الكتاب

42947‏السنة 127-العدد2004يوليو7‏19 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

تحية للشابي‏..‏ شاعر تونس في ذكراه
بقلم‏ :‏ د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

مضي سبعون عاما‏,‏ وحلت ذكري شاعر تونس أبي القاسم الشابي‏..‏ والشابية إحدي ضواحي تورز علي مرأي من شط الجريد الهادئ الحافل بالأسرار‏,‏ ولد الشاعر فأهل علي الدنيا فنان عرفه أهلها ثم تاريخها باسم‏(‏ الشابي‏),‏ إنه أبو القاسم الشابي‏.‏
وإذا كان بعض الأطفال يولدون وفي فمهم أو يدهم ملعقة من ذهب‏,‏ كما يصفون‏,‏ مجازا‏,‏ أبناء المال فإن وليد‏(‏ الشابية‏)‏ كان بين ضلوعه قلب من حرير أو ورق الورد‏,‏ فيه الشفافية والنعومة والنفاسه من الحرير‏,‏ وفيه الرفيف والرقة‏,‏ والعطر والحساسية‏,‏ وقصر العمر أيضا من الورد‏.‏

ولكن القلب الشاعر الذي فوفته الطبيعة بمعاني الورد علي مثال رفيع رائع‏,‏ كانت به من الورد أيضا‏,‏ إبر الشوك من الداء والإعياء والأعداء والمظالم‏..‏ تلك الآفات التي تسلل منفردة أو مجتمعة إلي الموهوب‏,‏ خاصة إذا بلغ القمة كما يزحف العطب إلي التفاحة الرائعة في اكتمال نضجها وتوهجها‏.‏
وترعرع وليد الشابية واستوي شابا‏,‏ ولكن لا كالشباب فهو متوفز الحس والعصاب‏..‏ يطيل الحديث بينه وبين نفسه‏,‏ وإنه لطويل النظرة بعيد التأمل‏..‏ هادئ هدوء البحر الذي يبدو أحيانا ساكن الصفحة ولكن وراء السكون تيارات متباينة‏,‏ وعوالم لا يعرف سرها إلا من يطيل صحبته ويعيش في دنياه‏.‏

وفي هدأة السكون‏,‏ عادة‏,‏ تطيف أوهام المرض ثم تتداعي خيالات العذاب فتلح علي المسكين القابع في ركن قصي يرقب الحياة والأحياء فيطالع عوالم شتي‏..‏ يقول الشابي من قصيدة‏(‏ الدموع‏)‏ في ديوانه‏(‏ أغاني الحياة‏):‏
كلما أسأل الحياة عن الحق
تكف الحياة عن كل همس
لم أجد في الحياة لحنا بديعا
يستيني سوي سكينة نفسي

ولكنه في ديوانه يشعرك بأن هذه الآلام خاصة به هو أما أنت فإنه يدعوك دعوة جادة إلي الحياة‏..‏ إلي الكفاح‏..‏ إلي الاقتحام والانتصار‏.‏
سر مع الدهر‏..‏ لا تصدنك الأهوال‏,‏ أو تفزعنك الأحداث
سر مع الدهر كيفما شاءت الدنيا‏,‏ ولا يخدعنك النفاث
فالذي يرهب الحياة شقي‏..‏ سخرت من مصيره الأحداث‏.‏
وفي سهمة أخري يقول‏:‏
كرهت القصور وقطانها
وما حولها من صراع عنيف
وكيد الضعيف لسعي القوي
وعصف القوي بجهد الضعيف

وقد كانت رهافة الحس هذه بيت الداء عنده‏..‏ فهو منها متوفز الأعصاب دائما‏..‏ يضج كيانه بالحياة والطموح وشعور الاقتحام والتوثب ثم يري حوله قوما يؤلمه ما هم فيه من خمول‏:‏
لا قلب يقتحم الحياة ولا حجي
يسمو سمو الطائر الجواب
بل في التراب الميت في حزن الثري
تنمو مشاعرهم مع الأعشاب
الشاعر الموهوب يهرق فنه
هدرا علي الأقدام والأعتاب
والعالم النحرير ينفق عصره
في فهم ألفاظ ودرس كتاب
الويل للحساس في دنياهم
ماذا يلاقي من أسي وعذاب

