد فى وادى الحيتان
ويشير المهندس وحيد سلامة مدير عام المحميات الطبيعية بجهاز شئون البيئة إلي أن هناك بالفعل خطة للتطوير لإدارة المنطقة التي من المتوقع أن تصبح متحفا مفتوحا يضم‏406‏ حيتان تم بالفعل اكتشافها‏,‏ وبالطبع لابد من تمهيد الطريق قبل كل شيء للوصول إلي موقع وادي الحيتان ولابد أيضا من أن تكون هناك رعاية بيئية وسياحية عالمية‏.‏
وهناك بشكل عام اقتراح لتحويل الإدارة المركزية لحماية الطبيعة إلي هيئة اقتصادية لتحقيق موارد أفضل‏,‏ فموارد الدخل من المحميات تذهب لصندوق حماية البيئة وعندما تكون هناك هيئة اقتصادية سيتطور الأداء وتتحقق الأهداف‏,‏ وهذا الاقتراح لا يزال إلي الآن محل دراسة‏,‏ وإن كان يحظي بدعم المهندس ماجد جورج وزير الدولة لشئون البيئة الذي يري أن نبدأ بتقديم الاقتراحات‏,‏ وأن نفتح الطريق لمثل هذه المناقشات‏,‏ وسوف تعد هذه الدراسة من خلال برنامج التعاون المصري ـ الإيطالي‏.‏

حضارة الفيوم وتاريخ ما قبل الأسرات
ويعتقد خالد سعد مدير إدارة آثار قبل التاريخ بالمجلس الأعلي للآثار أنه من المبكر الحديث في هذه المحمية دون التعرف علي أصولها التاريخية‏,‏ فهذه المنطقة قد عرفت السمك أبو سياف والجد الأصلي للحوت لأنها في الأصل قاع بحر سيدس الذي يعود وجوده إلي‏42‏ مليون سنة مضت‏,‏ وقد حدث هذا التميز لوادي الحيتان نتيجة للتغيرات المناخية ولوجود فترات تصحر وانحسار المياه علي مدي ملايين السنين‏.‏
والمشكلة التي يمكن أن تواجه وادي الحيتان ـ والكلمة له ـ هي مواجهتها لمخاطر الزحف الزراعي‏,‏ فهناك تصاريح تمنح لاستصلاح الأراضي بالقرب من هذا المكان‏,‏ وهناك استخدام لطرق ري تهدد الحياة البيئية‏.‏

وهذه المنطقة تشهد أيضا تهديدا بالانقراض للكثير من الحيوانات النادرة مثل الثعلب الأبيض‏,‏ وحيوان المنك‏,‏ والكوبرا المصرية‏.‏
وتوجد ضمن المخاطر البيئية التي تتعرض لها المنطقة مهرجانات تسابق السيارات التي علي الرغم من محاولة جهاز شئون البيئة اتخاذ إجراءات احتياطية ضدها فإن عربات السباق تخترقها وتسبب بعض الخسائر لوادي الحيتان الذي يعود تاريخه كمنطقة لخمسة آلاف عام قبل الميلاد‏,‏ حيث شهدت حضارة الفيوم الأولي التي تعتبر من أقدم الحضارات التي تنتمي إلي عصر ما قبل الأسرات‏,‏ وإن كان الكثير من المؤرخين وعلماء الآثار يرجعونها إلي‏5500‏ سنة قبل الميلاد‏.‏

والمنطقة تملك مقومات تجعلها منطقة اكتشاف أثري‏,‏ حيث إنها كانت آهلة بالسكان لهذا لابد من تكاتف وزارة السياحة والبيئة والمجلس الأعلي للآثار لاكتشاف كل الأبعاد الحيوية لهذا المكان الذي ربما يكون معروفا علي المستوي العالمي أكثر مما هو عليه الحال علي المستوي المحلي بالنسبة للمصريين‏.‏
ويوضح عالم الجيولوجيا د‏.‏ بهي الدين العيسوي حقيقة مهمة‏,‏ وهي أنه إذا كان وادي الحيتان يعطينا فكرة عن هذا الجزء من أرض ومناخ مصر منذ ملايين السنين فإنه يبدي علي تحويله لمحمية بعض التحفظات‏.‏

