قضايا و اراء

42955‏السنة 127-العدد2004يوليو15‏27 من جمادى الأولى 1425 هـالخميس

رسالة مفتوحة إلي الحكومة الجديدة‏!‏
بقلم‏ :‏ مـرسي عطـا اللـه

من بين ما يختلط علي الفهم العام هذه الأيام‏,‏ أن يري البعض في خطوات التغيير والإصلاح والتحديث‏,‏ التي تتسارع علي أرض مصر هذه الأيام‏,‏ أنها خطوات مرحلية تستهدف تفادي عاصفة الفرض الإصلاحي من الخارج‏,‏ التي تنطلق رياحها من الأجندة الأمريكية‏,‏ لأن مصر كانت أسبق من الجميع في أن تعلن ـ ومنذ اللحظة الأولي ـ موقفها الواضح والصريح من كل هذه الأطروحات‏,‏ ليس لأن مصر ترفض الإصلاح وانما لأن شعب مصر ـ باستثناء قلة محدودة ـ قال كلمته بوضوح‏,‏ بأنه ليس مستعدا لقبول الدخول الي جنة الإصلاح الأمريكي‏,‏ وأن الإصلاح يجب أن يتم من داخل مجتمعاتنا وبارادة ذاتية خالصة‏..,‏ ومن بيان الرياض الذي أعلنه الرئيس مبارك‏,‏ وولي العهد السعودي الأمير عبدالله‏,‏ الي وثيقة الإسكندرية التي شارك في صياغتها حشد من صفوة المثقفين العرب‏,‏ كان العنوان واضحا وهو‏:‏ لا إصلاح إلا من الداخل‏.‏
ومعني ذلك أنه لا مجال لأية اجتهادات ـ بحسن أو سوء النية ـ لربط هذه الخطوات المتسارعة في مصر‏,‏ بأي حسابات سوي حسابات المصلحة الوطنية‏,‏ وضرورات المراجعة والتصحيح التي تفرضها الحقائق المعيشة علي أرض مصر‏.‏

وأفرغ بسرعة من هذه المقدمة الإيضاحية‏,‏ لكي أتوجه الي صلب ما أريد أن أتحدث عنه اليوم بشأن المهام الضرورية والعاجلة التي ينتظرها الناس من الحكومة الجديدة‏,‏ التي أصدر الرئيس مبارك قرار تشكيلها برئاسة الدكتور أحمد نظيف‏.‏
ولست أجنح الي المبالغة‏,‏ عندما أقول إن مهمة إعادة الثقة بين أجهزة الدولة والمجتمع ينبغي أن تسبق كل المهام الأخري‏,‏ لأنه مع غيبة جسور الثقة سوف يكون من المستحيل أن يشعر الناس بأي انجاز مهما كبر حجمه ومهما تعاظم أثره‏.‏

إن إعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع‏,‏ هي السبيل الوحيد لتيسير مهمة العبور من أوضاع نحلم جميعا بتغييرها الي أوضاع جديدة‏,‏ حددها خطاب التكليف من أجل إعادة صياغة مسيرة العمل الوطني باتجاه الحلول الجذرية للمشكلات الجوهرية‏,‏ التي تمس الحياة المعيشية للناس من ناحية‏,‏ والطموحات المشروعة من أجل اللحاق بالعصر وأدواته من ناحية أخري‏.‏
إنني أتصور مناخا جديدا تسعي حكومة الدكتور نظيف الي ارساء قواعده‏,‏ من أجل جذب انتباه المجتمع ككل باتجاه المستقبل‏,‏ وانهاء مرحلة الالتفات الي الماضي‏,‏ لأن معظم أسباب ضعفنا وتعثر خطانا وعجزنا عن بلوغ الدرجة اللائقة من العلم والمعرفة‏,‏ يرجع الي وجود من يريدون استمرار التشبث بالماضي دون ادراك‏,‏ لأن هذا الماضي فضلا عن أن صلاحيته قد انتهت فإن الاستفادة بدروسه ليست مجرد ترديد للشعارات‏,‏ وانما بتوظيف هذه الدروس وفق شروط الحاضر ومعطياته‏.‏

أريد أن أقول بوضوح‏,‏ إنه قد آن الأوان لكي يري الناس في مصر حكومة قوية وقادرة ومستنيرة‏,‏ تفرض هيبتها دون تجاوزات‏,‏ وتفصح عن نياتها وطموحاتها دون اسراف‏,‏ وتتجه ـ وبأقصي سرعة ممكنة ـ لكي تجعل من التغيير الوزاري نقطة بداية حقيقية وجذرية باتجاه التغيير الشامل‏.‏
لقد آن الأوان للسير باتجاه مناخ سياسي واجتماعي وثقافي جديد‏,‏ لا يتجاهل قيم الآباء والأجداد من ناحية‏,‏ ولا يتجاهل متطلبات العصر وضرورات الحداثة من ناحية أخري‏,‏ وذلك يتطلب وعيا فكريا ينطلق من صحة اليقين بأن الحكمة ليست حكرا علي عصور بعينها‏,‏ ولا علي أمم وشعوب دون غيرها‏,‏ إنما الحكمة والتقدم هما نتاج العلم والمعرفة‏.‏

