قضايا و اراء

42955‏السنة 127-العدد2004يوليو15‏27 من جمادى الأولى 1425 هـالخميس

معرفة البشر بأنفسهم‏..‏ وبغيرهم
بقلم ‏:‏ رجائي عطية

معرفة البشر بأنفسهم وبالعالم الذي يعيشون فيه‏,‏ ليست إلا تمثلا بشريا لواقع الآدمي في هذه الدنيا كما يبدو مصادقا لاقتناعه الداخلي‏,‏ مع افتراض استمرار تغير هذا الواقع زمانا ومكانا‏,‏ وهو تمثل يشمل دائما كل ما مع الآدمي ـ من العموميات والمسميات والمفاهيم والتجارب والفروض والنظريات التي لابد أن تتغير سريعا أو وئيدا مع تغير الأجيال والعصور‏..‏ فيه حذف وزيادة‏,‏ وتعديل وتبديل ومحسوس وغير محسوس‏,‏ ومن المستحيل منه لأنه وليد رغبات وميول جماعات بشرية قد يحركها أو يتسبب فيها جهود أفراد سرعان ماتتواري جهودهم حين تستقر إلي غايتها وتعلن الجماعة عن رغباتها وميولها‏!‏
ولذلك كان الآدميون ومازالوا عرضة للغلط والخطأ والخطيئة والذنب والاثم والشر‏,‏ وقابل ذلك ويقابله ـ اعتقاد في اقتران التوبة الخالصة المخلصة‏,‏ بالعفو والاتزان والرحمة‏..‏ قل ياعبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم‏(‏ الزمر‏53)‏ وهذه المقابلة تبدو ضرورية لاغني عنها لاستمرار حياتنا الواعية في عملها علي هذه الارض التي لامناص فيها عن الخطأ ولا عن أبواب رحمة التوبة والغفران‏!‏

ويبدو ان حياتنا الواعية كلها قائمة علي المقابلات بين الصغر والكبر والضعف والقوة واليقظة والنوم والجوع والشبع والنشاط والكسل والرضا والسخط والقناعة والطمع والجرأة والخوف والعلم والجهل والفطنة والغباء والامل واليأس والفرح والحزن والمتعة والملال‏!‏
والآدمي لايفطن إلي تلك المقابلات والانتقالات من حالة إلي عكسها‏,‏ إلا اذا كانت علي درجة من القوة تسترعي انتباه وعيه إليها‏,‏ اما غير ذلك فلا يشعر به الآدمي‏,‏ ولايلتفت إليه‏..‏ وتلك ظواهر طبيعية تجري وتتوالي في اطار عمل الأجهزة داخل الآدمي‏,‏ وسلطانه الواعي عليها محدد في نطاق درجات متفاوتة من امكانية اخضاعها لارادته وضبطها وتوجيهها‏.‏

فليس في الحي ـ آدميا و غير آدمي ـ شيء ثابت علي حاله طوال حياته‏..‏ حتي ذاته أو نفسه‏,‏ فهي تتغير وتتطور‏,‏ وتقوي وتضعف‏,‏ برغم احتفاظها بشعورها المتصل بثبات وحدتها وهويتها‏,‏ ولذلك كانت أحكامنا بالنسبة لانفسنا ولغيرنا أو عليهم هي أحكام وقرارات نسبية عرضة للتبديل والتغيير منا ومن غيرنا مهما كان اصرارنا عليها أو اعتقادنا في اطلاقها ونهائيتها‏!!‏
وأفراد البشر أقارب وغير أقارب أصحاب وغير أصحاب‏,‏ هم دائما أغيار في الحقيقة والواقع‏,‏ لكنهم لنسبية وكثافة العلاقات والروابط الاجتماعية التي يتحركون من خلالها ـ لايستطيعون العيش دون الوعي بالقرابة والصحبة في مواجهة البعد والغربة‏,‏ وهم يسندون كلا من هذين الوضعين إلي أسباب اعتنقوها وألفوها وصارت أعرافا وعقائد لديهم يصعب الآن تحويلهم عنها بعامة‏..‏ علمنا قليل قليل‏,‏ وجهالتنا أكبر ـ بما ورثه كل منا من أبويه وأجداده وفروعهما‏,‏ لايستطيع وعينا ان يتعلق أو يشعر بعلاقة وراثية تربطه بأي من أولئك الآباء أو الاجداد‏!‏

