|
|
|
ملفات الأهرام
| 42955 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 15 | 27 من جمادى الأولى 1425 هـ | الخميس |
|
ديوان الحياة المعاصرة مـعـــركــة الحـــيتان حـــول كورنيش الإســكندرية بقلم: د. يونان لبيب رزق
|
الحـــلقة554 |
 |
في أوائل مارس عام1934 نشرت جريدة' السياسة' الناطقة بلسان الأحرار الدستوريين سلسلة من المقالات عن قضية' نزاهة الحكم', كان مما جاء فيها أن إسماعيل صدقي باشا, بينما كان يستشفي في أوربا, كتب لنائبه عبد الفتاح يحيي باشا ينبهه فيه إلي أن علاقة إبراهيم فهمي كريم, وزير الأشغال, مع المالي المعروف أحمد عبود باشا تسيء إلي سمعة الوزارة, وجاء رد الوزير أن علاقة صدقي باشا مع المقاول المعروف المسيو دونتمارو, وهو إيطالي كان يعيش بالإسكندرية, هي التي تسيء إلي تلك السمعة! ونحن وإن كنا لا نصدق ما جاء في الجزء الأخير من القصة, فلا نظن أن وزير الأشغال جرؤ علي الحديث عن رئيسه بهذا الشكل وهو في الحكم, غير أنها كانت بداية للكشف عن أسرار معركة من معارك الفساد الذي يستشري عادة في ظل الحكومات الاستبدادية, ومنها حكومات عهد صدقي.
لم يمض وقت طويل علي هذا النشر حين أصدر يحيي باشا رئيس الوزراء بيانا نشرته الأهرام يوم12 مارس أنه بالفعل وصله من صدقي بينما كان في أوربا خطاب يحذر فيه كريم باشا من الاختلاط بعبود لأنه يستغل هذه الصداقة ويوهم مقدمي العطاءات في مقاولة خزان جبل الأولياء بأنه لا يمكن قبول عطاء أحد منهم إلا إذا أشركه معه, وأضاف أن كريم باشا رد بأن المسيو دونتمارو هو الذي ذهب إلي لندن واتصل بمقدمي عطاءات تعلية خزان أسوان وأطلعهم علي صورة فوتوغرافية من صدقي باشا مكتوبا عليها بخط يده:' إلي صديقي دانتمارو'. وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد لولا أن كلا من الرجلين, عبود وصدقي, قد بادر بإصدار بيان لتوضيح موقفه, وبدأت معركة بين حوتين من أكبر حيتان مصر وقتئذ, إسماعيل صدقي باشا بكل ماضيه السياسي, وأحمد عبود باشا من أكبر الماليين المصريين, إن لم يكن أكبرهم آنئذ.
جاء في بيان عبود باشا أن علاقته بصدقي كانت متينة في صدر وزارته ثم حدث أن طلب منه أن يعهد لدونتمارو عملا في تعلية خزان أسوان فاستجاب له, الأمر الذي تكرر عندما طرحت' شركة الأومنيبوس المصرية العمومية' مناقصة لإنشاء جراج كبير' فكلمني دولته وأوصاني بأحد أصحاب العطاءات ولم يكن أقلها, فلم يسعني أن أجيب رجاءه.. بعد ذلك حلت الجفوة محل الرضا وبدا العداء تظهر بوادره وكان منها تلك الإشاعات السخيفة أني اتفقت مع جميع الشركات المسموح لها بالاشتراك في المناقصة أو معظمها, وهي دعوة لا تجوز علي طفل'! أما بيان صدقي فقد جاء فيه أنه بينما كان في أوربا امتلأ الجو بالإشاعات أن عبود يعمل بكل جهد للاشتراك مع كبار المقاولين الإنجليز المتقدمين لمقاولة خزان جبل الأولياء وأن إبراهيم كريم باشا كان قد سافر في تلك الأثناء إلي إنجلترا في صدد هذه المقاولة ولمسألة أخري هي عملية استخراج السماد من خزان أسوان بالكهرباء' وأشيع أن عبود باشا يوهم الناس بصداقته مع وزير الأشغال وعلاقته بي بل قيل أنه أخذ بالفعل صكوكا من بعض أو معظم المقاولين تضمن تحديد حصته إذا فازوا بالمقاولة'.
