الكتاب

42954‏السنة 127-العدد2004يوليو14‏26 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

هذا التصريح غريب وخطير‏!‏
بقلم‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي

لاأدري إن كان صحيحا مانسبته صحيفة هاآرتس الاسرائيلية للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات‏,‏ أم أن الصحيفة أساءت فهم ما قاله الزعيم الفلسطيني أو حملته مالايحتمل‏.‏ فقد جاء في حديث أجرته معه في الشهر الماضي أنه يعترف باسرائيل دولة يهودية‏!‏

والنتائج التي تترتب علي هذا التصريح في غاية الخطورة‏.‏ فاسرائيل دولة يهودية تساوي قولنا إيران جمهورية اسلامية‏,‏ أي دولة دينية‏,‏ وإذن فمن حق المتطرفين اليهود أن يطالبوا بتحكيم التوارة في شئون الحكم والمجتمع‏.‏ بل أن الاعتراف باسرائيل دولة يهودية يعطيها الحق في أن تكون دولة عنصرية‏,‏ في الوقت الذي لاتستطيع فيه إيران الاسلامية أن تكون عنصرية‏,‏ لأن الاسلام دين عالمي تدين به أمم شتي‏,‏ أما اليهودية فدين مقصور علي جماعة قومية بالذات‏,‏ هي جماعة اليهود الذين يطالبون بأن تكون إسرائيل دولة يهودية نقية‏,‏ ولهذا يقيمون الجدار العازل رغم أنف الفلسطينيين والعالم كله ومحكمة العدل الدولية‏,‏ ويهدمون بيوت الفلسطينيين ويدمرون حقولهم ويقطعون أشجارهم‏,‏ ويرفضون عودة اللاجئين‏,‏ بل يسعون فوق ذلك للتخلص من الفلسطينيين الذين تشبثوا بأرضهم‏,‏ ورفضوا الخروج مع الذين خرجوا يوم قامت اسرائيل‏.‏ وأخيرا فان الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية يعطيها الحق في فلسطين كلها‏,‏ فأرض إسرائيل في التوراة لاتنتهي عند الحدود التي كانت قائمة قبل حرب الأيام الستة عام‏1967‏ بل هي كما جاء في الأسطورة التي زعم فيها الصهيونيون أن الله وعد بها إبراهيم تمتد من النيل الي الفرات‏,‏ وإذن فلاحق للفلسطينيين في أن تكون لهم دولة في فلسطين‏,‏ ولا للرئيس ياسر عرفات في أن يكون رئيسا‏!‏

ولقد حاول الصهيونيون الأوائل أن يجردوا الوعد التوراتي من طابعه الديني‏,‏ ويحولوه الي شعار وطني يمكنهم من إثارة الحماسة في اليهود البسطاء ودفعهم للهجرة الي فلسطين وإنشاء مستعمرة يهودية فيها علي نحو ما أنشأ الأوروبيون مستعمراتهم في أمريكا الشمالية‏,‏ والجنوبية‏,‏ واستراليا‏,‏ وجنوب إفريقيا‏.‏ فاذا وجدوا أنفسهم يصطدمون بأهل البلاد‏,‏ ورأوا أنهم عاجزون عن اخضاعهم فلا بأس في هذه الحالة من ترضيتهم والوصول معهم الي حل كما فعل إسحق رابين الذي لم يتورع عن تكسير عظام الصبية الفلسطينيين الذين شاركوا في الانتفاضة‏,‏ فلما عجز عن قهرهم مد يده مرغما لمصافحتهم‏,‏ وعندئذ جاءته الطعنة من الأصوليين اليهود الذين اعتبروه خائنا ومنافقا‏.‏ لقد جاءوا الي فلسطين حسب الوعد الإلهي الذي يعطيهم من النيل الي الفرات‏,‏ فاما أن يتحقق الوعد بحذافيره وإما أن يرحلوا‏.‏ وإذا كان الله قد منحهم هذه الأرض كلها وسماها باسمهم‏,‏ فليس من حق اسحق رابين أن يتنازل للفلسطينيين عن شيء منها‏!‏

