|
|
|
تقارير المراسلين
| 42954 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 14 | 26 من جمادى الأولى 1425 هـ | الأربعاء |
|
صراع الكبار داخل حلف الناتو
|
رسالة اسطنبول : جميل عـفيفـي |
أظهرت قمة حلف الناتو الـ17 في اسطنبول, الخلافات الواضحة في وجهات النظر بين الولايات المتحدة الأمريكية من جانب, وفرنسا وألمانيا من جانب آخر, وقد تتحالف بريطانيا كثيرا مع الولايات المتحدة, لتحقيق العديد من المصالح المشتركة بينهما, في حين تحاول فرنسا وألمانيا أن تجدا لهما دورا في قيادة الحلف, وفرض بعض المطالب الخاصة بهما للوصول إلي التوازن الاستراتيجي داخل الحلف, علي الرغم من أن العديد من الدول الأعضاء في الحلف, خاصة المنضمة حديثا من أوروبا الشرقية, تريد أن تدخل عباءة الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق المصالح والأهداف الخاصة بها.
وإذا تحدثنا أولا عن التحالف الأمريكي ـ البريطاني نجد أنه تحالف قديم يسبق نشأة حلف شمال الأطلنطي, وظهر ذلك واضحا في الحربين العالميتين الأولي والثانية, وتحاول لندن من خلال هذا التحالف إضعاف ـ إن لم يكن القضاء ـ علي مقولة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق, بأن ألمانيا هي القوة الأكثر فاعلية في أوروبا مستقبلا, وإنه علي واشنطن التعامل معها كمدخل للاتصالات مع السفارة, وذلك من خلال تأكيدها أهمية التحالف العسكري البريطاني ـ الأمريكي داخل الناتو حيث إنها تحاول من خلال تحالفها مع الولايات المتحدة داخل الناتو العمل من أجل إضعاف دور الاتحاد الأوروبي, والتشكيك في قدرته علي الدفاع عن أمن القارة الأوروبية كما يجب, ومناصرة فكرة توسيع الحلف شرقا, وضم دول المنظومة الاشتراكية السابقة إلي عضويته. كما تعمل بريطانيا في هذا الإطار لتأكيد ثنائية مراكز القوي داخل الناتو بينها وبين الولايات المتحدة, الأمر الذي يعني إضعاف نفوذ ألمانيا في أوروبا, وهذا الأمر يصب في مصلحتها ورؤيتها السياسية للمستقبل, ويساعدها والولايات المتحدة علي تنسيق جهودهما في التعامل مع باقي الدول, كما تطمح من وراء ذلك إلي تحقيق مع ادلة النظام الدولي الجديد الذي تكون فيه بريطانيا الجزء الثاني في معادلة زعامة العالم التي تقوم علي تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة, وذلك من خلال إضعاف الدور الروسي الهزيل أصلا, مع الضغط لتحجيم الدور الألماني الطموح, وحتي لا يتحقق لألمانيا عبر السلام, ما فشل هتلر في تحقيقه عبر ميزان الحرب.
التنافس الفرنسي أما بالنسبة لفرنسا فغالبا ما تكون المصلحة القومية للدول وأهدافها الاستراتيجية العليا هي المحرك الرئيسي لسياستها الخارجية, وهذا هو ما حدث بالفعل في علاقة فرنسا بحلف شمال الأطلنطي, فبعد30 عاما من انسحابها منه في عام1966, قررت في عام1996 العودة إليه, بل ومحاولة لعب دور مؤثر في مؤسساته العسكرية. وقد أثار قرار فرنسا الصادر في عام1996 بالعودة إلي الهياكل العسكرية للحلف خلافا في وجهات النظر فيما يتعلق بدوافع هذا القرار, ففي حين رآه البعض تراجعا كبيرا عن سياسة فرنسا الاستقلالية داخل الكتلة الغربية, اعتبره البعض الآخر سعيا لوضع فرنسا في قلب النظام الأطلنطي, حيث لا يمكن لها أن تظل منعزلة في ظل النظام الدولي الراهن, كما أنها لن تستطيع استمالة شركائها مادامت خارج الحلف خاصة أن الناتو كان علي أعتاب عملية توسيع الحلف شرقا, وكانت فرنسا لا تريد أن يتم ذلك دونها, وهو ما قد يفقدها ثقلها الاستراتيجي علي مستوي القارة الأوروبية.
ولم يخف الكثير من الأمريكيين تخوفهم من التوتر الذي قد ينشأ بسبب عودة فرنسا للحلف, لاسيما أنه كان يمر بمرحلة بالغة الحساسية, ومواجه بكثير من القضايا والمشكلات التي يتعين عليه معالجتها, وأخطرها علي الإطلاق ضم دول أوروبا الشرقية بعد انهيار البنيان الأمني الذي كان يجمعها( حلف وارسو), ولم يأت هذا التخوف الأمريكي من فراغ, ولكن بدفعها لذلك إلي النزعة الاستقلالية الفرنسية والتأييد الفرنسي المطلق لصياغة هوية أوروبية في مجال الدفاع والأمن, قد تتعارض في جوانب كثيرة منها مع البعد الاستراتيجي للناتو, وتزايدت هذه المخاوف مع اتباع فرنسا لسياسة جديدة تقلق شركائها, وتدعو إلي أن يكون لاتحاد أوروبا مهام عمليات خارج منطقة الناتو.
