الكتاب

43137‏السنة 129-العدد2005يناير13‏2 من ذى الحجة 1425 هـالخميس

معضلات عصرية
الزلزال‏:‏ هل من ضارة نافعة؟‏!‏
بقلم ‏:‏ محمد سيد أحمد

نشر الدكتور رشدي سعيد في مجلة المصور يوم الخميس الماضي مقالا عن زلزال اندونيسيا‏..‏ والدكتور رشدي‏,‏ كما هو معروف‏,‏ له صيت عالمي كحجة في علم الجيولوجيا‏..‏ ومن هنا‏,‏ فلا مجال لمقارنة أطروحاته حول الزلزال وما نشرته أنا في نفس اليوم بـ الأهرام‏..‏ غير أن بعض ما أورده الدكتور رشدي قد يبدو متعارضا مع ماكتبت ومن هنا حرصي علي استجلاء مدي صواب ما أوردته من عدمه‏.‏
وصف الدكتور رشدي الزلزال بقوله‏:‏ إنه ظاهرة طبيعية ليس لفعل الانسان فيها شيء‏..‏ وكتبت أنا‏:‏ ليس سبب الزلزال صراعات البشر فيما بينهم‏,‏ ولكن ردود افعال الطبيعة علي تمادي البشر في الإساءة إلي الطبيعة‏,‏ وتحدي قوانينها‏,‏ فتمردت عليهم‏..‏ لقد شاركت الدكتور رشدي الرأي في أن الزلزال ظاهرة طبيعية‏,‏ ولكن لم أنف أنه كان لفعل الانسان فيها شيء‏..‏
وبالفعل‏,‏ قد كتبت صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ‏2004/12/30‏ رأي الدكتور رشدي بقولها‏:‏ إن الزلزال الإندونيسي هو نتاج عملية دامت‏85‏ مليون سنة‏..‏ ففي ذاك الوقت السحيق بعد تكون المحيط الهندي‏,‏ انفصلت عن افريقيا الطبقة التكتونية الاسترالية‏/‏ الهندية التي تحمل الهند‏,‏ وعبرت المحيط في اتجاه الشمال بسرعة‏10‏ سم كل عام‏..‏ ومنذ‏50‏ مليون سنة‏,‏ اصطدمت الهند بطبقة أوراسيا‏,‏ واستمرت في حركتها بسرعة‏6‏ سم في العام‏..‏ هذا الاصطدام قد ترتب عليه بروز سلسلة جبال الهيمالايا‏,‏ أشهق جبال في العالم‏,‏ وكذلك نقلت الكتلة الهند‏/‏ صينية بجزائرها الـ‏17‏ ألفا‏(‏ أغلبها بركاني التكوين‏)‏ في اتجاه الجنوب الشرقي‏..‏ والملاحظ أن هذه كلها تحركات تسند وجهة نظر الدكتور رشدي سعيد‏,‏ لأنها سبقت وجود الجنس البشري علي سطح الأرض‏,‏ وبالتالي قدرته علي التأثير في التقلبات الجيولوجية‏..‏

سؤال جوهري
ولكن السؤال الذي أستكشف له ردا ليس هو‏:‏ هل كان لوجود الانسان علي سطح الأرض أثر في إحداث زلازل وبراكين وموجات مد بحري تعبر المحيطات ويبلغ ارتفاعها‏50‏ مترا وأكثر ؟‏..‏ فكلنا يعلم أن هذه الظواهر وجدت منذ تكون القشرة الأرضية في ماض يعود إلي مليارات السنوات‏..‏ بل السؤال هو هل من جديد قد حديث منذ ظهور الجنس البشري‏,‏ ومن شأنه التأثير في خصائص الطبيعة؟‏..‏ هل بفضل العلم والتكنولوجيا‏,‏ أصبح من الممكن تعريض الكرة الأرضية للانفجار أو الزوال؟‏..‏ الأمر الذي لم يكن ممكنا من قبل‏,‏ بسبب قصور التكنولوجيا عن بلوغ هذه القدرة؟‏.‏

