الكتاب

42954‏السنة 127-العدد2004يوليو14‏26 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

رسالة من مصر‏:‏ من أصحاب السبق الحضاري إلي أصحاب الأمية الحضارية
بقلم‏:‏ د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

علي الرغم من مستحدثات‏(‏ الآلة‏),‏ التي لا أنكر أنها وفرت جهودا في ميادين شتي‏,‏ لكنها لا ترقي‏,‏ والي الآن‏,‏ الي مواهب القلب والروح‏..‏ فشقي انسان العصر الحاضر مع ما يحيط به من وسائل ومستحدثات‏.‏

إن أصحاب الأمية الحضارية هم الذين يتشدقون بالاختراعات الحديثة‏,‏ ومنهم كثيرون لقنوهم في بلادهم أن مصر بلد من العالم الثالث‏,‏ ولكنهم يسافرون إليها ليروا الأهرام والمعابد والمساجد‏..‏ فإذا جاءوها‏,‏ رأوها فلتة جغرافية وقبلة حضارية‏,‏ دونها بكثير حضارة العالم الأول التي تفننت في وسائل الراحة اليومية التكنولوجيا أو العلم التطبيقي‏.‏

وتفننت أيضا في وسائل العذاب من قنابل ذرية ونووية تتهدد عمر الدنيا‏,‏ وكل ما أبدعه الانسان في شرق وغرب‏.‏

ويتجول السائح في مصر الماضي والحاضر من وادي الملوك الي ابن البلد‏...‏ وتتألق مصر في الاثنين معا‏...‏ أي في الحالين‏,‏ فأجمل ما في مصر‏:‏ الشخصية المصرية‏.‏
شخصية ولوع بالولادة والتوليد‏..‏
شخصية فيها نزوع الي الملامسة والسلاسة في همس يبلغ بالخفوت‏,‏ قوة التوثيق‏...‏

شخصية فيها حنان في حنايا الأعمدة وعروق النبات‏,‏ ونمنمة في الفن الاسلامي المصري‏,‏ فإذا بالتشابه والتشابك ليس بينهما فراق أو شقاق‏.‏
شخصية في قلبها سعة يوحيها التقسيم‏...‏ ودعة يهديها صبر طويل ورحيم‏...‏
وتسأل صحفية أمريكية‏,‏ العائدين من مصر عن أحسن ما رأوا في مصر‏,‏ فيقولون الناس أي أهل مصر‏,‏ أي الشخصية المصرية‏..‏ شخصية فيها ثراء البساطة‏,‏ وزهد الغني‏,‏ وجلال التواضع من طول العهد بالوفرة والكثرة‏...‏ فيها سكينة من مسالمة وسلام‏.‏
هنا علي هذه الأرض نضج الإنسان‏.‏
والنضج وعي‏..‏ والوعي سعي‏.‏
عرفت مصر القيم وسعت الي تحقيقها‏...‏إن همس النبات في نشأته الأولي‏,‏ وما يبثه حوله من أمان‏,‏ كان له أثره في الأنس الرفيق في الانسان المصري‏,‏ الذي يحب الزينة والمتعة والجمال‏,‏ يعيشه ويوفره لنفسه ما استطاع حتي القلة لها غطاء لامع‏,‏ أو فيها نعناع أخضر‏...‏ حتي ماء الشرب فيه ورد‏..‏ فهو ماء وورد‏..‏ أو ماء بالورد وتقول العامية المصرية في طعامة بنت البلد‏(‏ مورد‏).‏

الإنسان المصري يحب الطرب والسماع من النعيم الطويل في الحضارة‏...‏ انسان لطيف أنيس كالنبات‏..‏ خصيب كالوادي الأخضر‏..‏

انسان ابن طبيعته‏...‏ والطبيعة المصرية ليس فيها قسوة‏..‏ الطبيعة المصرية لا تعرف الزلازل والبراكين والعواصف‏..‏ حتي الصحراء المصرية فيها وداعة تبدد الوحشة‏.‏

وسري لطف الطبيعة المصرية ورفقها الي الانسان المصري‏,‏ فكان عذبا ودودا‏,‏ كريما‏,‏ لأنه ابن خير يأتي المصريين غدقا وهم‏,‏ بما عندهم يغدقون‏..‏

