الكتاب

42954‏السنة 127-العدد2004يوليو14‏26 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

كل أربعاء
أبعد من محكمة لاهاي
بقلم‏:‏ محمد السماك
كاتب لبناني

نفهم أن تصويت الولايات المتحدة ضد أي قرار في مجلس الأمن الدولي‏,‏ أو في الجمعية العامة للامم المتحدة لايكون في مصلحة اسرائيل‏.‏ فالتصويت هنا يقوم علي اساس سياسي‏.‏ وما بين اسرائيل والولايات المتحدة من علاقات ومن وشائج سياسية هو نسيج وحدة في تاريخ العلاقات بين الدول‏.‏ ولكننا لانفهم أن تصوت الولايات المتحدة وحدها ضد الحكم الذي اصدرته محكمة العدل الدولية في لاهاي والذي جرد جدار الفصل العنصري الذي بنته اسرائيل من أي مشروعية‏,‏ فالمحكمة الدولية ليست هيئة سياسية‏,‏ بل انها هيئة حقوقية‏.‏ وهي لاتصدر احكامها علي قواعد سياسية‏,‏ بل علي اسس قانونية‏.‏ ثم أن اعضاءها قضاة وليسوا سياسيين ولا دبلوماسيين‏.‏ وبالتالي فانها تصدرا حكاما وليس قرارات‏.‏ وعندما يقف قاض واحد ضد حكم يجمع عليه أربعة عشر قاضيا آخر فمعني ذلك إن هذا القاضي الواحد لم يكن قاضيا يحكم بالقانون ويستضيء بضميره‏,‏ لكنه كان سياسيا يتجاوز القانون ويخنق صوت ضميره‏.‏

إن الحكم الذي اصدرته محكمة العدل الدولية لايؤكد الحق الفلسطيني فقط‏,‏ ولايؤكد الاغتصاب الاسرائيلي لهذا الحق فقط‏,‏ وبالتالي فانه لايؤكد فقط لامشروعية الجدار‏,‏ ولكنه اضافة إلي ذلك كله يؤكد أن الانحياز الامريكي إلي جانب اسرائيل يقوم علي حساب القانون الدولي والشرعية الدولية وانه يتواصل علي حساب العدالة الدولية‏.‏
فـ القاضي الامريكي في موقفه الشاذ في محكمة العدل الدولية أدان من حيث لايريد دولته الكبري‏.‏ وقدمها للعالم علي عكس الصورة التي تحرص عليها فبدت وكأنها دولة خارجة علي القانون بل ومنتهكة للعدالة في عقر دارها وفي معقلها‏,‏ وبالفعل فقد أكدت هذه الدولة الكبري بعد صدور الحكم انها لن تتواني عن تعطيل العدالة إذا ما دعي مجلس الأمن الدولي لتحديد الاجراءات التنفيذية للحكم القضائي‏.‏

ثم أن الاسس والمباديء القانونية التي استندت اليها المحكمة في حكمها بلا شرعية الجدار‏,‏ هي نفسها الاسس والمباديء التي يمكن الاستناد اليها ايضا للحكم بلاشرعية اسرائيل‏,‏ بدءا علي الأقل من قرار تقسيم فلسطين في عام‏1947,‏ مرورا بقرار حق عودة المبعدين الفلسطينيين إلي ديارهم‏,‏ وانتهاء بقراري مجلس الامن‏242‏ و‏338‏ اللذين ينصان علي انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة في عام‏1967‏ بما فيها القدس‏.‏ فلو وافقت الولايات المتحدة علي الحكم الذي صدر بشأن الجدار الاسرائيلي العنصري‏,‏ لشكل ذلك سابقة تلزمها بالموافقة علي لاشرعية الاحتلال‏,‏ وعلي لاشرعية كل ماترتب عليه منذ قيام اسرائيل حتي اليوم‏.‏

من هنا السؤال‏:‏ لماذا تحاول الولايات المتحدة أن تلوي ذراع الشرعية الدولية في كل مرة يحاول فيها المجتمع الدولي كبح جماح الانتهاكات الاسرائيلية للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية؟ أن محاولة الاجابة علي هذا السؤال تقودنا إلي تفهم الاسس التي تقوم عليها طبيعة العلاقات الامريكية‏-‏ الاسرائيلية‏.‏ فبالنسبة للولايات المتحدة فان اسرائيل ليست مجرد دولة تخضع لما تخضع له الدول الأخري من معاملات واجراءات‏,‏ ولكنها تمثل في وجودها إرادة إلهية‏.‏ وبالتالي فان مايعتبره العالم‏-‏ بموجب قرارات الامم المتحدة والآن بموجب حكم المحكمة الدولية‏-‏ مصادرة واحتلالا‏,‏ تعتبره الولايات المتحدة حقا إلهيا مسترجعا‏.‏ ومن مقتضيات ذلك التعامل مع اسرائيل علي انها تجسد بوجودها الإرادة الإلهية مما يضعها فوق أي قانون من وضع البشر‏(‏ الجنتيل‏).‏

لم يبدأ تنفيذ الوعد الإلهي بأرض التوراة مع بلفور في بريطانيا‏,‏ وهو لا ينتهي مع بوش في الولايات المتحدة‏,‏ لقد قامت اسرائيل علي اساس هذا الوعد‏,‏ ووضعت الادارات الامريكية المتعاقبة منذ عام‏1945‏ كل ثقلها السياسي والمادي والعسكري لتحقيق هذا الوعد والسهر علي استمراره وديمومته‏,‏ حتي ولو كان ذلك علي حساب مصالح الولايات المتحدة نفسها‏,‏ وعلي حساب القيم الأخلاقية التي تقول بها‏.‏ وما الموقف الشاذ الذي اتخذة القاضي الامريكي في لاهاي سوي تكريس جديد لاستمرار الالتزام بهذا الموقف‏.‏ فاذا كان الله في اعتقاد الإدارة الامريكية هو صاحب الحكم بإقامة اسرائيل‏,‏ فلا قيمة بالتالي لأي حكم يصدر عن أي سلطة قضائية يتناقض مع هذا الحكم الإلهي‏!0‏ بل إن من واجب الولايات المتحدة التي يعتبر رئيسها نفسه مكلفا بمهمة إلهية‏,‏ أن تعارض وأن تتصدي للحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية التزاما بالحكم الإلهي‏!.‏ أليس اعضاء هذه المحكمة بشرا؟‏....‏ ومتي كان حكم البشر يعلو فوق حكم الله‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~