ظاهرة الدفيئة علي سبيل المثال‏(‏ أي تعرض المناخ للدفء بشكل متعاظم‏)‏ لا يبدو الآن أن هناك شكا في أنها ظاهرة من صنع الحضارة الانسانية‏..‏ ثم ظاهرة أخري هي تعرض البيئة للتلوث بسبب الافراط في استخدام مواد ـ كيماوية أو اصطناعية ـ تنال من الحياة‏,‏ جنبا إلي جنب مع مبتكرات ومكتشفات علمية من شأنها إطالة الحياة‏..‏ ليس هناك ما يطمئن أن الايجابيات التي يبتدعها البشر أقوي أثرا في تقرير المحصلة النهائية من السلبيات التي تفلت من كل سيطر‏..‏ بعبارة أخري‏,‏ هل جاز القول بأن الحضارة الانسانية خلقت ظروفا أكثر مواتاة لتعريض البشرية للتهلكة من الظروف التي كان من المنتظر أن تسود في غياب الجنس البشري‏,‏ وقبل بلوغه تقدمه التكنولوجي المعاصر الشديد الرقي؟‏..‏ هل الزلازل وغيرها من الاضطرابات البيئية عاجزة ـ في غياب الجنس البشري ـ عن بلوغ حد الإفناء الذاتي‏,‏ بينما أصبحت قادرة علي الارتفاع إلي هذا الحد بعد بلوغ التقدم البشري مستواه الراهن؟

أي أن تدخل البشر في صنع الاضطرابات البيئية لا يعني أن هذه الاضطرابات وقف علي وجود البشر‏,‏ وبفعل صنع الحضارة البشرية وحسب‏..‏ وانما يعني أن البشر قد فاقم من شأن هذه الاضطرابات‏,‏ وعرضها لظاهرة لم تنل من الكرة الأرضية من قبل‏,‏ هي تعرضها للتفتت‏,‏ أو الانفجار‏,‏ أو لشكل أو آخر من أشكال التبدد والزوال؟‏!‏

مهمة جديدة للبشرية
وإذا صح أن ظهور البشرية قد مكنها من تعريض كوكبنا لمصير يختلف نوعيا عن مصيره الطبيعي‏,‏ وأعني بذلك ألا يستمر في الوجود لمليارات من السنوات في المستقبل كما استمر في الوجود لمليارات من السنوات في الماضي‏,‏ بل يقدم الجنس البشري علي نوع من الإفناء الذاتي‏..‏ فقد يطرح ذلك مهمة لا تملك البشرية التنصل منها‏,‏ هي ألا تكتفي بترميم كوكبنا‏,‏ وإقامة إصلاحات تزيل ماحدث في‏26‏ ديسمبر الماضي علي وجه التحديد‏..‏ بل أن تسعي بكل جدية للنفاذ الي جذور المشكلة‏,‏ وتعمل من أجل وضع حد نهائي لواقع جديد بات يهدد قدرة كوكبنا علي الاستمرار في الوجود لأجل غير مسمي‏..‏ وهكذا يظل يصلح وعاء للحياة‏,‏ ومرتكزا للمسيرة البشرية كما كان الحال حتي الآن‏..‏ ليست المشكلة أن تجند كل الطاقات المتاحة لمعالجة حدث طاريء‏..‏ ولا هي أن نستعين بشخصيات عامة دولية كالرئيسين كلينتون‏(‏ الديمقراطي‏)‏ وبوش الأب‏(‏ الجمهوري‏),‏ بل أن نخرج بتصور لما حدث يخرج العالم من مآزقه الراهنة‏..‏ ولا يقصره علي دروب مظلمة تكون الظاهرة التي تحتل مقدمة المسرح فيها هي الارهاب‏.‏
هناك ـ بالطبع ـ مهام بديهية ينبغي القيام بها بأسرع ما يمكن‏,‏ تداركا لتوابع زلزال اندونيسيا‏,‏ سواء كانت في مواقع قريبة أو بعيدة من الزلزال الأصلي‏,‏ وذلك باقامة شبكة من محطات الإنذار المبكر تغطي كوكبنا بكامله‏,‏ وأعني بذلك المحيطات والبحار جميعا‏,‏ وليست اليايسة فقط‏..‏ ذلك أنه قد ثبت أنه يتعذر إفساد آثار الزلزال المدمرة‏,‏ أو الحيلولة دون حدوث موجات جبارة من المد البحري العالي‏(‏ ماعرف بالـ تسونامي‏,‏ ما لم تتسع عمليات المراقبة والمتابعة والتفتيش لكل أركان الكرة الأرضية دون استثناء‏..‏