نعم لقد آن الأوان لكي نرسخ دعائم دولة الحق والقانون‏,‏ التي تستظل بشمس الحرية وترفرف عليها أعلام الديمقراطية‏,‏ وتسود ربوعها بذور ونباتات القيم الإنسانية الرفيعة التي تعلي قيمة الإنسان وتعزز روح الانتماء‏,‏ وتشيع أجواء الرغبة في التسابق نحو الابداع في جميع المجالات‏.‏
إن المسألة أكبر من أن ينظر إليها بمنظار مادي‏,‏ يرتكز الي مجرد الأخذ بهذه النظرية أو تلك في التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ التي لم تعد هاجسا يؤرقنا وحدنا‏,‏ وإنما باتت هاجسا يؤرق الجميع بما في ذلك الدول الغنية والمتقدمة‏.‏

لعلي أكون أكثر وضوحا وأقول‏,‏ علي سبيل المثال‏:‏ إن كثيرين توهموا أن مجرد الانتقال باقتصادنا من مرحلة الاقتصاد الموجه‏,‏ الي آفاق آليات السوق‏,‏ سوف يؤدي تلقائيا الي قفزة اقتصادية تضعنا في صفوف النمور الاقتصادية العملاقة‏,‏ ولكن التجربة أثبتت أن المسألة أكبر وأعمق من مجرد الانتقال من نظام الي نظام‏,‏ ومن الأخذ بنظرية مكان نظرية أخري‏.‏
إن حرية السوق ـ مثلا ـ لايمكن لها أن تلبي المتطلبات التحتية في أي مجتمع‏,‏ ما لم تكن هذه الحرية الاقتصادية جزءا من مناخ أرحب‏,‏ لا أقصد به مناخ الحرية السياسية فقط وانما أقصد به حرية الفرد في الأداء‏,‏ بعيدا عن قيود العمل الإلزامي التي جعلت من أداء العمل شيئا أشبه بأداء العقوبة‏.‏

وربما يكون ذلك مدخلي لما أريد أن أتحدث عنه بشكل مباشر‏,‏ كأحد المهام الأساسية التي ينبغي علي حكومة الدكتور نظيف أن تضعها علي صدر أولويات أجندتها‏,‏ حتي يكون بمقدورها الوفاء بالتكليفات التي وردت في خطاب الرئيس مبارك لها‏.‏
أريد أن أتحدث عن ثقافة العمل في مصر‏,‏ وضرورة تغييرها لكي يصبح العمل واجبا مثلما هو حق‏,‏ وعطاء مثلما هو أخذ‏,‏ وحسابا يخضع لكل معايير الثواب والعقاب‏,‏ التي أخذت بها الدول المتقدمة منذ سنوات بعيدة‏.‏

واذا كان أحد أهم عناوين التكليف الوزاري هو عنوان توفير فرص العمل لكل مصري قادر علي العطاء‏,‏ فإنه ينبغي اضافة عنوان آخر يقول‏:‏ إعطاء أولوية فرصة العمل لمن هو قادر علي الالتزام والانضباط وأداء الواجب بأعلي درجات الأمانة والمسئولية‏.‏
إن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية وتحديات العصر الذي نعيش فيه‏,‏ لم تعد تحتمل ثقافة الوظيفة الميري التي هي أس البلاء في كل أمراض الجهاز الإداري للدولة‏.‏

وليس معني ذلك أنني أدعو الي العودة الي الوراء‏,‏ وتقليص المزايا والحقوق التي حصلت عليها الطبقة العاملة في مصر بكل مستوياتها‏,‏ بدءا من الخفير ووصولا الي المدير‏,‏ ولكنني أدعو الي توازن دقيق بين الحقوق والواجبات‏,‏ فكل حق لابد أن يقابله واجب‏,‏ وحق العمل يجب أن يقابله واجب الأداء وليس مجرد تأدية الواجب‏!‏
ولا أظن أن أحدا يمكن أن يجادل في أن طاقة العمل الفعلية في مصر تقل كثيرا جدا عن طاقة العمل الرقمية‏,‏ الي الحد الذي تجزم فيه بعض دراسات علمية محايدة‏,‏ بأن طاقة العمل الفعلية في مصر أقل من عشرة في المائة من قوة العمل البشرية في أغلب مواقع العمل والإنتاج‏.‏