اسحق رابين ليس يهوديا حقيقيا رغم كل ما صنعه لليهود‏,‏ لأنه لم يلتزم نصوص التوراة‏.‏ واليهودي الحقيقي هو قاتله ييجال عامير الذي أعلن أن الله هو الذي أمره بأن يقتل رابين‏.‏ وهو في هذا لايكذب‏,‏ وإنما يعبر عما آمن به وتمثله من تعاليم الدين والصهيونية‏.‏

وقد شهد الذين عرفوا القاتل بأنه لم يكن شريرا أو مخبولا‏,‏ وإنما كان نتاجا طبيعيا للتربية الدينية والسياسية التي تلقاها‏,‏ فهو ابن حاخام‏,‏ وكان طالبا متفوقا في الجامعة اللاهوتية في بارإيلان بالقرب من تل أبيب‏.‏ وكان جنديا ملتزما منضبطا في الجولان‏.‏ ولم يكن وحده المستعد لقتل رابين‏,‏ وإنما كان واحدا من آلاف الشبان الاسرائيليين المستعدين لارتكاب هذه الجريمة دون تردد‏,‏ لأنهم يعتقدون أنها واجب ديني ووطني في الوقت ذاته‏.‏ والأحزاب والجماعات الدينية المتشددة في اسرائيل تنمو نمو الخلايا السرطانية في جسد يسمح لها بالنمو‏,‏ ومنها جماعة تسمي إيال أي جنود إسرائيل‏,‏ وأعضاء هذه الجماعة يذهبون الي قبر تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية ليقسموا عنده بأن يقتلوا أي شخص يتنازل للعرب عن الأرض الموعودة في يهودا والسامرة أي في الضفة الغربية المحتلة‏!‏

ييجال عامير إذن ليس شذوذا أو استثناء في الاسرائيليين‏,‏ بل هو القاعدة التي لم تكن تشكل أغلبية الاسرائيليين في المرحلة التي تلت انشاء اسرائيل‏,‏ لكنها أصبحت الآن هي الأغلبية التي تأتي بأمثال مناحم بيجين‏,‏ واسحق شامير‏,‏ ونيتانياهو‏,‏ وأرييل شارون للحكم‏,‏ وهم لايقلون تطرفا عن ييجال عامير‏,‏ ولايتورعون وهم في السلطة عن اغتيال خصومهم بأجهزة ومعدات وفرق اغتيال تتبع الدولة التي تعتبر الاغتيال سلاحا من أسلحتها المشروعة‏.‏

لم يستطع ييجال عامير أن يفهم سلوك إسحق رابين فقتله‏,‏ لأن الصهيوني بطبيعته أصولي متشدد لايستطيع أن يكون عمليا‏,‏ ولايرضي بحل توفيقي تفرضه عليه الصهيونية في بعض الأحيان‏.‏ فالصهيونية دين مختلط بالسياسة‏,‏ أو سياسة مختلطة بالدين‏,‏ وهذه هي مشكلتها ومشكلة أي دين يقحم نفسه في السياسة‏.‏ إن العمل في الدين اما أن يكون حراما وإما أن يكون حلالا‏,‏ ولا يمكن الجمع بين هذين النقيضين‏,‏ لأن الحلال بين والحرام بين‏.‏ أما في السياسة فالطرق متعددة متشعبة‏,‏ وباستطاعتنا أن نجربها جميعا‏,‏ وأن نجتهد فيها فنصيب ونخطيء‏.‏ الحقيقة في السياسة نسبية‏.‏ والذي لانستطيع أن نحصل عليه كله اليوم نستطيع أن نستكمله غدا‏.‏ أما في الدين فالحقيقة مطلقة لأنها يقين لايقبل الشك أو الاجتهاد‏,‏ وهي تامة كاملة لاتقبل القسمة أو التجزئة‏.‏