لقد أظهر البشر أنهم علي استعداد للاغداق بسخاء عندما يصابون في كوارث طبيعية بحجم ماحدث في الأسبوع المنصرم‏..‏ إن كل إنسان تخيل نفسه في موقع المصابين‏..‏ وأن يكون هو المستغيث‏,‏ مناشدا الغير بالعون‏..‏
إن المطلوب الآن هو أن نتجاوز رؤيتنا إلي ماحدث علي أنه حدث عارض‏..‏ لابد من تخطيط علي الأمد الطويل‏..‏ وإدماج اللجنة الرباعية التي تشكلت من الولايات المتحدة واليابان والهند واستراليا في هيئة دولية تتولي عمليات الاغاثة‏,‏ وتعمل في إطار الأمم المتحدة‏..‏

لقد جمعت مبالغ طائلة تصل إلي‏8‏ مليارات من الدولارات بسرعة مذهلة‏..‏ ربما كان لذلك أكثر من سبب‏..‏ أولا‏,‏ لأن ضحية الزلزال وما أعقبه من مد بحري جبار هو ضحية بشكل مطلق‏..‏ لم يرتكب أي خطأ‏..‏ لا يتحمل أية مسئولية‏..‏ وقد أصابته كارثة بشعة‏..‏ وهذا لابد أن يثير عطف الناس‏..‏ ثم كان هناك الاعلام وصور الموتي بالجملة التي تناقلتها شاشات التليفزيون‏..‏ ثم كان هناك الانترنيت التي يسرت فرص التبرع‏..‏ ثم أعياد رأس السنة‏,‏ وكثرة السياح الباحثين عن الدفء والراحة‏,‏ وقد نقلوا الي مختلف أرجاء الكون أنباء الحدث الأليم‏.‏
لقد بلغت التبرعات حد أن هيئة أطباء بدون حدود قد قررت بعد تلقيها مبلغ‏40‏ مليون يورو أن توقف تسلم التبرعات التي ترسل اليها‏,‏ استنادا إلي أنها لا تملك القدرة علي استخدام هذه المبالغ الطائلة استخداما رشيدا في خدمة ضحايا الزلزال‏,‏ ولمنع حدوث عمليات احتيال ونصب‏..‏ ربما كان ذلك أول مرة في التاريخ تتلقي فيها جهة خيرية معونات‏,‏ وترفض تسلمها بسبب عجزها عن استيعابها‏!..‏

إن المطالب للحاضر يخالف المطالب للأمد الطويل‏..‏ المطلوب الآن هو إنقاذ بشر بالجملة من التهلكة‏,‏ والجوع‏,‏ والمرض‏,‏ والعطش‏..‏ أما المطلوب للأمد الطويل‏,‏ فإنه محاولة استخدام هذه الكارثة لخير البشرية‏,‏ لعمليات تنموية جبارة‏..‏ وبالتالي نظرة مختلفة إلي الأموال المجمعة‏..‏ نظرة تحول ضارة إلي نافعة‏.‏
إن المساعدات للتنمية تختلف نوعيا عن المساعدات لمواجهة حالة طواريء‏..‏ انها مساعدات تتحملها الدول‏,‏ والبنك الدولي‏,‏ وصندوق النقد الدولي‏..‏ لا المواطنون بصفتهم أشخاصا‏..‏ أن المواطنين يتحملون قيمتها عن طريق الضرائب التي يدفعونها‏..‏ ولا ينبغي تحميلهم هذه الاستقطاعات مرتين‏..‏

ثمة تضارب في الاختصاصات هنا‏..‏ هل تسلم منح الدول الأوروبية ـ مثلا ـ من خلال سلطة مركزية منبثقة من الاتحاد الأوروبي‏,‏ أو كدول ذات سيادة عبر سلطات الأمم المتحدة؟‏..‏ هل ثمة حاجة إلي سلطة تتفق عليها وتملك البت في هذا الصدد؟‏..‏ لقد اقترح شيراك خلق قوة انسانية للتدخل السريع‏..‏ ومعني ذلك اعادة هيكلة الأمم المتحدة علي نحو أكثر تماسكا وشمولا‏..‏ بل ربما وراء الاقتراح قضية أكثر جوهرية‏:‏ هل أصبح للتكنولوجيا دور في تعريض كوكبنا للدمار‏,‏ أم ما زلنا بصدد أشكال من الدمار ليس لفعل الانسان فيها شيء؟‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~