قضايا و اراء

43002‏السنة 127-العدد2004اغسطس31‏15 رجب 1425 هـالثلاثاء

عالم جديد
روســـيا الخارج القريب
بقلم : د‏.‏ أنور عبدالملك

كانت المحطة الأخيرة في رحلة التنقيب عن صعود القوي والعوامل الجديدة التي بدأت تتصدي لهيمنة القطب الأمريكي الأوحد هي البرازيل‏,‏ في قلب أمريكا اللاتينية‏.‏ وقد جاءت فنزويلا بقيادة رئيسها الوطني التقدمي هوجو شافيز تؤكد أن حس الشعوب في الأعماق يلتقي دوما مع صالح الوطن‏,‏ كما كانت وقفة شعبنا المصري حول جمال عبدالناصر في اعقاب انكسار الدولة والجيش بسبب أخطاء القيادة العسكرية آنذاك في أيام‏6‏ و‏7‏ يونيو السوداء وماتلاها‏.‏

لم يدع أحد منذ أن خرج شعب مصر العظيم يطالب القائد الوطني المنهزم أن يستمر‏,‏ لم يدع أحد أن انطلاقة ملايين المصريين إلي الطرقات وشوارع المدن والقري كانت‏.‏ لها أية وجهة اللهم إلا الحفاظ علي مصر وتخطي الجراح والهزيمة‏,‏ أي أن أحدا لم يدع أن خروج شعب مصر لنصرة الوطن والدولة ينتميان إلي أعمال الشغب أو الإخلال بالأمن‏.‏ هكذا فعلت جماهير شعب فنزويلا إذ أكدت مقام رئيس دولتها شافيز في استفتاء دقيق نزيه فرضته معارضة كبار ملاك ودوائر المال اليمينيين المتواطئين مع الأجهزة الأمريكية‏.‏ ومن هنا وجب علينا أن ندرك مدي إهتزاز هيمنة المركز الأوحد بفضل ما أصاب سياسته الإجرامية في العراق الشقيق العزيز‏.‏ وليت العقلاء الساعين إلي المشاركة في صياغة القرار يتريثون للتمعن في مغزي هذه التطورات المتتالية من كوريا الشمالية حتي قلب أمريكا اللاتينية‏.‏

من محور الشر الصهيوأمريكي‏..‏
محطة اليوم من نوع جديد قديم‏.‏ إنها روسيا‏,‏ أي دولة الإتحاد الفيدرالي الروسي‏,‏ بقيادة الرئيس بوتين‏,‏ وقد تحركت قوات منظمة حلف شمال الأطلنطي لمحاصرتها‏,‏ أولا علي حدودها الغربية من دول البلطيق حتي بلغاريا ثم في ساحة أسيا الوسطي الشاسعة انطلاقا من قاعدة الحرب في افغانستان‏,‏ وأخيرا علي حدودها الجنوبية حيث يركز الإعلام والتلفزة الأمريكية والغربية علي شاب وسيم أمريكي الجنسية وإن ولد مواطنا جورجيا الرئيس ساكاشفيلي‏,‏ حولته وسائل الإعلام الأمريكية والغربية إلي باعث الحرب الصليبية لإنقاذ مجموعة شعوب القوقاز ضد التبعية لروسيا الجديدة وريثة الإتحاد السوفيتي الأسبق‏.‏

الايحاء كان ومازال إلي إنحسار ان روسيا مكتوبا عليها أن تتخبط وأن تحيا في تخلف وهامشية‏.‏

وفجأة‏,‏ فجأة رغم أن الجديد كان في طور الصياغة منذ انتخاب بوتين رئيسا للجمهورية‏,‏ فجأة التفت الخبراء‏,‏ ثم الرأي العام الغربي والعالمي ـ وكان أيضا بودنا أن نضيف العربي ـ إلي واقع جديد ما كان علي الحسبان‏:‏
‏1‏ـ استطاعت الدولة الروسية أن تعزل ثم تلفظ عصابات المافيات الصهيونية التي نهبت ثروات كبري مؤسسات القطاع العام للاتحاد السوفيتي خاصة في مجالات البترول والغاز وكذا الصناعات الثقيلة وبطبيعة الأمر البنوك والاسواق المالية‏.‏

لكن‏:‏ لماذا سلطوا الأضواء علي جولدركوفسكي؟ قالوا إنه رئيس أكبر مؤسسة في قطاع البترول‏,‏ تسيطر علي نحو‏40%‏ من بترول روسيا وصادراته الي الخارج‏,‏ ثم اتضح أنه كان ينوي بيع غالبية أسهم مؤسسته يوكوسس الي كبري الشركات الأمريكية والغربية‏,‏ مما كان سيؤدي حتما الي ضياع قطاع واسع من الثروة وكذا استقلال القرار في روسيا لصالح الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الأطلنطي‏.‏ الرجل الآن ينتظر محاكمته الجنائية في زنزانته‏,‏ بينما تحولت حالته الي ظاهرة فريدة في تاريخ الدنيا كما نعرفها‏,‏ وكأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينتمي الي دائرة المتهمين بالإجرام‏.‏ فجأة استيقظ الاعلام الأمريكي والغربي وأصبحت قضية جودوركوفسكي أخطر ما حدث منذ نهاية رئاسة الرئيس السابق يلتسين فجأة‏,‏ قالوا إن الرئيس بوتين انزعج من محاولة خودوركوفسكي الصعود الي السلطة‏.‏ ثم أضافوا أنه رمز للفئة اليهودية في روسيا‏,‏ رغم أن نفرا قليلا تورط في الدفاع عن مخططه الاقتصادي والمالي‏.‏ أي أن المتهم يمثل قلب المافيا الصهيونية المتبقية التي تسعي الي اقتلاع الرئيس بوتين‏.‏

