|
|
|
الكتاب
| 42955 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 15 | 27 من جمادى الأولى 1425 هـ | الخميس |
|
معضلات عصرية هل كيري.. أكثر يمينية من بوش؟! بقلم: محمد سيد أحمد
|
|
 |
سؤال قد يبدو غريبا.. ذلك إننا إعتدنا أن ننظر إلي الحزب الجمهوري الأمريكي( مرشحه لانتخابات الرئاسة جورج دبليو بوش) علي أنه إلي يمين الحزب الديمقراطي( مرشحة جون كيري), وليس العكس.. غير أن المداولات التي سبقت القرار باختيار كيري مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة في مواجهة بوش قد انتهت إلي أن أهم ماينبغي أن يشغل البال هو ترجيح جانب المرشح الأكثر قدره علي إنزال هزيمة ببوش, لا المرشح الأكثر تمثيلا لمختلف الاتجاهات داخل الحزب الديمقراطي ذاته.. ومن هنا, فمن الوارد أن يتسم هذا المرشح بسمات قد تختلف عن توجهات الحزب التقليدي.. من المؤكد, مثلا, أن المرشح هاورد دين كان مرشحا أكثر قبولا للناخبين الديمقراطيين من كيري, ولكن قدر الحزب أن فرصه أمام بوش أقل من فرص كيري.. والأمر نفسه ينسحب علي اختيار المرشح لنائب الرئيس جون إدواردز..
ثم هناك حقيقة أن انتخابات الرئاسة في2 نوفمبر القادم هي آخر انتخابات يشارك فيها بوش, وأول انتخابات يخوضها كيري, وهذا يكسب بوش حرية حركة غير متاحة لكيري, ذلك أن بوش قد يكون أكثر حرصا علي بلوغ اتفاق فشل كل حاكم أمريكي قبله في بلوغه, منه حرصا علي تعزيز علاقاته مع هذه الطائفة أو تلك من الناخبين( بمن فيهم يهود امريكا).. في المقابل, قد يحرص كيري علي أن يستعين بشخصيات جمهورية لها احترامها, فضلا علي معرفتها الدقيقة بشئون الشرق الأوسط, لتوسيع دائرة تأثيرة في مجريات الأحداث.. وقد ذكر في هذا الصدد اسم جيمس بيكر( الجمهوري) الذي تولي مناصب مرموقة, ومنها وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد بوش الأب, ولم يستعن به بوش الأبن, بل ربما تجنب عمدا الاستعانة به, لتحفظات بيكر علي بعض سياسات بوش الابن.. ومما يذكر أن توسيع دائرة الذين يحاول كبري اجتذابهم إلي صفة هم في الأرجح لناس يقفون إلي يمينه, لا إلي يساره!..
فشل الحل اليساري للنزاع إن كلينتون ـ كتراث ـ يجسد فشل الحل اليساري للنزاع العربي الاسرائيلي.. الحل الذي ترمز له الآن الجهود المشتركة ليوسي بيلين وياسر عبد ربه.. وقد جسدها اتفاق جنيف.. إن هذا الاتفاق قد لايكون مخرجا.. إنه لايجسد بالضرورة مايمكن بذلة من جهود لإنجاح ماظل متعثرا إلي الآن.. إن قيمة اتفاق جنيف تكمن في أنه إثبات أن تسوية تجمع ممثلين من الطرفين ممكنة الحدوث.. إن هناك فريقا من كل جانب قادراعلي ايجاد أرضية اتفاق مع فريق( أو أكثر) من الجانب الآخر.. ولكن هناك في الظرف الراهن منافسة شرسة بين نهجين.. هناك نهج قائل بأن التسوية ممكنة.. وآخر قائل إن الفصل التام بين الطرفين المتنازعين, واقامة حاجز أمني بينهما, هو أيضا مخرج ممكن, وربما ـ في ظل الردة الراهنة ـ أكثر قابلية للتنفيذ من النهج القائم علي السعي إلي اتفاق.
أرضية أكثر يمينية ثم علينا إدراك أن تسوية المشاكل في الشرق الأوسط قد جرت في ظل حكم بوش علي أرضية أكثر يمينية مما كان عليه الحال في ظل حكم كلينتون.. إن الضغط علي كيري هو الضغط الناجم عن إصراره علي استعادة الصوت اليهودي في انتخابات الكونجرس القادمة, وفي ظرف لايشكل العالم العربي فيه عاملا فعالا لتنمية استراتيجية امريكية كفيلة بتشكيل عنصر ضغط مضاد.. إن الأطراف العربية تسلم ابتداء بأن قدرتها علي الضغط علي أمريكا تكاد تكون معدومة, وأن الأطراف العربية تلجأ إلي نهج المكافأة لا الضغط.. أننا نتحرك في إطار التسليم بفشل عملية السلام.. في إطار قصر التسوية علي مايسمي بخريطة الطريق.. في اطار ايمان راسخ بأنه لايوجد شريك فلسطيني يمكن الاعتماد عليه.. في إطار قبول كيري, وليس فقط بوش, بأن عرفات ليس شريكا مقبولا.. كان كلينتون من قبل يمثل عنصرا داعيا إلي تكثيف الجهود من أجل التوصل إلي تسوية.. أصبح كلينتون الآن قد وصل إلي نتيجة ـ سجلها في كتابة عن حياته الذي نشر اخيرا ـ أن لا أمل قط في قدرة عرفات علي النهوض بالمهام المطلوبة.. إن الجانب العربي بكل أطرافه مازال يؤمن بأن العملية السلام المستندة إلي القرارات السابقة للشرعية الدولية مازالت هي التي تشكل أساس التفاوض, وينطلق الجانب الأمريكي ـ بكل مكوناته ـ من أساس أنه لابد من قرارات جديدة في هذا الصدد, لاتستند إلي ماأنجز في الماضي.. وهذه الأرضية الجديدة هي التي تحدد إسرائيل ملامحها بإقامة الجدار الأمني..