وانتقل رئيس الوزراء السابق بعدئذ للحديث عن طبيعة علاقته بدونتمارو فاعترف أنه جاء لزيارته في منتجعه في أوربا وأخبره أنه ذاهب إلي لندن للتكلم مع إحدي الشركات المتقدمة لعملية خزان جبل الأولياء في أمر اشتراكه معها كمقاول من الباطن في حالة رسو العملية عليها, فطلب منه أن يؤكد لهذه الشركة أن العطاء الذي ستقبله الحكومة هو العطاء الأصلح بدون دخل لأي نوع من النفوذ, واستنكر في نهاية بيانه ما رواه عبود باشا عنه من ميل في التوصية علي الأجانب, وفند رواياته في هذا الشأن. ويبدو أن ما ورد في بيان صدقي باشا من اتهام لعبود بأنه وسيط قبل أن يكون مقاولا قد استفز الأخير الذي بعث برد مطول للأهرام كان مما جاء فيه تذكير لدولته بأنه كان قد اتفق معه كتابة أيام مناقصة قناطر نجع حمادي سنة1927 علي أن يكون مستشارا له في هذه العملية إذا ما رست المناقصة عليه, وأنه كان إلي أن ألف وزارته عضوا في مجلس إدارة شركة أنشأها' فهل الذي يؤلف شركات ويملك أكثر رأسمالها يكون وسيطا؟ إن الوساطة ليست شأني وإنما أقوم بالأعمال بمالي وبالشركات التي أؤلفها'!
علي أي الأحوال لم تزد تلك البيانات عن مناوشات صغيرة مهدت للمعركة الأكبر التي لم تتأخر كثيرا, وكانت حول كورنيش الإسكندرية, وكان دانتمارو, بكل ما عرف عن علاقة خاصة تربطه بصدقي باشا, أحد مقاولين رئيسيين قاما ببناء الكورنيش العتيد.. جاءت البداية مع استحقاق القسط الثاني لدانتمارو وكارتاريجيا, والبالغ56 ألف جنيه طبقا للاتفاق بينه وبين البلدية, والتي تمثل خمس النفقات, غير أنه لما كانت التكلفة قد زادت ووصلت إلي430 ألف جنيه فقد طلب دانتمارو116 ألف جنيه' منها قسط هذا العام وقدره86 ألف جنيه والباقي30 ألفا تتمة لقسط العام الماضي'.
وبعد أن دارت مناقشات طويلة بين أعضاء مأمورية بلدية الإسكندرية تمت الموافقة علي دفع مائة ألف جنيه للبنك الأهلي لحساب المقاولين, وجاءت الموافقة بالأغلبية بعد معارضة فرغلي أفندي, ممثل الحكومة, ولم تكن معارضة بريئة, فقد تألفت في أعقاب ذلك لجنة' للتحقيق في المسائل الخاصة بعملية طريق الكورنيش بالإسكندرية'! وحتي هذه اللحظة لم يكن هناك ما يقلق صدقي باشا اعتقادا منه أن هذه اللجنة المؤلفة من عدد من كبار رجال الحكومة المسئولين' ستتوخي في عملها السير في الطريق المتفق مع القانون والمؤدي إلي إظهار الحقائق كاملة', غير أنه لم يمض وقت طويل- علي حد قوله- حتي علم بأن اللجنة المذكورة تساهلت في إجراءاتها وفي وسائل تحرياتها إلي أن طلعت علي الصحف بمباحثها الأولي بشأن تصرفات رئيس الوزراء السابق, ثم تناولت في تقريرها إلقاء المسئوليات علي كل من إدارة البلدية والقومسيون البلدي ووزير الداخلية السابق, ولم يكن إلا صدقي باشا نفسه!
