|
|
|
قضايا و اراء
| 42955 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 15 | 27 من جمادى الأولى 1425 هـ | الخميس |
|
وراء الحقيقة كلام في كلام بقلم : محمد التهامي
|
|
لاشك في أن الكلمة هي ترجمان فكر الإنسان وهي جسر الاتصال ووسيلة التفاهم بين الناس, فهي توقظ العقول وتثريها وتصوغ الأفكار وتعمل علي تلاقيها وتفاعلها, وتهيئ ملكات الإنسان للانطلاق إلي تحقيق معني الحياة وحكمتها وغاية الوجود فيها.. فالحياة لا يستدل عليها إلا بالحركة, ولا تتحقق غايتها إلا بالعمل وادعاء الحياة بلا حركة ولا عمل موت لاشك فيه. ولذلك فالكلمة وسيلة وليست غاية والاستغراق فيها دون تحقيق الهدف منها ضياع ومن قريب قرأت في إحدي الصحف مقالا يسخر من كثرة المتحدثين والمتحاورين حول مشاكلنا القائمة في الصحف والإذاعات المختلفة والفضائيات المتعددة والكاتب علي حق, فقد أصبحنا لكثرة ما يقال وقد ضاعت منا الحقيقة بين شطحات ذوي الآراء المختلفة, وأصبحنا في حاجة إلي تنسيق الآراء وترشيدها.
والآن وقد زادت مساحة الكلمة عندنا علي المقرر لها, أصبح واجبا علينا أن نلتفت إلي ما هو أهم, وهو العمل إذ أنه الغاية المثلي من الحياة كما قدمنا, لأن قيمتنا في الحياة في الداخل والخارج يحددها إنتاجنا الذي نستهلكه فيما يسد حاجتنا من غذاء وكساء وضروريات الحياة لنعيش ونصدر الفائض ليعم الثراء. وقد اضطررنا اضطرارا لشرح هذه البدهية لتستقر في أذهاننا ونحن نمعن النظر في أوضاعنا الحالية المتمثلة في سبعين مليونا يوفرون الثروة البشرية الهائلة التي تعتبر ـ في غير بلادنا ـ من أهم عناصر التقدم في الحياة, يعيشون علي ضفاف أعظم نهر في الدنيا وهو نهر النيل, ويتمتعون بطبيعة جغرافية ومناخية وسط ملائمة يحسدهم عليها العالم كله ويتنقلون علي أرض أخرج أجدادنا الفراعنة من باطن مناجمها الذهب من آلاف السنين ونحتوا من الجرانيت فيها مسلات خالدة تتزين بها حتي الآن ميادين كل عواصم العالم المتقدم تقريبا.
هؤلاء المصريون الآن يعيشون حياة غير منطقية, بل لا يكاد يصدقها عقل لاختلاط الأوضاع فيها, فالثروة البشرية عندهم أصبحت عبئا عليهم يكتم أنفاسهم وهم يأكلون كل ما ينتجون وأكثر منه ويستدينون ليستوردوا ما يأكلون من قمح إلي بلد كان يوما ما ـ كما يقول تاريخ الإمبراطورية الرومانية ـ مخزن غلال العالم حتي أصبحوا أفقر الفقراء ـ كما تقول إحصائيات الأمم المتحدة ـ وفيها أن أكثر من20 مليونا من المصريين تحت مستوي خط الفقر. وفي بعض الإحصائيات التي تنشر في الصحف علي يد ثقاة المتخصصين( أهرام7 يوليو2004) ما يدل علي أن المصريين يأكلون ولا ينتجون ولا يصدرون.. فعلي سبيل المثال تبلغ نسبة ما تصدره مصر من المنسوجات إلي السوق الأوروبية ما يعادل2 في الألف, بينما تصدر بنجلاديش أصغر وأحدث دولة في العالم المتخلف ما يعادل4%, و كينيا الدولة الإفريقية المتواضعة تصدر من الزهور30 ألف طن في السنة, بينما تصدر مصر مائة طن, وتونس الجارة الصغيرة الناشئة تصدر من الملابس الجاهزة إلي أوروبا ما قيمته2,5 مليار يورو, بينما تصدر مصر بلد القطن الممتاز ما قيمته800 ألف يورو فقط.
يحدث كل هذا ونحن نتكلم ونستطيع أن نزعم أننا من أمهر الناس في ثقافة الكلام, ولكننا لا نتقن العمل ونعيش في جزر منعزلة.. فالتعليم عندنا ـ مثلا ـ لا علاقة له بالإنتاج, مع أن الناس يعلمون ليعملوا أساسا وينتجوا.. ورءوس الأموال عندنا تستعجل الربح ولو كان حراما وتعني بالاستهلاكيات أكثر من الإنتاجيات.. والمواد الخام عندنا مبعثرة لا يلتفت إليها أحد.. والمواصلات مقطوعة بيننا وبين الأسواق القريبة منا والبعيدة عنا.. والأيدي العاملة عندنا تئن من البطالة حتي أصبحت مشكلة البطالة عندنا من أعقد المشاكل وأصبحنا نلهث في سبيل أن يعمل العاطلون بأي وسيلة وفي أي مكان وانقلبت الآية وأصبحت المشكلة أن نجد مكانا لليد العاملة قبل أن ندرس ماذا تعمل هذه اليد وأين مكانها من الإنتاج.. وهذا هو الأساس والهدف من أي عمل. لقد أصبحت الحاجة ماسة جدا عندنا إلي أن نصوغ همزة الوصل بين القول والعمل, وأن تربط الأسلاك المتنافرة في مراكز الحركة المختلفة حتي تنطلق آلات الإنتاج البشري والمادي والطبيعي إلي العمل الذي هو أساس الحياة حتي نعيش. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|