عالم البشر علي مافيه من غلواء وضوضاء وكثرة سخط ولغط ـ عالم مرن شديد المرونة‏,‏ تعود نواقصه حتي قل التفاته اليها‏,‏ وربما بدأ في السنوات الاخيرة يتعود استغلال واستثمار فضائله ومهاراته في التعرف العميق علي ماتنطوي عليه البيئة الخارجية من مخبآت وقوي وطاقات هائلة يمكن بقدر من المثابرة مع الاجتهاد والصبر‏,‏ ان تقضي نهائيا علي وجود الفاقة والفقر بين البشر‏,‏ فيبدأون تاريخا جديدا كل الجدة لاتعرف صحائفه معني الحاجة والمحتاجين‏!‏
حتي الآن لم تلتفت الحضارة الحالية التفاتا واعيا جادا إلي الاحتياج والي المحتاجين في عالمنا‏,‏ فهي منكبة انكبابا رائعا علي دراسات ظواهر الطبيعة‏,‏ واستنباط مايمكن استنباطه منها من طاقات وأجهزة ووسائل وأدوات وسلع للاستعمال والاستهلاك‏,‏ لكنها لاتكاد تلتفت لاوضاع البشر أنفسهم وانقسامهم المزمن الهائل إلي محتاجين وغير محتاجين‏!‏

بعد الغاء الرق في النصف الثاني من القرن قبل الماضي ـ لم يخط العالم المتحضر خطوة فاعلة لالغاء الاصل الذي ترتب عليه الرق‏,‏ وهو الضعف والحاجة والقوة والسطوة‏,‏ فبقي المحتاجون علي حاجتهم وزاد عددهم‏,‏ كما زاد تعرضهم للحاجة والهوان وخضوعهم لضغط القوة والسطوة وعدم المبالاة‏!‏
كذلك لم تنجح الملل والأديان في الوصول لعلاج شاف لدوام وجود الحاجة والمحتاجين في جميع المجتمعات البشرية طوال العصور والدهور‏,‏ برغم ان بناة الأديان والملل كانوا من أشد الخلق فهما وعطفا وانحيازا للمحتاجين في زمانهم‏,‏ وغاية ما انتهت إليه الأديان والملل في هذا الصدد هي اقامة الأديرة والتكايا والخلايا والمستوصفات والملاجيء‏,‏ فبقي جيش المحتاجين علي حاله من الحاجة‏,‏ وزاد كثرة علي كثرة‏,‏ برغم سعي الأديان والملل لحث القادرين علي بذل صدقات لاتجدي ولاتغني جحافل الاحتياج البائسة في عالمنا المعاصر‏!‏

ومايشاهد اليوم هنا وهناك من كثرة المؤسسات والجمعيات الاجتماعية والخيرية وكثرة العقائد والنظم والنظريات والمباديء في علاج سلبيات المجتمعات الانسانية‏,‏ كل ذلك فيما يبدو قليل الجدوي ازاء الزيادة المطردة في عدد أفراد كل جماعة بالنسبة لما تتيحه الجماعة أو يمكن ان تتيحه في ظروفها الراهنة‏,‏ لان الخلل في توزيع ثمار الانتاج مع التسليم بوجود أسباب لهذا الخلل ـ يستحيل وحده ان يتسبب في وجود المحتاجين الذين هم غالبية الناس عددا في كل مكان فالبشر بعامة أغنياء وفقراء ينبغي ان يزيدوا انتاجهم في كل بلد زيادة مهمة محسوسة ليحموا الأغنياء وغير الاغنياء من احتمال الانفجار بفعل جيش المحتاجين الذي يبدو الآن انه يتحرك نحو هذا الانفجار‏!‏
اذا كان يسوغ أن يوجد غير الغني إلي جوار الغني في أية جماعة‏,‏ فان وجود المحتاج ينطوي علي أذي وهمجية وانكار لمعني المساواة في الحياة والاعتراف بحقوقها لكل البشر‏,‏ ومنها حق كل آدمي في ان يجد مايكفيه مما يمكنه الحصول عليه بسعيه المشروع في عالم لم يعد فيما يبدو يفسح مجالا إلا للأقوياء‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~