رغم رد قصير من الرجل جاء فيه أنه سيلجأ إلي النيابة العمومية للتحقيق فيما جاء في التقرير, ثم أنه, بصفته عضوا في مجلس النواب سوف يرفع له القضية, بدا وكأن النية مبيتة من الحكومة في وصم رئيسها السابق, الأمر الذي نتبينه من خبرين متتاليين نشرتهما الأهرام يومي3 و4 مايو عام1934.. جاء في الخبر الأول أن وزير الداخلية لم يوافق علي ما قرره قومسيون بلدية الإسكندرية من دفع مائة ألف جنيه إلي البنك الأهلي لحساب المقاولين والاقتصار علي دفع56 ألفا مثل العام السابق, وجاء في الخبر الثاني أن إدارة البنك بعد أن تلقت تحويلا بالمبلغ أرسلت للبلدية تذكرها أن المبلغ المستحق هو116 ألف جنيه, وأنها إذا لم تؤده بالكامل سوف يضطر المقاولان إلي اتخاذ الإجراءات القضائية لحملها علي دفع المبلغ المتبقي' لأن الاتفاقات المعقودة بينهما تحتم دفع الأقساط كاملة عن الأعمال التي تمت'.
وبإيعاز من زكي الإبراشي باشا رجل القصر الذي كانت تأتمر حكومة عبد الفتاح يحيي بأمره حمي وطيس المعركة عندما اتخذت قرارا دراميا بحل قومسيون بلدية الإسكندرية متذرعة في ذلك بأن تقرير لجنة التحقيق انتهي إلي إدانة المدير العام للبلدية ووكيلها والسكرتير العام ورئيس قسم الهندسة ووكيله وغيرهم من المرءوسين' وسيصدر قرار بإحالة المدير العام إلي المحاكمة أمام المحكمة التأديبية العليا, وهي المحكمة التي تنظر في مسائل كبار الموظفين المعينين بمراسيم ملكية. أما السكرتير العام وبقية الموظفين فيحاكمون أمام مجلس تأديب, وستشمل قرارات الإحالة وقف المدير العام وبقية الموظفين المشار إليهم'. وبينما كانت تجري الاستعدادات لمحاكمة' صاحب العزة أحمد صديق بك' بتشكيل المحكمة التأديبية العليا التي تتألف من وزير الحقانية رئيسا ووزير الأوقاف ورئيس محكمة الاستئناف ووكلاء وزارات الداخلية والمالية والأشغال والخارجية والنائب العمومي أعضاء, صدر القرار بتأليف المجلس الإداري الجديد للبلدية من اثني عشر عضوا; ستة من المصريين وثلاثة من الإنجليز وواحد من كل من الجاليات الفرنسية والإيطالية واليونانية, أما الرئاسة فلمحافظ المدينة, حسين صبري باشا, بحكم منصبه.
ذكرت الأهرام في هذه المناسبة أن تلك المحكمة بشكلها المقرر لم تنعقد منذ عام1927, أي قبل سبع سنوات, في عهد وزارة ثروت باشا عندما نظرت في قضية جلال فهيم بك سكرتير عام وزارة الزراعة, وقضت بالإجماع ببراءته من جميع من نسب إليه. في أعقاب ذلك تحول التلميح إلي تصريح عندما أخذت الصحف علي رأسها الاتحاد الناطقة بلسان الحكومة, والبلاغ التي كانت قد انحازت إليها, ثم صحف حزب الوفد التي عادت صدقي حتي النخاع, في مقدمتها الجهاد وكوكب الشرق.. أخذت تعرب عن رأيها في مسئولية الرجل, بصفته وزيرا للداخلية, عن المخالفات التي جرت حتي أن الأخيرة قالت بالحرف الواحد:' إن دولة صدقي باشا يعتبر أول المسئولين عن هذا العبث, وفي مقدمة الأشخاص الذين ينبغي أن توجه إليهم نيات أولياء الأمور وجهود المحققين لكشف ما غمض وإظهار ما خفي, وقد كان المسير لدفة الحكومة, والمدبر لسياسة الدولة المالية, والمسيطر علي وزارة الداخلية, دون رقيب ولا حسيب, وكل هذه السلطة مجتمعة في رجل واحد, لا تعفيه من المسئولية, كما يود دولته أن يدخله علي الأذهان, وعلي العكس تقع علي عاتقه مسئوليات جسام ومحاسبة شاقة عسيرة لا معدي عنها ولا محيص'!