فلماذا نترك هذه الحفريات في الصحراء ونعرض العظام لمواجهة أكثر مع أشعة الشمس والرياح التي قد تجعلها تتآكل‏.‏
فالأفضل الاحتفاظ بعظام الحيتان في مكان متحفي حتي لا تتعرض هذه الحيتان للسرقة‏,‏ فالصحراء مفتوحة والأجدر وضع مثل هذه الحفريات في متحف في الفيوم للحفريات‏.‏ فهذه المنطقة لا تضم الحيتان فقط‏,‏ فهناك التماسيح والزواحف والقرود والجد الأول للخرتيت‏.‏ وفي النهاية يعطي وادي الحيتان صورة واضحة المعالم عن طبيعة هذه المنطقة في مصر وهل كانت صلبة أم سهلا أم دلتا أم واديا‏,‏ كما أنه يعطي صورة للمناخ القديم ويحدد عمر الصخور الموجودة‏.‏

وتنتهي كلمة د‏.‏ بهي الدين العيسوي التي تأتي كتعبير عن وجهة نظر مختلفة‏,‏ وإن كان تساؤلنا منذ البداية لا يمكن أن يكون مقصورا علي فتح ملف وادي الحيتان الذي يعتبر أول موقع يوضع علي لائحة التراث الطبيعي العالمي في مصر‏.‏
فهناك ملفات أخري لبعض المواقع مثل موقع الديناصورات في الواحات البحرية‏,‏ والصحراء البيضاء في واحة الفرافرة وواحة سيوة بمطروح‏,‏ ومنطقة بحر الرمال الأعظم‏.‏

وإن كانت كل هذه الملفات تعني ضرورة تكاتف الجهود‏,‏ فلا يمكن أن يتحقق أي شيء ـ كما قال لي د‏.‏ محمد إبراهيم ـ دون التنسيق مع المحليات والجهات الرقابية ووزارة السياحة والبيئة ونضيف إليها وزارة الثقافة ممثلة في المجلس الأعلي للآثار‏.‏
أما المنطقة الأخري التي لا يمكن تجاهلها فهي منطقة الصحراء الغربية التي جاء اكتشافها متأخرا كما أشار د‏.‏ محمد فتحي عوض الله في كتابه رحلات جيولوجية في صحراء مصر الغربية‏.‏ فالصحراء الغربية لم تعرف وحتي منتصف القرن العشرين سوي رحلات كينيدي شار في درب الأربعين وباجونيد واكتشافات بنديل في شمال بحيرة قارون لتتزامل مع رحلات المستكشفين المصريين أمثال أحمد حسنين باشا من السلوم إلي السودان‏,‏ والأمير كمال الدين حسين في الواحات الخارجة‏.‏ أما منطقة الفيوم فقد سبق أن طالب المجلس القومي للثقافة والإعلام بتحويل المناطق الأثرية نفسها إلي محميات لوقف الزحف الزراعي والعمراني‏.‏

ولهذا نعيد تساؤلا قد سبق وأثير منذ أربع سنوات وقت اكتشاف الديناصور المصري الذي اعتبر ثاني أضخم مخلوق علي وجه الأرض‏,‏ وهو‏:‏ ماذا عن الصحراء الغربية التي تضم كل أطراف تاريخ مصر؟ وماذا عن اقتراح تقدم به سلامة أحمد سلامة في عموده من قريب منذ سنوات حول إنشاء متحف للتاريخ الطبيعي؟
أما التساؤل الأخير فهو‏:‏ لماذا التوقف كل هذه السنوات والانتظار للتعرف بشكل أوضح وجدي علي تاريخ مصر؟ ألم يكن من الأجدر التحرك من قبل؟ ولماذا هذا التذبذب في اكتشاف غرب مصر الذي يبدأ منه التاريخ؟ وقبل هذا وذاك ماذا عن القادم؟ وماذا في النهاية عن وجود خطة ثابتة قومية لإدارة مثل هذه المحميات؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~