والمشكلة التي يواجهها الصهيوني كما يواجهها كل االأصوليين تتمثل في محاولتهم الفاشلة القاتلة أن يجمعوا بين المطلق والنسبي في عقيدة واحدة‏.‏ وهي محاولة فاشلة وقاتلة أيضا‏.‏ لأن المطلق لايقبل حلا وسطا‏,‏ والنسبي لايستطيع أن يحقق المثل الأعلي‏.‏ اذا تمسكنا بالمثل الأعلي خرجنا من دائرة السياسة‏,‏ واذا قبلنا الحل الوسط قصرنا في حق الدين‏.‏

من هنا كان لابد من الفصل بين الدين والسياسة باعتبارهما مجالين مختلفين متضادين‏,‏ وفهم النصوص الدينية التي تتعرض للنشاط العملي فهما رحبا يتجاوز المعني الحرفي للنص‏,‏ وينظر لغاياته ومقاصده‏,‏ وهذا ما تمثله بعض الاتجاهات التي أعلنت أن اليهودية دين وليست قومية‏,‏ وأن اسرائيل ليست أرضا أو دولة‏,‏ ولكنها وطن روحي أو مدينة فاضلة تقوم في وجدان الذين يؤمنون بمستقبل بشري تسود فيه روح الخير والمحبة والسلام‏.‏

هذه هي مدينة الله‏,‏ أو الصهيونية الروحية التي كان يبشر بها عدد من أعظم المثقفين اليهود كالفيلسوف مارتن بوبر‏,‏ والفيزيائي ألبرت أينشتين الذي كان يعتقد أن دولة واحدة تضم العرب واليهود أفضل لليهود من دولة يهوية‏.‏ فالمثل اليهودية في نظره تتحقق بالالتزام الأخلاقي وليس بسلطة دنيوية أو دولة لها حدود‏,‏ وجيش‏,‏ وحكومة‏.‏

غير أن الصهيونيين السياسيين او الوثنيين كما يسميهم اليهود غير الصهيونيين قرروا أن يستعيدوا اسرائيل بحدودها التي كانت قائمة قبل ثلاثةآلاف عام في فلسطين فوجدوا أنفسهم في مأزقهم الراهن محكوما علي كل منهم بأن يختار دورا من اثنين لا ثالث لهما‏,‏ اما أن يكون اسحق رابين او ييجال عامير‏,‏ إما أن يكون القاتل‏,‏ وإما أن يكون القتيل‏.‏ فالصهيوني بطبيعته متطرف يصر علي أن يحقق في الواقع أساطيره الدينية التي تخصه وحده ولاتهم سواه‏,‏ وإذن فهو عدو لكل من يخالفه‏,‏ ولامفر عندئذ من أن يكون الصهويني عنيفا بطبيعته‏,‏ ولامفر من أن يختار أحد المصيرين‏,‏ مصير ييجال عامير‏,‏ أو مصير اسحق رابين‏.‏

والعنف تراث ممتد الجذور في كل الجماعات الأصولية التي تعتقد أن كل ما تؤمن به وحي سماوي لايمكن تعديله او تأويله‏,‏ ولابد من الاذعان له والعمل به‏,‏ والتضحية في سبيله بالنفس أو بالخصوم الذين يحل للأصولي أن يهدر دماء هم ويغتالهم كما كان يفعل السيكاريون في التاريخ اليهودي‏,‏ والحشاشون في التاريخ الاسلامي‏,‏ وكما لايزال يفعل حتي الآن أرييل شارون وزبانيته الذين يغتالون زعماء المقاومة الفلسطينية‏,‏ فيرد عليهم الفلسطينيون بالمثل‏,‏ لأن الأصولية تشجع الأصولية‏,‏ والعنف يولد العنف‏,‏ والانتحار يدعو للانتحار‏!‏

لابد إذن من اعادة النظر في الأساس الذي قامت عليه اسرائيل‏,‏ فمادامت اسرائل دولة يهودية فلن تضع الحرب أوزارها واذا كان الاسرائيليون مصرين علي أن يجعلوا دولتهم يهودية‏,‏ فلسنا مضطرين لأن نعترف لهم بذلك‏,‏ وإلا فنحن نعطيهم رقابنا‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~