وربما يقول قائل ـ والقول في ظاهره صحيح ـ بإن عصر التكنولوجيا فرض واقعا جديدا يؤدي الي حتمية الاستغناء عن العمالة الكثيفة‏,‏ وإننا في مصر نحاول التقليل من آثار هذا الواقع الجديد والحيلولة دون تراكم البطالة بإبقاء نسبة كبيرة من العمالة تفوق حاجة العمل‏,‏ كأحد استحقاقات الالتزام بالبعد الاجتماعي من جانب الدولة‏.‏
ولكن الذين يقولون بذلك‏,‏ يتجاهلون حقيقة موازية تقول بإن التكنولوجيا الحديثة قادرة علي توفير فرص جديدة للعمل‏,‏ بشرط أن تكون هذه العمالة متعلمة ومتدربة وقادرة علي تدوير وتشغيل الآلات الحديثة‏...‏ وتلك في اعتقادي أبرز المهام التي يمكن أن تنجزها حكومة الدكتور أحمد نظيف‏,‏ الذي قدم الي هذا الموقع من رصيد الخبرة والمعرفة التكنولوجية‏.‏

ومن هنا تجيء أهمية الدعوة لتحديث وعصرنة التعليم‏,‏ وإعادة النظر في المناهج والتخصصات والخروج بجرأة وشجاعة من الأصنام والتوابيت الموروثة‏,‏ التي جعلت من التعليم سباقا لحصد الدرجات‏,‏ وليس ميدانا للتحصيل والمعرفة والخطو علي طريق البحث والتدريب‏.‏
بوضوح شديد أقول إن إعادة النظر في فلسفة التعليم بكل مراحله ومستوياته‏,‏ بدءا من دور الحضانة وحتي نهاية المرحلة الجامعية تمثل أهمية‏,‏ بل وتمثل ضرورة من ضرورات الإصلاح والتحديث الذي نبتغيه من قرارات التغيير المتسارعة بدماء جديدة يفترض أن لديها رصيدا وافرا من المفاهيم والرؤي الجديدة‏,‏ التي تتواءم مع مفاهيم ورؤي العصر‏.‏

إننا بحاجة الي تكثيف الاهتمام بالعلوم الجديدة‏,‏ التي تندرج تحت لافتة البرمجة الالكترونية بكل أفرعها المتنوعة‏,‏ التي تشمل برامج الآلات الحاسبة والعقول الالكترونية‏,‏ وغزو الفضاء والتي يمكن توظيفها في مجال عمليات التحكم والرقابة والاتصال ونشر وتحليل المعلومات كما ونوعا‏.‏
إن القضية أكبر من أن ينظر إليها في إطار حالة من الانبهار بتلك التكنولوجيا فائقة الجودة‏,‏ التي تجعل من آلة صغيرة يمكن حملها علي الكتف أن تقوم بما كان يقوم به عشرات الرجال‏,‏ سواء كان هذا العمل عضليا أو ذهنيا‏,‏ وإنما في كيفية استثمار هذه الثورة التكنولوجية للانتقال بنا من أوضاع جلب واستيراد التكنولوجيا‏,‏ الي أوضاع جديدة تسمح لنا بقدرة الابتكار‏.‏

ثم أسارع الي القول ـ قبل أن أختم حديثي ـ بأن الكلام سهل وأن التنفيذ هو المحك‏,‏ وهو الفيصل وأن الذي يده في الماء ـ من حملة الأقلام مثلي ـ ليس كمن أيديهم في النار ممن يتحملون المسئوليات الجسام علي مستوي الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء‏.‏
ولكن مسئولية الكاتب أن ينير المشاعل اذا استطاع‏,‏ وأن يبدي رأيه في حدود حق الاجتهاد‏,‏ ولعل ذلك ما يشجعني في ختام هذه الإطلالة الخاطفة لمهام وتحديات المرحلة المقبلة‏,‏ أن أبدي رأيا هو‏:‏ إن الثورة التكنولوجية ليست خطرا علي قوي العمل البشرية إلا بالنسبة للذين لا يفهمون متطلبات واستحقاقات هذه الثورة‏,‏ وأهم هذه المطالب والاستحقاقات يتمثل في اعطاء التدريب والتأهيل للعمالة نفس الاعتمادات المالية التي يجري تخصيصها لاستيراد التكنولوجيا‏.‏

بوضوح شديد أقول‏:‏ إن البخل والتقتير علي مشروعات التدريب والتأهيل‏,‏ يمثل عورة فكرية تعكس عدم الفهم لاستحقاقات ومتطلبات عصر التكنولوجيا‏,‏ الذي يلزمه انفاق علي تدريب العمالة ربما يزيد علي الانفاق اللازم لاستجلاب المعدات التكنولوجية‏.‏
وأملي أن يكون فهمي لمتطلبات التغيير‏,‏ كما وردت في خطاب التكليف‏,‏ قريبة الي حد كبير مما أشرت إليه في هذه السطور‏,‏ التي أختمها بالتهنئة للدكتور أحمد نظيف وحكومته وبالأمل والرجاء في أن يكونوا عند مستوي ثقة الرئيس والأمة بهم‏!‏
وأملي أيضا أن تكون هذه السطور المتواضعة بمثابة رسالة مفتوحة الي الحكومة الجديدة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~