الكتاب

42996‏السنة 127-العدد2004اغسطس25‏9 رجب 1425 هـالأربعاء

عيـــــــد وفــــــــاء النيـــــــــل
بقلم‏:‏ د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

في الأهرام بتاريخ‏23‏ يونيو سنة‏2004,‏ كان مقالي‏:‏
‏[‏رسالة الي محافظي مصر‏]‏ للاحتفال بوفاء النيل‏,‏ قلت في الاستهلال‏:‏
أعرف أن الألم الذي يعيشه العالم الإسلامي‏,‏ والعالم العربي‏,‏ونعيشه‏,‏ مصريين مضاعفا‏..‏ ومع هذا فإن الشعوب العريقة لها تقاليد معرقة في القدم‏..‏ ولها رموز تحكم شخصيتها‏,‏ومن هذا وفي مقدمته‏:‏ النيل في مصر‏.‏

إنه تاريخها وعمرها الحضاري‏,‏ وأمس المعالم بشعبها‏,‏ ومن هذا المنطلق أتكلم عن عيد وفاء النيل‏,‏ قبل موعده من خوفي أن يتأثر‏,‏ بانغماسنا في الأحداث الجارية‏,‏ مع أنه ليس حدثا ولكنه‏:‏ تاريخ أمة‏.‏
علي هذه الصفحة أبعث رسالة‏:‏
‏[‏الي السادة محافظ القاهرة العاصمة‏,‏ ومحافظي الوجه القبلي والوجه البحري‏..‏
إني مصرية أناشدكم مصريين ومحافظين‏,‏ أن يعود الاحتفال بوفاء النيل في موعده من شهر أغسطس‏,‏ في المحافظات جميعها في وقت واحد‏..‏ في يوم واحد‏,‏ لانتمائنا إليه في عملية ربط الأجيال الجديدة به‏,‏ كما أدعو الي تنافس المحافظات في الاحتفال به‏,‏ تعميقا لمعناه في نفوس الشباب بصفة خاصة‏..‏ ولندخل في المناهج المدرسية‏,‏ النشيد التاريخي الذي توارثناه عن المصريين القدماء الي جانب الأناشيد الجديدة المعاصرة‏,‏ التي تعقد لها المسابقات لاختيار الأحسن والأوفي في عملية ربط الأجيال الجديدة‏,‏ به‏.]‏

وقد شارف أغسطس علي الانتهاء‏,‏ أي مضي شهران علي نشر هذه الرسالة‏,‏ وهما كافيان للاستعداد والإعداد للاحتفال بالنيل‏,‏ فهل نسيه المحافظون الذين عهدنا إليهم بالحفاظ علي مصر نيلا وأرضا؟‏!‏

لقد علمونا في المدرسة والجامعة والحياة‏,‏ أن مصر اسمها وادي النيل ووادي الدين‏..‏ وهذا تاريخها ورسالتها وفخرها‏,‏ فما عدا عما بدا؟

هذه دعوة أجددها وأرددها وفاء للنيل‏,‏ الذي علمنا فيضه الوفاء والعطاء‏..‏ كم أعطي وكم أفاء ووأوفي‏,‏ فليكن الوفاء له‏,‏ نقاء صفحته وجلوة طلعته بإزالة التعديات عليه‏..‏ إزالة الأسوار الفئوية التي سجنته وسجنتنا معه‏,‏ فالسجن أن نعيش محرومين من النيل‏.‏

إزالة المباني الجائرة التي زحفت علي شاطئه‏,‏ وأقحمت نفسها في غلظة وفظاظة عليه‏,‏ وبدون سند أو مسوغ‏,‏ كما أسلفت‏,‏ إلا فقر الاحساس والاستغلال الأشر لما نملك ولا يملكون‏.‏

إني أهيب بمحافظة القاهرة العاصمة والقدوة‏,‏ أن تزيل التعديات الواقعة علي النيل‏,‏ إن جلاء صفحته بمثابة صلاة في المحراب‏,‏
والله‏..‏ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‏..‏
إن أطهر صلاة يوم يزول الشر‏,‏ عنه‏,‏ وعنها‏..‏ عن النيل ومصر‏.‏
مرة أخري أقول‏:‏
يا محافظي مصر كلها‏,‏حاسبوا المعتدي علي النيل كبيرا أو صغيرا‏.‏
لقد عرفت مصر قبل ألوف السنين‏(‏ الضمير‏),‏ أي الوفاء لكل كبير من القيم والمعاني‏.‏
كان قدماء المصريين يسمون‏(‏ النيل‏):‏ حابي‏,‏ بمعني الفيض‏,‏ ويسمونه‏(‏ البحر الأعظم‏)‏ ومازلنا نسميه كذلك حتي يومنا هذا‏...‏ وشايع‏(‏ الكسندر موريه‏)‏ هذا الرأي في كتابه‏:‏
‏(TheNileandCivilization)P,2o‏