ولم يكن لرجل مثل صدقي باشا أن يسكت علي مثل هذا الهجوم, الأمر الذي دفعه إلي التحرك في اتجاهين.. الأول: إلي النائب العام يتهم فيه الحكومة أنها بعد وعدها بعدم نشر التقرير الخاص بأعمال لجنة تحقيق الكورنيش أخذت تسرب بعضه إلي عدد من الصحف' وبما أن ما جاء في هذا التقرير الرسمي به مساس بسمعتي واعتباري, وأنه صادر عن هيئة غير مختصة بالتعرض لي وعملها علي هذا الاعتبار مما يعاقب عليه القانون أرجو عزتكم إجراء التحقيق واتخاذ ما يلزم'.
الثاني: إلي رئيس مجلس النواب محمد توفيق رفعت باشا, وهو المجلس الذي كان صنيعة صدقي نفسه, حيث جاء في كتابه إليه:' الآن وقد نشرت الجرائد تقرير لجنة الكورنيش برمته(مما يدل علي عدول الحكومة المصرية عما قررته من المحافظة علي سرية هذا التقرير), واستطاع حضرات النواب المحترمين أن يتبينوا ما اشتمل عليه من اتهامات خطيرة موجهة إلي وزير الداخلية السابق, منها ما يتعلق بتصرفاته الإدارية ومنها ما يتعلق بتصرفاته الشخصية, وكلها مما يودي إن صح بشرفه واعتباره أري واجبا علي نحو نفسي ونحو بلادي أن ألقي عليها من الضوء ما ترتاح إليه الضمائر الحية السليمة.' ولما كانت هيئة مجلس النواب هي السلطة الوحيدة التي لها حق البحث فيما تقدم باعتباري واحدا من أعضائها, وباعتبارها متحدثة بحق الرقابة البرلمانية علي تصرف الوزراء, فقد جئت راجيا أن تعرضوا علي هيئة المجلس الموقرة طلبي بإجراء تحقيق برلماني أود أن يشترك فيه ممثلو الشعب'. في مواجهة التلكؤ من جانب النيابة في نظر شكوي صدقي باشا صرح للأهرام بأنه سوف يرفع دعاوي مباشرة في المحاكم الأهلية علي وزير الداخلية والأعضاء المصريين بلجنة تحقيق الكورنيش والصحف التي نشرت تقرير اللجنة ويرفع دعوي مماثلة في القنصلية الإنجليزية علي العضوين الإنجليزيين في اللجنة'. في ذات الوقت اتصل برئيس مجلس النواب وطلب عرض كتابه علي المجلس في اجتماع نفس اليوم, فأجابه بأن جدول الأعمال وضع من قبل وأن فيه مسائل كثيرة يتعذر معها عرض الكتاب, فرد صدقي بأنه متمسك بعرض كتابه في هذه الجلسة بعد الأسئلة والأجوبة أو علي الأكثر بعد ميزانية وزارة الزراعة, وانتظر الجميع ما سوف يحدث في تلك الجلسة المشهودة!
