قضايا و اراء

42955‏السنة 127-العدد2004يوليو15‏27 من جمادى الأولى 1425 هـالخميس

محاكمة صدام ومحاكمات نورمبرج
بقلم ‏:‏ د‏.‏ عمرو مبروك
استاذ مساعد جراحة التجميل
طب عين شمس

كان لرؤية صدام حسين مكبلا بالأغلال وقد فقد الكثير من وزنه وبدت لحيته وإن كانت مشذبة تختلف كثيرا عن الوجه الذي ملأ الدنيا تحديا واستخفافا بأعدائه حتي أن الملايين من البسطاء صدقوا أوهام القوة واسطورة النصر‏.‏ وكان لملابسه التي ظهرت وهي تكاد أن تكون مهلهلة عليه لفقده وزنه تذكرة بطريق غير مباشر بما كان عليه من تأنق شديد من قبل‏.‏ كل هذا أثار في النفوس شجونا فرغم أن هذه المحاكمة تقع تحت سيطرة قوات التحالف وشرعيتها تحت شكوك قانونية عديدة‏,‏ وكان من الأفضل أن تجري بعد انتخابات حرة بالعراق‏,‏ إلا أن رؤية صدام في هذا الموقف قد اثلجت صدور الملايين من ضحايا صلفه وغروره‏,‏ ومن الصعب تخيل ما كان سيكون عليه حال العراق لو لم يدخل صدام في حروبه الفاشلة التي اثخنت جراح المنطقة وقضت علي تقدم ورخاء كانت هي أهل له ومن الصعب أيضا تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو لم يصل صدام للحكم فهو السبب المباشر لما صار إليه حال العراق اليوم‏.‏ وتبدو محاكمة صدام اليوم مثل محاكمات نورمبرج التي أجراها الحلفاء لقادة ألمانيا النازية بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في عامي‏1945‏ و‏1946‏ وقد قصد بها اقتلاع النازية من قلوب الألمان وكشف جرائمها للعالم ومعاقبة مرتكبيها عقابا رادعا يمنع تكرار ما حدث من فظائع في الحرب العالمية الثانية‏.‏ وإن كانت هذه المحاكمة الرئيسية التي انعقدت لمحاكمة رؤوس النازية هي التي استرعت انظار المؤرخين والمحللين‏.‏ وقد غاب عن هذه المحاكمة البطل المأساوي الرئيسي الا وهو هتلر الذي انتحر لكي يحرم الحلفاء من تلك الفرصة وكذلك فعل جوبلز وزير الدعاية النازية وهيملر قائد الجستابو الرهيب ومارتن بورمان قائد الشبيبة الهتلرية وقوات العاصفة الذين ملأوا الدنيا رعبا وخزيا ودمارا‏.‏ ولكن كان هناك صيد ثمين وقع في قبضة الحلفاء وهو هرمان جورنج ماريشال الرايخ وقائد قوات الطيران والرجل الثاني كما كان يحلو له أن يلقب نفسه رغم أنه فقد الكثير من سلطته ونفوذه عند هتلر في الأيام الأخيرة وهو الطيار الشهير في الحرب العالمية الأولي الذي نجح في اكتساب ثقة هتلر ووقف بجواره في أيام النازي الأولي وأصبح نائبا في البرلمان لكي يصبح رئيسا له في عام‏1933‏ ممهدا الطريق لتعيين هتلر مستشارا للرايخ وديكتاتور ألمانيا الوحيد‏.‏ وكان قائدا لسلاح الجو الألماني الذي قصف ودمر أوروبا تدميرا شديدا أتي علي الأخضر واليابس‏.‏ وعلي عكس باقي قادة النازي الذين حاولوا أن يتنصلوا من المسئ
ولية بقول أنهم كانوا منفذين للأوامر وبدوا في حال من الوهن والضعف تحت الضغط يكاد يثير الشفقة‏,‏ إلا أن جورنج حافظ علي ثباته وتحمل مسئولية الوصول إلي الحكم وما دار في الحرب وانكر معرفته بالتعذيب وزج الملايين في المعتقلات ورغم أن دفاعه عن نفسه كان مهترئا ومليئا بالثغرات‏,‏ إلا أن ثباته ورباطة جأشه جعلت منه النجم المأساوي لهذه المحاكمات وكان الحكم كما هو المتوقع الاعدام شنقا وهو ما رفضه جورنج لأنه كان يبغي الاعدام رميا بالرصاص صيانة لشرفة العسكري‏(‏ الذي لم يعمل هو علي حمايته‏)‏ فقتل نفسه بالسم قبل التنفيذ بساعات‏.‏ ولعل ما أبقي جورنج رابط الجأش حتي النهاية ايمانه الشديد بأن التاريخ سينصفه وسيكون رحيما به بل وصل به الأمر إلي الاعتقاد الجازم بأن الشعب الألماني سيقيم له ولزملائه نصبا تذكاريا‏.‏ واليوم بعد ستين عاما لا يذكر الشعب الألماني جورنج ورفاقه إلا بأنهم مسئولون عن مأساة أجيال عديدة وملايين من سكان العالم ولم يقام النصب التذكاري ولن يقيمه أحد‏.‏ واليوم ونحن نري صدام رابط الجأش محاولا أن يمسك بزمام أمور محاكمته لا يسعنا إلا أن نذكر جورنج وما فعله قبل ستين عاما ونعجب أن يعيد التاريخ نفسه ولا يجد من يتعظ به وربما يظن صدام أن الشعب سيقيم له نصبا تذكاريا وربما سيفعل الشعب ذلك حتي يذكر أبناءه بألا يسمح لأحد مثل صدام بأن يصل لسدة الحكم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~