إن الحنو والتراحم في النفس المصرية‏,‏ يتبدي في الحديث‏,‏ رقة‏..‏ وفي الشعر المصري القديم دماثة وسلاسة‏..‏ وفي النمنمة المصرية الاسلامية دقة‏,‏ وفي الأسطورة المصرية وفاء وعطاء‏,‏ فنجد فيها‏(‏ القربة‏)‏ التي يسقي منها صاحبها ولا تفرغ كما تحكي جداتنا‏..‏
وابن البلد يسمي‏(‏ الذوق‏),‏ وأحيانا يسمونه‏(‏ ابن الذوق‏),‏ والمصريون يعتقدون أن مصر أم الدنيا وأم الذوق أيضا‏..‏ لهذا يقولون‏:‏
‏(‏دا اللي عمل مصر‏,‏ كان في الأصل حلواني‏)‏
ويقولون‏:(‏ الذوق مافاتش باب النصر‏).‏
ويروون في هذا قصة طريفة‏..‏ تقول القصة إن رجلا كان اسمه‏(‏ الذوق‏)‏ كان في منتهي الظرف والكياسة واللباقة‏..‏ كان كريما رقيق الحس والشعور‏,‏ غاضبه يوما بعض الناس فعزم علي الرحلة من مصر‏..‏ فلما وصل الي‏(‏ باب الفتوح‏)‏ مات هناك ولايزال قبره في هذا المكان الي الآن‏,‏ويعرف ضريحه‏(‏ بسيدي الذوق‏)...‏
ومن أجل هذا قالوا‏:(‏ الذوق لم يخرج من مصر‏)‏
أقول‏:‏ كان يموت فيها حيا
وقدر‏,‏ له أن يموت‏(‏ فيها‏)‏ راحلا
غلاب هواك يا حبيبة‏...‏
يأسر القلب والروح‏,‏ معا
غلاب‏.‏

‏***‏
والمصريون أول زراع في التاريخ‏..‏
وتؤشر المجاعة الحديثة الي أن الزراعة هي موضوع المستقبل‏,‏ كما كانت موضوع الماضي‏.‏
لقد ظميء الانسان منذ بدء الخليقة الي اثنين‏:‏ الحب‏...‏ والري‏.‏

وعلي هذا الظمأ ولد الفن خطوطا في الكهوف وتعاويذ للسحر‏,‏ ونما الفن المصري بنمو الزراعة‏,‏ فتألق في الإناء وتأنق في الحلي‏,‏ ثم في وسائل الحياة اليومية‏.‏
والمصريون يحبون كل شيء حولهم‏:‏ النيل والمركب والأرض والسماء‏,‏ يحبون النبات والحيوان‏,‏ فغني لهم الشجر‏,‏ وسهر معهم القمر‏,‏ وأعطاهم النيل الخير كله فعاشوا‏..‏ أي عرفوا كيف الحياة لا كمها‏,‏ وأبدعوا الفن‏,‏ واترعوا العلم‏,‏ وأعطوا بدورهم الحضارة‏.‏

‏***‏
حين زرعت مصر‏,‏ أحبت الطبيعة ووصلت بين الانسان المصري وبينها‏..‏
أحبت مصر الأرض وأتقنت علم طبقات الأرض‏,‏ وأبعاد المكان‏,‏ ثم طاقة الإرادة علي بلوغه‏,‏ وطاقة القدرة في استعماله‏.‏

وزوار المتحف المصري يدركون للمشاهدة الأولي‏,‏ أن المصريين القدماء‏,‏ استخرجوا البللور الصخري وعائلته من عقيق يماني وعين القط وأماتست وصاغوا منها أجمل أنواع الحلي في العالم‏,‏ مما يعد‏,‏ نموذجا رفيعا الي الآن يسعي إليه‏,‏ للاقتباس منه‏,‏ صاغة العالم‏.‏

منذ القدم لم تكن النفس المصرية‏,‏ ركيكة تتوسل بالبدائيات‏,‏ بل رقيقة تنشد الزينة وتتحلي وتتعطر‏..‏

وبعد الحضارة المصرية‏,‏ يرفع الغرب ناطحات السحاب‏,‏ فإذا بالكم فيها وله تأثيره لا يحظي بسحر الدقة الدقيقة في الترصيع المصري‏,‏ وحساسية الاتجاه في الهرم‏,‏ وأنس العمارة في معابد‏(‏ أمحتب‏),‏ ومساجد مصر الاسلامية بقدر محسوب‏,‏ لأنه أسلوب حياة طويلة روية بالدين‏..‏ والتقنين‏..‏ والمعني‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~