|
|
|
تقارير المراسلين
| 42954 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 14 | 26 من جمادى الأولى 1425 هـ | الأربعاء |
|
مصطفي عثمان إسماعيل وزير خارجية السودان: دور مصـر محـوري في عمليـة السـلام السـودانية
|
أجري الحوار في اسطنبول : عبدالحليم غزالي |
 | | مصطفى عثمان |
السودان واحدة من أهم القضايا العربية والعالمية في المرحلة الراهنة في ظل عملية التسوية الجارية بين حكومة الخرطوم والمتمردين الجنوبيين التي تفتح الباب لإنهاء حرب أهلية مزمنة وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية, وما يثار حول التطورات في إقليم دارفور. الأهرام التقي وزير الخارجية السودانية مصطفي عثمان إسماعيل علي هامش مشاركته في اجتماعات دول منظمة المؤتمر الإسلامي في اسطنبول أخيرا, حيث أكد أن دور مصر محوري في تحقيق السلام في السودان, واستبعد اتجاه الجنوبيين للانفصال, معتبرا أن هذا خيار سيئ وغير عملي لهم ولدول الجوار وللعالم أجمع. وفي حواره مع الأهرام أيضا, يبدي إسماعيل استعداد الحكومة السودانية لتشكيل وحدة وطنية استجابة لدعوة رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الأمة الصاق المهدي ويحمل جهات غربية إثارة ضجة إعلامية حول دارفور وتوجيه اتهامات ظالمة للخرطوم. وفيما يلي نص الحوار:
* كيف تقومون العلاقات المصرية ـ السودانية في ظل التطورات الراهنة, خاصة عملية السلام؟ { عندما ننظر إلي العلاقات السودانية ـ المصرية من الزاوية التاريخية والجيوبوليتيكية والاجتماعية, نجد أن شعبي البلدين هما الأقرب إلي بعضهما البعض, وكان الرئيس أنور السادات ـ رحمه الله ـ يصف الشعبين بأنهما شعب وادي النيل, ونحن كنا دولة واحدة تحت حكم الاستعمار الانجليزي, وقد مرت هذه العلاقات بشيء من التوتر في حقبة التسعينيات ثم زال هذا التوتر, وتم طرح المبادرة المصرية ـ الليبية وحرصت الحكومة السودانية علي إنجاحها, ولكن أطرافا أخري سودانية وغيرها أرادت العكس, ومن ثم تقدمت مبادرة الإيجاد, وقد ترددت مصر في البداية في المشاركة في هذه المبادرة بسبب بند حق تقرير المصير للجنوبيين, لكن توجد فيها بنود وضمانات إذا ما أحسنا استغلالها يمكن أن تسهم في الحفاظ علي وحدة السودان, والملاحظ أن السيد أحمد ماهر وزير الخارجية المصرية شارك في حفل التوقيع علي اتفاق السلام الأخير, وقام السيد عاطف عبيد رئيس وزراء مصر يوم8 يونيو الماضي بزيارة للخرطوم لتقديم التهنئة باسم الرئيس مبارك للرئيس البشير, وكانت مصر أول محطة في الجولة الخارجية التي قام بها النائب الأول لرئيس الجمهورية السيد علي عثمان محمد طه وهذا أمر له دلالته, حيث يؤكد أن مصر في قلب العملية السلمية ودورها محوري علي المستويين الإقليمي والدولي, ومن ثم يمكن أن تشارك في حشد المجتمع الدولي لإعادة الإعمار والتأهيل في السودان في بناء السلام والعمل علي أن تنتهي الفترة الانتقالية بالحفاظ علي وحدته. وأشير هنا إلي إقرار برلماني البلدين لاتفاقية الحريات الأربع التي تتيح لمواطني البلدين التملك والعمل والإقامة والتنقل فيهما.
إذن نحن في مصر والسودان بقيادة الرئيسين البشير ومبارك ننظر إلي التحديات التي تواجه البلدين بمزيد من العمل والربط بين الشعبين من خلال برامج اقتصادية وتجارية وثقافية وهناك تنسيق كامل بين البلدين في السياسة الخارجية.
