قضايا و اراء

43004‏السنة 127-العدد2004سبتمبر2‏17 رجب 1425 هـالخميس

حتي تعود القضية الفلسطينية للاهتمام العربي
بقلم‏ :‏ د‏.‏ جمال سلامة علي
جامعة قناة السويس

إذا كانت قدرات المرء هي التي تحدد خياراته فان من الانصاف ان نقر بأن المأزق الحالي للسلطة الفلسطينية يرجع جزء كبير منه الي الظروف الدولية والاقليمية‏.‏

وان قدرة الطرف الفلسطيني علي رفض المخططات الاسرائيلية تستند في المقام الأول علي قدرته علي المقاومة‏,‏ ومن ثم فان اسرائيل في تناولها للملف الفلسطيني تعتمد علي استراتيجية تهدف الي تقويض قدرة او ما بقي من مظاهر قدرة للطرف الفلسطيني علي الرفض وطبقا للتصور الصهيوني فان تقويض قدرة الرفض الفلسطيني سوف يقود السلطة الحالية او القادمة ليس فقط لقبول الفتات بل والتتابع لتصبح السلطة بشكل غير مباشر جزءا من المشروع الصهيوني بما قد تلعبه في دور تخديمي يوفر الحماية للمستجلبين بين اليهود في المستوطنات‏.‏

في ضوء ذلك بات الوضع علي الساحة الفلسطينية الآن يتلخص في ثنائية الفرض والرفض وفي المسافة بين الفرض والرفض تتحدد قدرة كل طرف علي الصمود وتحقيق الاهداف‏..‏ فاذا كان الطرف الاسرائيلي يمتلك القدرة علي الفرض والرفض معا فان قدرة الطرف الفلسطيني حاليا ممثلا في السلطة الفلسطينية تنحصر في أحسن أحوالها ـ في القدرة علي الرفض مع غياب القدرة علي الفرض‏.‏

فاذا كان الأمر كذلك فان هناك عدة تساؤلات يجب ان نطرحها بصراحة فالي أي مدي يستطيع الطرف الفلسطيني امتلاك القدرة علي الرفض دون اعتماد مشروع سياسي واضح ومحدد؟ وان لم يكن الجانب الفلسطيني حاليا يمتلك القدرة علي الفرض فما هي الآليات التي يمكن ان تعزز قدرته علي الرفض‏.‏

هناك حقائق مرة يجب أن يواجهها الفلسطينيون إلا أن الحقيقة الأكثر مرارة التي يتعين علي العرب مواجهتها هي حقيقة من نوع اخر فعلي جزء كبير من الارض الفلسطينية تقوم اليوم ليس مجرد دولة فحسب بل دولةتعد من القوي النووية وتمتلك أحدث التقنيات العسكرية في العالم ولها علاقات ومصالح متشابكة مع جميع الأطراف الدولية الاقليمية الفاعلة‏,‏ فهي تصدر أسلحتها وتقنياتها العسكرية لدول مثل روسيا والصين والهند وتركيا‏,‏ وتقدر مبيعاتها من الاسلحة بنحو‏15%‏ من مجموعة مبيعات الاسلحة في العالم فضلا عن التكامل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية‏.‏

ويرتبط بالحقيقة السابقة انعكاسات اخلاقية وقانونية وسياسية سلبية علي جوهر القضية الفلسطينية فلتكريس الواقع الاحتلالي للاراضي التي استولت عليها كان علي اسرائيل ان تتبني ثقافة استيطانية تعتمد القوة والسيطرة في ظل سلوك قمعي وانتهاكات اجرامية لحقوق الانسان بحيث بدأ معها هذا السلوك القمعي وكأنه جزء لا يتجزأ من الهوية الصهيونية التي لم تتحدد معالمها الا بنفي الآخر واغتصاب الحقوق عن طريق القوة والتبرير المشوه لممارساتها‏.‏

ولكي تتفادي اسرائيل الانعكاسات المضادة استطاعت بناء تصور أشبه ما يكون بجهاز أو مؤسسة متكاملة من وسائل الانكار والتبرير استطاعت من خلاله ان تمزج بين الاسطورة التاريخية وبين الواقع الجغرافي والديموغرافي وبواسطة هذا الجهاز الانكاري التبريري أنكرت الوسائل التي قامت بها الدولة اليهودية علي ارض شعب اخر واستطاعت التحلل من التبعات الاخلاقية والقانونية الناجمة عن قيام هذا الكيان واثاره علي الشعب الفلسطيني‏.‏

ومن المفيد هنا ان نقول أن فشل مفاوضات التسوية الاسرائيلية الفلسطينية هو أمر يرجع اساسا الي تلك القدرة الانكارية التبريرية الاسرائيلية وتزييفها لرواية الصراع‏,‏ فهي حينما تتفاوض مع الفلسطينيين لاتنظر اليهم علي انهم اصحاب حقوق طبيعية في وطنهم ومن ثم يجب التوصل معهم الي تسوية مرضية‏,‏ بل يعتبرونهم مجرد جماعات معادية يجب طردها وفصلها عن الدولة اليهودية وبالتالي فان أي تنازل تقدمه اسرائيل هو أمر يجب تقبله بامتنان‏.‏

في ظل غياب المشروع الفلسطيني وغيبوبة العقل العربي سيتعين علي الفلسطينيين الاعتراف ليس بالواقع القائم فحسب بل أيضا بما يسمي بحق الشعب اليهودي علي ارض فلسطين الامر الذي يتساوي مع الاعتراف بالصيهونية نفسها هذا بالضبط هو منطق الفرض الذي تقوم عليه الاستراتيجية الاسرائيلية ولابديل حاليا امام الفلسطينيين لمواجهته الا بمنطق الرفض هذا الرفض ليس فقط مجرد نفي للاخر بقدر ما هو رفض لنفي ذاتهم ورفض لفكرة منح وطنهم لمجموعة اخري تفرض ارادتها علي ارادتهم‏.‏

نصل الي نقطة أخيرة حيث يجب التأكيد علي أن طرحنا للحقائق السابقة لم يأت من باب اليأس أو التيئيس بل من منطلق البحث عن بدائل لاعادة القضية الفلسطينية علي ساحة الاهتمام العربي كقضية عربية لاتحتمل التمييع واخراج الواقع العربي من حالة اللا حول واللا قوة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~