انعقدت الجلسة صباح يوم21 مايو عام1934, وبعد النظر في استجواب الحكومة في مشكلة الديون العقارية, وفي السياسة الزراعية العامة بعدها تحدث رئيس المجلس, وبدا من كلامه نية الحكومة علي تأجيل النظر في طلب صدقي باشا' السبب: أن جدول أعمال اليوم مزدحم بمشروعات الميزانية وجدول أعمال اليومين التاليين مزدحم بمشروعات الحكومة, ومن ثم فقد رأي إدراج طلب صدقي باشا إلي يوم الاثنين, أي بعد أسبوع, وكما جرت العادة في البرلمان المصري فقد ارتفعت أصوات النواب الموالين للحكومة بالموافقة, غير أن صدقي طلب الكلمة, وانبري في حدته المعروفة يهاجم رفعت باشا والحكومة, قال بالحرف الواحد: 'إن معاليكم منذ أيام قلائل عندما أرسل لكم أحد أعضاء المجلس خطابا خاصا رأيتم فيه مساسا بكم لم تراعوا أن هناك ميزانية ولا مشروعات للحكومة وعرضتم الأمر علي المجلس وأخذت المناقشة ما أخذت, وأظن أن اللفظ الذي اهتاج له خاطرك لا يعد شيئا أمام اتهامات خطيرة وجهت إلي.. هذه الاتهامات لا يمكن السكوت عليها, ومع ذلك فحينما يعرض طلبي بشأنها تحدد لنظره جلسة بعد أسبوع لكي تقدم عليها ميزانية دار الكتب'.
لم يحفل رئيس مجلس النواب بحدة صدقي باشا وأخذ الأصوات علي ميعاد النظر في خطابه فجاءت الأغلبية إلي جانب الإرجاء ليوم الاثنين التالي, الأمر الذي دعاه إلي أن يعلن سحب طلبه, وتبع ذلك بأن انسحب من المجلس ومعه نفر من المعارضين الذين بقوا علي ولائهم للرجل, وقال في أثناء ذلك أنه سوف يحتكم مباشرة للرأي العام, ووصلت معركة الحيتان بعدئذ إلي قمتها, فقد كشف الرجل عن كل أوراقه(!) سخرت بعض صحف المعارضة خاصة الوفدية من قولة رئيس الوزراء السابق عن الاحتكام إلي الرأي العام, فقد تساءلت' كوكب الشرق' أين كان هذا الرأي يوم أباح صدقي لصغار الجنود أن يرفعوا العصا علي رئيس وزارة سابق, وعلي نواب وشيوخ سابقين كرماء علي أمتهم, وهم يريدون سفرا أو يطلبون إلي ناديهم دخولا'. بيد أن ذلك لم يمنع الرجل عن السير قدما في فتح الملفات ونشر الغسيل القذر للعهد الملكي الذي نشأ علي يديه, الأمر الذي حدث في البيان الطويل الذي نشرته الأهرام كاملا علي امتداد ثلاثة من أعدادها بين يومي23 و25 مايو عام1934.
علي حد قول ما جاء في القسم الأول من هذا البيان أنه قد بدئ في استغلال مسألة الكورنيش في صيف سنة1932' حينما كنت متغيبا في أوربا, وكان دولة يحيي باشا رئيسا للوزارة بالنيابة, فقد خيل إليه أن اشتغاله بهذه المسألة وغيرها مما تصور أنه يمسني يدنيه بمساعدة زكي الإبراشي باشا إلي تحقيق الغرض الذي وصل إليه فيما بعد( أن يخلفه في رئاسة الوزارة). وكانت مسألة الكورنيش إذ ذاك حلقة من سلسلة دعاية واسعة النطاق امتدت لحين استقالتي'. أضاف بعد ذلك سببا آخر للحملة عليه وهو ما قام من منافسة بين مقاول' ورجل أعمال معروف بنفوذه وجاهه هو سعادة عبود باشا علي مقاولة جبل الأولياء. إن مركز رئيس الحكومة في ذلك الوقت كان في مهب العواصف لأنه لم تلن له قناة في تلك المواقف مما دعا ذلك الرجل ذا النفوذ إلي أن قال يوما من الأيام( سيدفع صدقي باشا ثمن كل ذلك غاليا) كنت سأقدم للمجلس الدلائل ناطقة علي أن وزيرا في هذه الوزارة( ذكر اسمه) اشترك في هذه السعايات لا لقصد غير معاونة عبود باشا معاونة كانت في وقتها محل أخذ ورد حتي ارتجت لها دور الحكم'.