مفردات الدور المصري * ما هو الدور الذي ستقوم به مصر تحديدا في عملية السلام السودانية ككل حسب تصوركم؟ { يمكن أن ألخص الدور المصري في ثلاثة محاور: الأول, تثبيت السلام بإيجاد وحدة وطنية بين السودانيين ومصر بما لها من علاقات متميزة مع الفصائل المختلفة والحكومة تستطيع أن تسهم في تثبيت الوفاق وتأمينه لمصلحة السودان واستقراره, أيضا هناك مجموعات مراقبة لعملية السلام ومصر ستكون واحدة من الدول التي ستشارك في تشكيل هذه المجموعات, كما أن هناك مفوضيات ولجان ستنشأ لمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام بحيث تقود لأن يكون خيار الوحدة هو المفضل ومساهمة مصر في هذه المفوضيات واللجان ستكون مهمة جدا لتثبيت السلام.
المحور الثاني يتصل بالاقتصاد, وفي هذا الإطار تستطيع مصر أن تسهم من خلال الجامعة العربية في دعم صندوق الجنوب, وكذلك من خلال المؤتمر الدولي الذي سيعقد في أوسلو لتوفير التمويل اللازم لمشروعات الإعمار.
المحور الثالث يتصل بالملف السياسي, حيث لاتزال القضية السودانية تحتاج إلي عمل سياسي سواء فيما يتصل بدول الجوار أو المجتمع الدولي لمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام, حيث ستتم معالجة ملف السودان في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية من خلال التنسيق بين دبلوماسيتي البلدين علي جميع المستويات سواء الرئاسي أو البرلماني, حيث شكلنا اللجنة الدائمة للبرلمانين المصري والسوداني ويمكن أن تنشط في التعريف بقضية السودان.
مياه النيل * أثيرت أخيرا قضية مياه النيل وظهرت دعوات لتغيير اتفاقية تقاسمها, ما هي ملامح الموقف المصري ـ السوداني المشترك بهذا الشأن؟ { هناك اتفاق بين البلدين علي أن مياه النيل يجب أن تستفيد منها كل الدول التي يمر بها, ونحن نري أن مياه النيل كافية لتلبية احتياجات الدول التسع الموجودة في حوضه, وهناك قناعة بأنه من خلال القنوات الموجودة سواء اللجان الوزارية أو لجان الخبراء يمكن التوصل إلي اتفاق بشأن الاستفادة المشتركة من مياه النيل, وإذا لم يحدث ذلك علي هذين المستويين, يمكن أن يطرح الأمر علي مستوي القمة دون المساس بالاتفاقات التي وقعت في السابق. وفي هذا الإطار, فإن مصر والسودان يطرحان مشروعات في غاية الأهمية لزيادة موارد النيل المائية سواء بحفر قنوات قربه أو العمل علي تقليل كمية التبخر التي تقدر بمليارات المكعبات من المياه, ونحن نطرح أيضا ما هو أبعد من ذلك.. مشروعات صناعية علي النيل تستفيد منها كل دول حوض النهر, وتسهم مصر والسودان في توفير المياه الجوفية لهذه الدول. ومجمل القول إننا في حوض النيل يمكن التوصل بيننا إلي اتفاق ووفاق حول الاستفادة من مياهه دون المساس بالاتفاقات الموقعة.