وقد شهدت الساحة السياسية الفرنسية جدلا فكريا بين تيارين يري أحدهما ضرورة الاستمرار في الاستقلال الدفاعي وتكريسه, مع التشديد علي الردع النووي, أما التيار الآخر فيدعو إلي التخلي عن الاستقلالية لمصلحة دور أفضل في حلف الناتو, ويري أنه بسبب الدور الذي تطمح فرنسا للاضطلاع به في العالم, ونظرا للوسائل التي تملكها, وبسبب صعوبة تحديد العدو, ونظرا للضغوط الداخلية ولمواقف الحلفاء الأوروبيين, فإن فرنسا عليها تغيير استراتيجيتها الدفاعية, وإجراء عملية مصالحة بين إرادتها في الاستقلال الوطني, والتضامن مع حلفائها, كما يجب التوصل مع الولايات المتحدة الأمريكي وبريطانيا إلي خطة لتجديد الحلف من خلال تشكيل قوة متجانسة وفاعلة قادرة علي العمل تحت قيادة الاتحاد الأوروبي.
الخلاف الأمريكي ـ الفرنسي ويكمن سبب الخلاف والتنافس بين فرنسا والولايات المتحدة داخل حلف الناتو, أن فرنسا تريد إنشاء وحدات عسكرية أوروبية بعيدا عن الوصاية الأمريكية في الوقت الذي تسعي فيه الولايات المتحدة للحفاظ علي حقها في مراقبة العمليات التي تسند إلي القوات الأوروبية, بالإضافة إلي الرفض الأمريكي القاطع للفكرة الفرنسية الداعية إلي منح القيادة لقوات الناتو لجنوب أوروبا, ومقرها نابولي, لضابط أوروبي, هذا بالإضافة إلي معارضة فرنسا للفكر الأمريكي بتوسيع الحلف شرقا بحجة أنه لا يوجد أي تهديد حقيقي من دول وسط وشرق أوروبا, يتطلب توسيع الحلف, فقبول بعض الدول واستبعاد الدول الأخري قد يؤدي إلي إضعاف التيارات الإصلاحية في هذه الدول, ويزيد من حدة التوتر في المنطقة, وربما يؤدي إلي تكتلات أخري ضد الناتو والمصالح الغربية. كما ساقت فرنسا أخري بأنه ربما يؤدي توسيع الحلف إلي إفقاده التجانس والتماسك والقدرة علي تحقيق الإجماع المطلوب داخل الحلف, كما أن الوضع الاقتصادي لأوروبا الشرقية لا يسمح لها بالوفاء بالتزاماتها المالية والدفاعية تجاه الناتو, خاصة أن الغرب غير مستعد لتحمل هذا العبء, كما أن الناتو لا يمكنه استيعاب عدد كبير من الأعضاء الجدد دون أن يؤدي ذلك إلي فقدان الحلف لشخصيته المتميزة التي استمرت لأكثر من نصف قرن من الزمان, وإلي آثار سلبية خطيرة تتطلب إجراء تغييرات واسعة في الهيكل العسكري للناتو, كما أن الحلف يجب أن يراعي المعارضة الشديدة من جانب روسيا, وتأثيرها علي تماسك الحلف ومصداقيته, نظرا لأن عملية التوسيع ستؤدي إلي تنامي الحلف بصور أكبر وأقوي, وربما يؤدي إلي عزلة روسيا دوليا, وهو أمر لن تقبله روسيا.
كل ما ساقته فرنسا لم يوضع محل الاهتمام بالنسبة للحلف وعلي رأسه الولايات المتحدة الأمريكية, واستطاع الحلف أن ينفذ استراتيجيته الموضوعة في التوسع نحو الشرق, وضم دول من أوروبا الشرقية إلي الحلف, فيما يعد تهميشا للفكر والرأي الفرنسي في هذا الموضوع المهم والحيوي بالنسبة للحلف.
كما ظهر العديد من الخلافات في وجهات النظر بين الرؤية الأمريكية والرؤية الفرنسية لمستقبل الحلف, والمفهوم الاستراتيجي الجديد له, الذي تم تبنيه في قمة واشنطن عام99, وموقع الأمم المتحدة فيه. ففي الوقت الذي أصرت فيه الولايات المتحدة علي استبعاد الأمم المتحدة من استراتيجية الحلف لإدارة الأزمات الدولية, وتعمدت أن تكون الإشارات إلي الأمم المتحدة في البيان الختامي غير دقيقة قدر الإمكان لتجنب استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن من قبل روسيا والصين, فإن فرنسا أرادت أن تقر النظرية الواردة في المفهوم الاستراتيجي مبدأ أولوية الأمم المتحدة علي حلف الناتو, وضرورة أن تحصل عمليات حفظ السلام التي يقوم بها الحلف علي تفويض من المنظمة الدولية صاحبة الاختصاص الأصيل في هذا السياق.
وأيضا لم يؤخذ بالرأي الفرنسي في هذا الموضوع, ووضع البيان, ولم تتم الإشارة إلي الأمم المتحدة, واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تنفذ ما تريده في هذا البيان, وكان أول ما قررته فيما بعد هو إرسال قوات الناتو إلي أفغانستان دون العودة إلي الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق بدأت فرنسا في استقطاب مجموعة من الدول من أجل أن يكون لها ثقل داخل الحلف, ومن بين هذه الدول ألمانيا, التي تشعر بالتهديد هي الأخري من قبل بريطانيا, ولكن حتي قمة أسطنبول لم يستطع التحالف الفرنسي ـ الألماني أن يكون له دور مؤثر في القرارات التي تؤخذ, وقد يكون هناك موقف مختلف في الاجتماعات الأخري, في حين سيظل التنافس بين كبار الحلف مستمرا ولن ينتهي. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|