في موقع آخر من هذا القسم الأول من البيان اتهم يحيي باشا بأنه اشتغل بمسألة الكورنيش منذ اللحظة الأولي لتأليف وزارته(29 سبتمبر1933) حين طلب إلي مدير البلدية أن يوافيه بما يمكن أن يتهم به صدقي باشا' بل طالبا أكثر من ذلك السعي إلي الحصول علي دفاتر حسابات مقاول الكورنيش عله يعثر فيها علي ما يدينه, وكان هذا في صيغة الملاينة أولا ثم في صيغة التهديد أخيرا حتي خاب مسعاه'. خصص صدقي باشا أغلب القسم الثاني من بيانه للأسباب التي دفعته لبناء طريق كورنيش الإسكندرية فأكد أن الفكرة لم تكن وليدة بحث جديد وإنما نشأت منذ خمس وعشرين سنة حينما كان سكرتيرا عاما لبلدية الإسكندرية' فهو التكملة الطبيعية لرصيف الميناء الشرقية الذي سبق أن كلف المدينة فوق المليون جنيه.. تلك التكملة التي لم يكن لمدينة الإسكندرية بد من تحقيقها إذا راعينا امتدادها الكبير علي واجهة البحر المتوسط, وحاجاتها إلي تنظيم هذه الواجهة بما اشتملت عليه من مواضع النزهة والاستحمام وما كان مقدرا أن يترتب علي تنظيمها من زيادة إيرادات المدينة من دخل الرسوم والضرائب بأنواعها.
ويضيف أن المشروع تأخر أولا بسبب قيام الحرب العظمي, غير أنه سار بعدئذ بخطي بطيئة إلي أن وصل إلي ضاحية مصطفي باشا وهناك اصطدم بعائق كبير.. وجود الثكنات البريطانية التي استحال إقناع السلطات التابعة لها بالتخلي عنها, الأمر الذي لم يتم إلا بعد أن تولي السلطة عام1930' ولم يبق ما يعوق استئناف العمل إلي أن يصل الكورنيش إلي قصر المنتزه وهو نهايته الطبيعية'. ولم يكن تجميل ثغر الإسكندرية وتنظيم واجهته علي البحر- في رأي صدقي باشا- هما الدافعان الوحيدان إلي تشجيع إتمام الكورنيش وإنما كان هناك قيد نظره الأزمة العالمية الطاحنة التي نال مصر نصيب منها, الأمر الذي تزايد معه عدد العاطلين من العمال' فكان من حسن السياسة أن يفتح العمل لأكبر عدد من هؤلاء', هذا فضلا عن تشجيع المصريين علي الاصطياف في داخل القطر' وتثبيط عزائمهم عن النزوح إلي خارج البلاد كل صيف'. أخذ صدقي باشا بعدئذ يفند ما جاء في حقه في تقرير اللجنة..
فيما خص إجازته لقرار بلدية الإسكندرية في موضوع الكورنيش دون البحث في مواردها, وعما إذا كانت تسمح بذلك رد بأن اللجنة قد تغافلت عن أن ميزانية البلدية التي صدق عليها المجلس في نفس الجلسة عرضت عليه مع القرار الخاص بالكورنيش في وقت واحد' وكان عرضها علي مما سمح لي بتبين المركز المالي لبلدية الإسكندرية'. أما فيما اتصل بأنه أجاز عملا بغير مناقصة فقد ذكر بأنه ليس في النظم المتبعة سواء في مصر أو غيرها ما يحتم المناقصات في جميع الأحوال' بل ربما يعجب القارئ إذ يعلم أن مدينة باريس قد أبطلت المناقصات بصفة قطعية في أعمالها لما وجدته فيها من مشجع لغير ذوي الكفاية علي التقدم للأعمال العامة بالأسعار الأقل'.
