|
|
|
قضايا و اراء
| 42955 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 15 | 27 من جمادى الأولى 1425 هـ | الخميس |
|
هذا هو الإسلام: حديث القرآن عن الرجل والمرأة(18) شمن وجوه الاختلاف بينهما في الشهادة( أ) بقلم : فضيلة الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف
|
|
 |
كلمة الشهادة وما اشتق منها من الكلمات التي تكرر ورودها في القرآن الكريم. ومعناها: أن يخبر الإنسان بما رآه, وأن يقر بما علمه إخبارا قائما علي الصدق, وعلما مبنيا علي التثبيت. وقد مدح القرآن الكريم عباد الرحمن وجعل من بين صفاتهم: أنهم يشهدون الشهادة الحق, ويبتعدون عن شهادة الزور والكذب فقال ـ تعالي ـ:[ والذين لايشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما] الفرقان:72.
ونهي ـ سبحانه ـ عن كتمان الشهادة فقال ـ تعالي ـ:[ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه] سورة البقرة:283. وفي الحديث الصحيح: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
والذي يتدبر القرآن يجد أن أطول آية من آياته وهي التي تسمي آية الدين, قد تحدثت بشيء من التفصيل عن المعاملات التي لا غني عنها, وعن الديون وتوثيقها, وعن الشهادة التي تحق الحق وتبطل الباطل.. تحدثت عن كل ذلك بأسلوب حكيم, وبمنطق بليغ واضح, باتباعه يظفر كل صاحب حق بحقه كاملا غير منقوص, وهذه الآية هي قوله ـ تعالي ـ:[ ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلي أجل مسمي فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل, ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخري ولا يأب الشهداء إذا مادعوا ولاتسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلي أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدني ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولايضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم] سورة البقرة: الآية382.
أي: عليكم ـ أيها المؤمنون ـ إذا تعاملتم بالديون إلي أجل محدد أن تكتبوها, وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها, بأن يكون علي معرفة بشروط العقود وتوثيقها, ومعرفة ما يكون من الشروط موافقا لشريعة الإسلام ومايكون منها غير موافق. وعلي هذا الكاتب أن يلزم الحق مع الطرفين في كتابته, لأن الحق أحق أن يتبع مع البعيد ومع القريب ومع غيرهما. ثم نهي الله ـ تعالي ـ من كان قادرا علي الكتابة عن الامتناع عنها متي دعي إليها فقال ـ تعالي ـ:[ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب].
ثم انتقلت الآية الكريمة بعد ذلك إلي بيان من يتولي الإملاء فقال ـ تعالي ـ:[ وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا]. أي: وعلي المدين الذي عليه الدين لغيره وقد التزم بأداء هذا الدين لهذا الغير أن يملي علي الكاتب هذا الدين وذلك ليكون إملاؤه إقرارا منه بالحقوق التي التزم بالوفاء بها في وقت معين, وعليه كذلك أن يراقب الله ـ تعالي ـ في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئا, لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله ـ تعالي ـ.
وقد أمر الله ـ تعالي ـ أن يكون الذي يملي علي الكاتب هو المدين, لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة, ولأنه بإملائه يكون قد أقر علي نفسه بما عليه, ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين أو يملي شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين, ولأن المدين ـ في الغالب ـ في موقف ضعيف فأعطاه الله ـ تعالي ـ حق الإملاء علي الكاتب حتي لايغلب من الدائن. وكما أمر الله ـ تعالي ـ من يحسن الكتابة في أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة, أمر الشهود ـ أيضا ـ بعدم الامتناع عن الكتابة, فقال ـ تعالي ـ:[ ولا يأب الشهداء إذا مادعوا...].
أي: ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة الحق متي طلب منهم ذلك, صيانة للحقوق عن الضياع وعدم ردها لأصحابها. ثم أمر الله ـ سبحانه ـ بكتابة الديون سواء أكانت كثيرة أم قليلة فقال ـ تعالي ـ:[ ولاتسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلي أجله]. والمقصود بالسأم هنا: الملل والضجر والتردد الطويل في فعل الشيء المطلوب. ثم أباح ـ سبحانه ـ في التجارة عدم الكتابة, وكرر الأمر بالإشهاد, ونهي عن المضارة, وختمت الآية بالأمر بخشية الله ـ تعالي ـ وبتذكير المؤمنين بنعمه عليهم فقال ـ تعالي ـ:[ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولايضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم].
والمعني: إن الله ـ تعالي ـ يأمركم ـ أيها المؤمنون ـ بكتابة الديون, إلا أنه أباح لكم عدم الكتابة في التجارة الحاضرة التي يجري فيها التقايض في المجلس, والتي تكثرون من التعامل فيها ليلا ونهارا.. وهذا لايمنع من الإشهاد إذا اقتضي الأمر ذلك, ولايجوز للدائن ولا للمدين إلحاق أي أذي أو ضرر بالكائن أو الشاهد, لحملهما علي اتباع غير الحق في الكتابة أو الشهادة..
وإن فعلتم ـ أيها المؤمنون ـ سوي ما أمرناكم به أو نهيناكم عنه, خرجتم عن حدود الاستقامة والعدالة, وتابعتم بالفسوق والمروق عن طاعة الله, وصرتم مستحقين العقوبة. وصونوا أنفسكم عن كل مايخالف شريعتكم السمحاء, فإن فعلتم ذلك زادكم الله ـ تعالي ـ من علمه وفضله وعطائه, وهو ـ سبحانه ـ عليم بكل شيء وسيجازي الذين أساءوا بما عملوا ويجازي الذين أحسنوا بالحسني. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|