‏.......‏
وقد أرهقه حسه‏..‏ واعترف بالإرهاق في حسرة لا تخفي‏:‏
واليوم أحيا مرهق الأعصاب‏,‏ مشبوب الشعور
متأجج الإحساس أحفل بالعظيم‏,‏ وبالحقير
تمشي علي قلبي الحياة‏,‏ ويزحف الكون الكبير
هذا مصيري يابني الدنيا‏,‏ فما أشقي المصير
الديوان قصيدة الجنة الضائعة ص‏157‏

لقد عاش كما قال‏,‏ مرهق الأعصاب‏,‏ مشبوب الشعور‏,‏ متأجج الإحساس يحفل بكل صغيرة وكبيرة حتي ثقل عبء الحياة عليه وفي حياته غبن‏:‏
ما أخال النجوم إلا دموعا
ذرفتها محاجر الأعوام
ويستعلي أحيانا علي الألم فيقول‏:‏
كالنسر فوق القمة الشماء
سأعيش رغم الداء والأعداء
بالسحب والأمطار والأنواء
أرنو إلي الشمس المضئية هازئا
غردا وتلك سعادة الشعراء
وأسير في دنيا المشاعر حالما
وأذيب روح الكون في إنشائي
أصغي لموسيقي الحياة ووحيها

وقد كان هذا القصيد أو النشيد بداية تطور جديد لف روحه كلها وقد عبرت عن هذا قصائده‏:(‏ الصباح الجديد‏)‏ ـ وقصيدة‏(‏ نشيد الجبار‏),‏ وبضعة أشعار‏..‏
ويختلف النقاد في تحليل شخصيته فالأستاذ خفاجي يقول في كتابه‏(‏ مذاهب الأدب‏)‏ إن الشابي متفائل أشد التفاؤل في أعماق نفسه علي الرغم من أحداث الحياة وحزنه علي بلاده ومرضه ص‏158.‏
أقول إنه كان يحب الحياة إنسانا ويتذوقها شاعرا وإلا لما حزن علي تسللها بالمرض‏,‏ ولكن حبه هذا يورثه الأسي عليها‏,‏ وهي تغيض‏.‏
‏(‏مجلة الإمام ـ العدد الخامس بتاريخ‏1934/12/31‏ ص‏40.‏

أقول إنه في‏(‏ ديوانه‏)‏ كثير الانفعال يهدأ ويصخب‏..‏ يضحك ويبكي تكاد تغتاله أوهامه ثم يفيق علي شعاع من نور أو بسمة من زهرة فتنطلق نفسه وتتفاءل‏,‏ وإذا بالوهم يتسلل إليه من جديد‏,‏ وقد لاحظت هذا الشاعرة نازك الملائكة في مقالها بمجلة الآداب العدد السابع السنة الثانية يوليو سنة‏1954,‏ كما لاحظه الأستاذ خليفة التليسي في كتابة‏(‏ الشابي وجبران‏),‏ ومع هذا يقول كاتب آخر هو الأستاذ عبدالله شريط في مجلة‏(‏ الندوة‏)‏ إن الشابي كان يحب الحياة حبا مفرطا‏.‏
وتتفاوت آراء النقاد‏:‏ الأستاذ الحليوي في كتابه‏(‏ مع الشابي‏),‏ والشيخ محمد الفاضل في كتابه‏(‏ الحركة الأدبية الفكرية في تونس‏),‏ والأستاذ محمد بدري في كتابه‏(‏ الشاعران المتشابهان‏)‏ الذي يلتمس له العذر من وقدة الشعور‏,‏ ويقف إلي جانب الشاعر الشابي من مصر‏:‏
الدكتورشوقي ضيف في كتابه‏(‏ دراسات في الشعر العربي المعاصر‏)‏ص‏50.‏
والأستاذ عبدالمنعم خفاجي في كتابه‏(‏ مذاهب الأدب‏),‏ وأقول في تواضع إني وقفت إلي جانب الشابي في كتابي عنه‏(‏ شعب وشاعر‏).‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~