من كلينتون إلي كيري بين آخر محاولات كلينتون لتسوية النزاع الفلسطيني/الاسرائيلي, واولي محاولات كيري.. هذا لو فاز هذا الاخير في انتخابات الرئاسة الأمريكية.. وقعت أحداث11 سبتمبر.. وانقلبت الصورة رأسا علي عقب.. عقب11 سبتمبر مباشرة, طالب شارون بوش باعتبار عرفات بن لادن الشرق الأوسط, ورفض بوش.. رفض إرجاع الصراع الفلسطيني/الاسرائيلي إلي صراع أساسه المواجهة مع الإرهاب.. وقد تختلف الاجتهادات في تفسير سبب رفض بوش تبني موقف شارون وقتذاك, ولكن الأرجح, هو أن بوش قد رأي أنه من الخطورة بمكان استعداء العالم العربي, بل والإسلامي, برمته, لو ضاهي هذين العالمين بالارهاب..
غير أن منطق الأمور, مع تصاعد المواجهة, كان أن انتصر منطق شارون بالتدريج علي منطق بوش, وأن نجح شارون في شد بوش إلي منطقة هو, منطق أن المقاومة الفلسطينية هي في كل صورها إرهاب, وأن احتفاظ صدام حسين بترسانة من الاسلحة للدمار الشامل هو لدعم الإرهاب.. وبالفعل فقط إنتهي الأمر إلي تبني بوش منطق شارون بالكامل.. وحتي يستعيد كيري كسب صوت الناخب اليهودي, بات من الضروري أن يذهب بمواقفه إلي ماهو أبعد من مواقف بوش, ولكن في أي اتجاه؟.. لقد خرج كيري فعلا بشعار أن قضية اسرائيل ينبغي أن تصبح قضية أمريكا.. بعبارة أخري, لاينبغي أن تكون أمريكا مجرد وسيط بين اسرائيل وأطراف أخري, بل أن تعمل من أجل أن يتحقق لاسرائيل كل ماتطمع فيه!.. إن منطق كيري, إذا فاز بالرئاسة الامريكية في الانتخابات القادمة, إنما يقتضي نقله كيفية لاتكون مجرد امتداد لموقف بوش وشارون.. إنه موقف جدير بالدراسة المتأنية.. ولايصلح في تقييمه مجرد الرجوع إلي مافات, بل يتطلب البحث عن سبل جديدة تتجاوز المأزق الراهن..
لقد أصبحنا بصدد قضيتين لاقضية واحدة.. وقضية العراق بصدد إشكالية لاتتطابق مع القضية الفلسطينية كلية.. وقد نجح بوش في طرح قضية العراق كوجة أخر للقضية الفلسطينية, وأن كليهما معا وجهان لمخطط كبير يشكل ـ اقليميا ـ الشرق الاوسط الموسع, وعلي صعيد العالم, المشروع الامريكي الامبراطوري, باعتبار امريكا القطب الأوحد في عالم أحادي القطبية.. والسؤال المطروح هو: ماموقف كيري من هذه المعادلة التي ابتدعها بوش وقد تتسم بقدر من الاتساق من وجهة نظر القوي المحافظة الامريكية؟.. ولكن لاتحمل المعني ذاته في نظر القوي المعارضة للحزب الجمهوري, المنبثقة من الطبقة الوسطي في امريكا, والتي كثيرا ماعانت الأمرين من هيمنة القوي الامبراطورية الامريكية.. لقد حان الوقت أن يكون لنا ـ كعرب ـ مخطط كامل إزاء الانتخابات الرئاسية الامريكية, ويعني ذلك في المقام الأول حسم المفاضلة بين بوش وكيري.. علي أساس دراسة موضوعية, ووضعا في الاعتبار أن كيري أصبح يتقدم علي بوش بفارق6 نقاط.. وياحبذا لو تولت الجامعة العربية هذه الدراسة.. هل في الامكان التوصل إلي موقف عربي موحد في هذا الصدد؟..
هل يضارب العرب ويراهنون علي بوش, وعلي إحتمال أن تكون رئاسته الثانية أقل إنحيازا للوبي اليهودي, وأكثر إنشغالا بمجد شخصي يسعي بوش إلي تحقيقه لنفسه؟.. هل هذا ممكن في ضوء حالة الكراهية التي أصبحت تتفشي في مختلف أرجاء الأمة العربية إزاء امريكا, وقد بلغت حدا غير مسبوق, خاصة بعد كشف أسرار السجون العراقية؟.. أم هل يستبعد العرب ترجيح طرف بوش بتاتا؟.. وهنا تصطدم هذه الأطراف بسياسات كيري الراهنة, التي تتعمد محاكاة بعض مواقف بوش, بدلا من تأكيد تمايزها عنه؟.. هل يؤكد كيري تمايزه عن بوش بأن يتبني سياسة إجمالية أساسها تولي الأمم المتحدة, لا الولايات المتحدة, تقرير مصير العراق, والسياسة الخارجية عموما؟.. وأن تكون سياسته إزاء فلسطين الاعتراف فعلا بالدولة الفلسطينية, لامجرد شعار يلقي للتنفيس لا للتنفيذ؟.. هل يدرك كيري أن مستقبله السياسي إنما يتوقف علي تسليمه بأن المستقبل لنظام عالمي متعدد الأقطاب؟..
ثم متي يدرك العرب أنهم لن يجنوا ثمرة هذا المستقبل مالم يكن لهم دور ملموس في صنعه؟.. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|