‏2‏ ـ فجأة‏,‏ فجأة أيضا‏,‏ تكتشف الصحافة الأمريكية والغربية أن روسيا تضاعف قيادتها في مجال البترول‏.‏ وفي هذا تقول جريدة هيرالد تربيون في عددها المؤرخ‏14‏ أغسطس الماضي‏:‏

إن روسيا ترفع من دورها ومكانتها كدولة عظمي‏.‏ تؤكد مقامها كزعيم بين منتجي البترول في العالم‏.‏ وهذا ما أكده وزير الصناعة والطاقة خريستتكو إلي الرئيس بوتين في شعار تداولته وسائل الاعلام الروسية منذ أيام‏:‏ إن الانتاج يزداد باطراد‏.‏ ويضيف أن انتاج عام‏2004‏ سوف يبلغ‏3.9‏ بليون برميل بينما كان‏3.07‏ بليون برميل عام‏2003,‏ وفي هذا يقول دانيال يرجين‏,‏ رئيس مؤسسة شركاء البحث عن الطاقة في كامبريدج في الولايات المتحدة‏:‏ لقد أصبحت روسيا قوة حاكمة في السوق العالمية للبترول الي درجة لم تبلغها في الستينيات‏.‏ هذا بينما من الطريف أن نقرأ لواحد باسم فاضل غيث أنه رغم أن لروسيا طاقة هائلة‏,‏ فإنها متخلفة وقليلة الاستغلال‏,‏ ذلك أن شركات النفط الخارجية‏,‏ وفي جيوبها أموال تكاد تحترق بها‏,‏ يسيل لعابها كي تدخل إلي روسيا‏.‏ولكن أحدا لن يذهب الي روسيا‏(‏ كذا‏)‏ لو كانت روسيا تستطيع أن تستولي علي شركات كما فعلت مع يوكومس‏.‏ هكذا يرتفع صوت خبير عربي يتجاوب مع الاعلام الصهيو أمريكي حتي علي أرض روسيا البعيدة القريبة‏..‏

أي أن روسيا اليوم هي ثاني قوة عظمي في مجال البترول‏,‏ والأولي في مجال الغاز الطبيعي‏,‏ مما يضمن تموين صحوة الاقتصاد والترسانة الاستراتيجية الروسية أولا‏:‏ يدا في يد مع تلبية احتياجات الصين واليابان وآسيا الشرقية وكذا الهند‏.‏

كل هذا يدور في مجال يمثل الدائرة القريبة من عالمنا العربي‏,‏ أو الخارج القريب علي حد تعبير رئيس الوزراء الروسي الأسبق بريماكوف‏,‏ أين نحن من هذا كله؟

‏3‏ ـ أين نحن من هذا كله؟ أين نحن من أحوال الدنيا؟ ليت المسألة تقف عند حد البترول والغاز الطبيعي‏,‏ ولكن الارادة السياسية لروسيا الجديدة تحددت في مسألة احتلال وتدمير العراق بوضوح وإصرار كما أعلن ذلك وزير الخارجية لافروف‏:‏أي دعوة دول العالم إلي مؤتمر دولي يهدف إلي وضع حد لتدمير العراق وتمكين شعبه من استعادة استقلاله واعادة بناء مجتمعه وقوته‏.‏ الدعوة الرسمية قائمة‏.‏ لم نسمع أصوات تأييد كثيرة في أوروبا‏,‏ ولاحتي في عالمنا العربي‏,‏ ولكن الصدي الوحيد كان في الصين التي كانت أيضا هي الدولة العظمي الوحيدة التي‏.‏ امتنعت عن التصويت علي قرار إنذار الأمم المتحدة للسودان في مأساة دارفور وهو الموقف الذي شجع عددا من الدول الأوروبية علي التريث في دعم المؤامرة الأمريكية ــ الإسرائيلية المستندة إلي عدد من الدول الإفريقية التابعة من التدخل العسكري في دارفور‏,‏ وكذا ضد شرق السودان بدءا من أريتريا‏,‏ إلي حد إعادة النظر في اتفاقية الحرب الأهلية بين جنوب السودان وحكومة الخرطوم‏.‏
أين نحن من هذا كله؟ أين نحن من أحوال الدنيا؟ أين نحن من أمرنا؟

قال صاحبي‏:‏
تعال بنا يا أخي ننحني إجلالا أمام مقاومة شعبنا العربي علي أرض فلسطين والعراق‏.‏
نعم‏:‏ قوي كثيرة تتصاعد تقف في وجه حرب المحور الصهيو امريكي ضد المستقبل‏.‏
لكنما هنا أرض المعركة‏,‏ حيث بدأت تهتز أساطير هيمنة القطب الأوحد‏!‏
أليس كذلك؟ أراك مبتسما حالما‏...‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~