|
|
 |
علي الرغم من مستحدثات( الآلة), التي لا أنكر أنها وفرت جهودا في ميادين شتي, لكنها لا ترقي, والي الآن, الي مواهب القلب والروح.. فشقي انسان العصر الحاضر مع ما يحيط به من وسائل ومستحدثات.
إن أصحاب الأمية الحضارية هم الذين يتشدقون بالاختراعات الحديثة, ومنهم كثيرون لقنوهم في بلادهم أن مصر بلد من العالم الثالث, ولكنهم يسافرون إليها ليروا الأهرام والمعابد والمساجد.. فإذا جاءوها, رأوها فلتة جغرافية وقبلة حضارية, دونها بكثير حضارة العالم الأول التي تفننت في وسائل الراحة اليومية التكنولوجيا أو العلم التطبيقي.
وتفننت أيضا في وسائل العذاب من قنابل ذرية ونووية تتهدد عمر الدنيا, وكل ما أبدعه الانسان في شرق وغرب.
ويتجول السائح في مصر الماضي والحاضر من وادي الملوك الي ابن البلد... وتتألق مصر في الاثنين معا... أي في الحالين, فأجمل ما في مصر: الشخصية المصرية. شخصية ولوع بالولادة والتوليد.. شخصية فيها نزوع الي الملامسة والسلاسة في همس يبلغ بالخفوت, قوة التوثيق...
شخصية فيها حنان في حنايا الأعمدة وعروق النبات, ونمنمة في الفن الاسلامي المصري, فإذا بالتشابه والتشابك ليس بينهما فراق أو شقاق. شخصية في قلبها سعة يوحيها التقسيم... ودعة يهديها صبر طويل ورحيم... وتسأل صحفية أمريكية, العائدين من مصر عن أحسن ما رأوا في مصر, فيقولون الناس أي أهل مصر, أي الشخصية المصرية.. شخصية فيها ثراء البساطة, وزهد الغني, وجلال التواضع من طول العهد بالوفرة والكثرة... فيها سكينة من مسالمة وسلام. هنا علي هذه الأرض نضج الإنسان. والنضج وعي.. والوعي سعي. عرفت مصر القيم وسعت الي تحقيقها...إن همس النبات في نشأته الأولي, وما يبثه حوله من أمان, كان له أثره في الأنس الرفيق في الانسان المصري, الذي يحب الزينة والمتعة والجمال, يعيشه ويوفره لنفسه ما استطاع حتي القلة لها غطاء لامع, أو فيها نعناع أخضر... حتي ماء الشرب فيه ورد.. فهو ماء وورد.. أو ماء بالورد وتقول العامية المصرية في طعامة بنت البلد( مورد).
الإنسان المصري يحب الطرب والسماع من النعيم الطويل في الحضارة... انسان لطيف أنيس كالنبات.. خصيب كالوادي الأخضر..
انسان ابن طبيعته... والطبيعة المصرية ليس فيها قسوة.. الطبيعة المصرية لا تعرف الزلازل والبراكين والعواصف.. حتي الصحراء المصرية فيها وداعة تبدد الوحشة.
وسري لطف الطبيعة المصرية ورفقها الي الانسان المصري, فكان عذبا ودودا, كريما, لأنه ابن خير يأتي المصريين غدقا وهم, بما عندهم يغدقون..
إن الحنو والتراحم في النفس المصرية, يتبدي في الحديث, رقة.. وفي الشعر المصري القديم دماثة وسلاسة.. وفي النمنمة المصرية الاسلامية دقة, وفي الأسطورة المصرية وفاء وعطاء, فنجد فيها( القربة) التي يسقي منها صاحبها ولا تفرغ كما تحكي جداتنا.. وابن البلد يسمي( الذوق), وأحيانا يسمونه( ابن الذوق), والمصريون يعتقدون أن مصر أم الدنيا وأم الذوق أيضا.. لهذا يقولون: (دا اللي عمل مصر, كان في الأصل حلواني) ويقولون:( الذوق مافاتش باب النصر). ويروون في هذا قصة طريفة.. تقول القصة إن رجلا كان اسمه( الذوق) كان في منتهي الظرف والكياسة واللباقة.. كان كريما رقيق الحس والشعور, غاضبه يوما بعض الناس فعزم علي الرحلة من مصر.. فلما وصل الي( باب الفتوح) مات هناك ولايزال قبره في هذا المكان الي الآن,ويعرف ضريحه( بسيدي الذوق)... ومن أجل هذا قالوا:( الذوق لم يخرج من مصر) أقول: كان يموت فيها حيا وقدر, له أن يموت( فيها) راحلا غلاب هواك يا حبيبة... يأسر القلب والروح, معا غلاب.
*** والمصريون أول زراع في التاريخ.. وتؤشر المجاعة الحديثة الي أن الزراعة هي موضوع المستقبل, كما كانت موضوع الماضي. لقد ظميء الانسان منذ بدء الخليقة الي اثنين: الحب... والري.
وعلي هذا الظمأ ولد الفن خطوطا في الكهوف وتعاويذ للسحر, ونما الفن المصري بنمو الزراعة, فتألق في الإناء وتأنق في الحلي, ثم في وسائل الحياة اليومية. والمصريون يحبون كل شيء حولهم: النيل والمركب والأرض والسماء, يحبون النبات والحيوان, فغني لهم الشجر, وسهر معهم القمر, وأعطاهم النيل الخير كله فعاشوا.. أي عرفوا كيف الحياة لا كمها, وأبدعوا الفن, واترعوا العلم, وأعطوا بدورهم الحضارة.
*** حين زرعت مصر, أحبت الطبيعة ووصلت بين الانسان المصري وبينها.. أحبت مصر الأرض وأتقنت علم طبقات الأرض, وأبعاد المكان, ثم طاقة الإرادة علي بلوغه, وطاقة القدرة في استعماله.
وزوار المتحف المصري يدركون للمشاهدة الأولي, أن المصريين القدماء, استخرجوا البللور الصخري وعائلته من عقيق يماني وعين القط وأماتست وصاغوا منها أجمل أنواع الحلي في العالم, مما يعد, نموذجا رفيعا الي الآن يسعي إليه, للاقتباس منه, صاغة العالم.
منذ القدم لم تكن النفس المصرية, ركيكة تتوسل بالبدائيات, بل رقيقة تنشد الزينة وتتحلي وتتعطر..
وبعد الحضارة المصرية, يرفع الغرب ناطحات السحاب, فإذا بالكم فيها وله تأثيره لا يحظي بسحر الدقة الدقيقة في الترصيع المصري, وحساسية الاتجاه في الهرم, وأنس العمارة في معابد( أمحتب), ومساجد مصر الاسلامية بقدر محسوب, لأنه أسلوب حياة طويلة روية بالدين.. والتقنين.. والمعني. |
|
|
|
|
|