إن البابليين والآشوريين الذين قامت مدنيتهم في العراق‏,‏ لم يكن عندهم أنهار في عظمة النيل‏,‏ ليطلقوا عليها ما يقابل في العربية لفظة‏(‏ نهر‏)..‏ حتي دجلة والفرات كانوا يسمونهما باسميهما مباشرة‏.‏

أما العبريون والسريانيون فلا توجد في لغتهم في العصور القديمة أسماء لمجامع المياه الكبيرة‏,‏ إذ ليس عندهم مسمياتها‏,‏ أما لفظة‏(‏ نحل‏)‏ بمعني جدول أو غدير فقد وجدت عندهم بفعل المطر أو السيل‏,‏ قنوات صغيرة أو جداول‏,‏ يقول‏(‏ لسان العرب‏)‏ النيل نهر مصر وفي‏(‏ الصحاح‏)‏ النيل فيض مصر‏.‏

أما‏(‏ القاموس المحيط‏)‏ فلم يزد عن قوله‏:(‏ النيل نهر مصر‏)‏ ولعله معذور‏..‏ ماذا تقول اللغات في‏:‏ النيل ومصر
ومن الطريف أن هناك قرية بالعراق تسمي‏(‏ النيل‏).‏

وجاء في دائرة المعارف الإسلامية‏,‏ أنه وجد في عيون الأدب العربي‏(‏ والنيل هو المقصود في القرآن الكريم‏,‏ بلفظة اليم‏)‏
وقد نقلت عن كتاب‏(‏ الأمكنة‏)‏ للزمخشري تسميته‏(‏ الفيض‏).‏
ولفظة‏(‏ البحر‏)‏ تعني عند المصريين‏(‏ النهر‏)..‏ نهر النيل
وكنت في طفولتي أسمع المحيطين بي من الأهل‏,‏ يقولون‏(‏ البحر‏),‏ وتقول دائرة المعارف الإسلامية إن لفظة‏(‏ البحر‏)‏ في العصور الوسطي كانت تعني عند المصريين‏(‏ النهر‏).‏

وتقول‏:‏ كان النيل يسمي البحر‏,‏ أو بحر مصر‏,‏ حتي فروعه كان يطلق عليها البحر كبحر يوسف أو بحر الغزال‏.‏

وأرجح أن اسم نهرنا النيل قد انحدر إلينا من التسمية الفرعونية‏,‏ التي تطورت في اللهجات القبطية حتي صارت‏(‏ نيالو‏)‏ القبطية‏,‏ وعنها أخذ اليونانيون قولهم‏(‏ نايلو‏)‏ التي انتهت عند العرب بكلمة‏:(‏ نيل‏)..‏

المهم أن النيل عند مصر هو الحدث الكبير‏,‏ والنيل هو مظهر من مظاهر الطبيعة الكبري انحدر إلينا من قلب افريقيا‏,‏ حاملا اكسير الحياة ممثلا مظهرا فخما من مظاهر الطبيعة الكبري‏,‏ التي لعبت في حياة الإنسان‏,‏ وفي حياة الإنسان المصري خاصة‏,‏ دورا كبيرا له أهميته وخطره في حضارته بما تضمنته من فنون وآداب‏.‏

يانيل‏:‏ إن اسمك كمنبعك استأهل من الكثيرين حتي الغرباء‏,‏ البحث والتعليل‏..‏ لقد أوفدت الأمم روادها تستهدي بها الي كشف مجاهلك‏,‏ وجن أفراد في سبيل معرفة المجهول من أمرك‏..‏ ووطيء الرواد مجاهلك ووردوا مناهلك‏..‏ في نشوة النصر يقبسون من عظمتك أقباسا لأوطانهم‏,‏ تحسبها علي الحضارة فيطلقون أسماء ملوكهم علي مساقطك وبحيراتك وروافدك‏,‏ ولكن الأسماء اللامعة تخبو في حضرتك‏,‏ ويذهب الزمن العاتي بأسماء أخري وأصحابها بل ودولها‏,‏ ثم يتقاصر عنك‏,‏ فإذا بك تمضي في زخرك وتنساب في سيرك شامخا شموخ المعتز بنفسه‏,‏ مطمئنا اطمئنان الواثق من قدرته‏,‏ جياشا بما يستوعبه تاريخك من قصص المغامرة وكفاح الإنسان في غابك وواديك علي السواء‏...‏ لا تبالي الصخر لأنك تستعلي عليه فيذعن‏..‏ أو تتودد إليه فيذوب‏..‏ ويكركر ماؤك ضاحكا وهو يجري من خلاله‏...‏ مرهوب مهوب يحسب حسابك‏..‏ مرغوب محبوب يقصد جنابك‏..‏ زأرتك تهول وبسمتك تروع وتأسر‏..‏ فيضك بركة فإذا ما أخلفت تحرقوا شوقا إليك ولهفة‏,‏ إذ منك كل شيء حي‏.‏

ما أكرمك وما أعظمك‏..‏ يكفيك أن ينسب إليك التاريخ أعرق الحضارات‏..‏ حضارة مصر الخالدة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~