وأخيرا فيما يتعلق بما أخذته عليه اللجنة من عدم تبينه ما إذا كانت هناك رسومات وتصميمات لعلمية الكورنيش فقد سخر من هذا القول وتساءل عما إذا كان يدخل رئيس الحكومة في تفاصيل الأعمال الفنية إلي حد البحث في تصميماتها والتحقق من صلاحياتها مع وجود الإدارات الفنية المختصة أصلا بذلك. في القسم الأخير من بيان صدقي باشا إلي الرأي العام عرض الرجل للاتهامات الشخصية التي كالتها له اللجنة التي كان يرأسها محمود بك حسن بأنه حابي المسيو دانتمارو وجامله علي حساب بلدية الإسكندرية مقابل فوائد أفادها منه بغير مقابل, وسأل عما جناه من مزايا بتوليه الوزارة وذهب إلي القول أنه لو كان من الذين يغريهم المال لما قبل سنة1930, تولي الوزارة براتبها الضئيل وترك الأعمال الحرة' التي كان لي منها مرتبات سنوية ثابتة تزيد علي الثمانية آلاف من الجنيهات عدا ما أتناوله من معاش ومقداره ألف وخمسمائة جنيه, أفهل من يقبل ذلك تمتد يده إلي المسيو دانتمارو ليبني له عزبة أو يصلح بيتا أو يمنحه سيارة. وهل من يقبل ذلك يتطلع إلي الخواجه سموحه ليهبه ديكور فيلا'! بيد أن ذلك لم يمنع صدقي باشا من الاعتراف بأن صداقة تجمعه مع دانتمارو منذ عام1905 زادها متانة ما تكشف لي من أخلاق الرجل وسجاياه ونزعته الشديدة إلي الخير ومساهمته في كثير من الأعمال النافعة سواء للجالية التي هو أحد أعيانها أو لمصر التي يعدها وطنه الثاني, ثم تحول ليؤكد علي أنه قد سدد للمقاول الإيطالي كل مليم في أي عمل كلفه به, موضحا طبيعة هذه الأعمال والمبالغ التي سددها بإيصالات أبرزها, وانتهي إلي القول أنه لو كان مجلس النواب قبل طلبه بالتحقيق في الموضوع لقدم له كل تلك البينات.
تبع ذلك صمت من جانب حكومة عبد الفتاح يحيي فهي لم ترد علي الباشا الذي حاولت تلويث سمعته واتهامه في ذمته, وإن كانت الأهرام قد نشرت لبعض الشخصيات التي ورد ذكرها في بيان الرجل ردودا ضعيفة حاولت أن تتنصل فيها من بعض الاتهامات التي وجهها إليهم, كما تحولت- كعادتها- إلي الجانب النظري من المعركة حين نشرت علي ثلاثة أيام متتالية مقالات لعدد من كبار القانونيين حول نظم محاكمة الوزراء, سواء فيما يخص القانون الفرنسي أو فيما جاء في الدستور المصري. علي أي الأحوال لفظت المعركة أنفاسها الأخيرة بعد التخلص من حكومة عبد الفتاح يحيي وتأليف وزارة توفيق نسيم في14 نوفمبر عام1934, وانتهي بذلك العهد الذي أسسه صدقي نفسه, ولم تسفر كل تلك الضجة إلا عن محاكمة سريعة لأحمد صديق بك مدير عام بلدية الإسكندرية عن خمسة عشر اتهاما وجهتها له الحكومة, ثبت عدم صحة أغلبها, وصدر الحكم بإحالة الرجل إلي المعاش, مما كان لا يتناسب البتة مع حجم معركة الحيتان التي لم تخلف إلا بعض الزبد, وإن كانت قد دخلت كتب التاريخ!!
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|