* هل هناك صدي لدي دول الحوض لهذا الطرح المصري ـ السوداني؟ { نحن في اجتماعنا الثلاثي الذي شمل وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا أخيرا توصلنا إلي توافق علي هذا الطرح.. وهنا أشير إلي أن الدول الثلاث تحصل علي أكثر من85% من مياه النيل, ونحن نريد من القوي الخارجية التي تسعي لتفتيت وفاق دول حوض النيل أن تبتعد وتتركنا لكي نتوصل إلي اتفاق حول احتياجاتنا وقضايانا, ومصر والسودان هما الأكثر حرصا علي استفادة كل دول الحوض من مياهه وليس هناك أي داع لإيجاد زوبعة في فنجان. الخرطوم وخيار الانفصال
* نعود لعملية التسوية السودانية.. ثمة من يري أن الحكومة السودانية دخلت في مصيدة بقبولها الاتفاق المطروح رغم عدم وجود ضمانات بعدم انفصال الجنوب, حيث القرار في يد أبنائه والجهات التي يرتبط بعضهم بها.. ما تعليقكم؟ { هذا الطرح فيه شيء من الصحة.. ففي النهاية القرار في يد الجنوبيين.. لكن هل هم مع الانفصال؟.. وهل هو في مصلحتهم؟.. وجهة نظري أنه لا مصلحة لا للشمال أو الجنوب في أن يحدث مثل هذا الانفصال لاسمح الله للأسباب الآتية:
أولا: الشمال والجنوب معا يشكلان وحدة جغرافية واحدة ولا توجد فواصل طبيعية بينهما, بل إن نهر النيل يربط بينهما, وإذا حدث الانفصال فلن يكون هناك منفذ بحري للجنوب ومن ثم يصبح دولة مغلقة.
ثانيا: ملايين من الجنوبيين نزحوا إلي الشمال, وهؤلاء من الصعب جدا أن يعودوا إلي مناطقهم وفي الخرطوم وحدها مليونان من أبناء الجنوب وبعضهم علي الحدود مع مصر, بل هناك عشرات الآلاف منهم في مصر نفسها.
ثالثا: إذا كان البعض يعتقد أن الانفصال يمكن أن يوقف الحرب فعلينا أن نتذكر تجربة إثيوبيا وإريتريا, حيث خاضا حروبا لمدة30 سنة لكن الحرب التي جاءت بعد استقلال إريتريا أسوأ من كل هذه الحروب, إذن الانفصال ليس هو الحل وإنما التعايش, وليس منطقيا أن كل منطقة تواجه مشكلة تنفصل عن الدولة الأم, فإذا كان الأمر كذلك في دارفور فلينفصل ولنفصل الشرق أيضا, وهكذا سيتفتت السودان إلي خمسة أو ستة كيانات.
رابعا: في إفريقيا بشكل عام مشكلة قبلية, وفي السودان تبدو أكثر عمقا وهي يمكن أن تقود إلي مزيد من المشكلات والحل يكمن في انصهار القبائل في كل دولة موجودة فيها في ظل التقاسم العادل للثروة والسلطة, والجنوب فيه القبلية أكثر حدة وقد يشهد حروب إبادة إذا انفصل, علي غرار ما حدث في رواندا.
خامسا: لو خرجنا من السودان ونظرنا إلي المنطقة, سنجد أن انفصال الجنوب سيعرضها للخطر, فأوغندا لديها مشكلة في الشمال وإثيوبيا دستورها يكفل لأي قومية حق تقرير المصير, وفي ظل القبلية في إفريقيا لابد من الحفاظ علي الحدود القائمة التي خلفها الاستعمار وهو ما نصحنا به الآباء الذين أسسوا الاستقلال. والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذه الأسباب: هل هناك جهات تسعي لتقسيم السودان؟.. والإجابة: نعم.. وهذه الجهات غربية وهناك إسرائيل أيضا التي لا تريد أن يظل السودان موحدا وقويا في إطار سعيها وضرب العالم العربي, والتحدي يكمن في كيفية مساعدة الشعب السوداني علي اجتياز هذه المرحلة الحرجة.
* هل لمستم وعيا وحدويا لدي الجنوبيين قيادة وسكانا؟ { من المؤكد أن مرارات الحرب توجد دعوة وتوجهات نحو الانفصال ومن ثم أبدت الحكومة مرونة كبيرة جدا لإيقاف هذه الحرب, لأن استمرارها أوجد واقعا انفصاليا بين الشمال والجنوب, حيث سيطرت الحركة الشعبية علي أجزاء من الجنوب وساندها الغرب الذي سعي لزرع بذور الحقد والتشتت.
قضية دارفور * فجأة أصبحت كلمة دارفور منتشرة للغاية في أنحاء العالم في صدر النشرات الإخبارية والصحف وهناك اتهامات للحكومة السودانية بتمويل ودعم ميليشيات متهمة بانتهاكات لحقوق الإنسان.. ما حقيقة ما يجري هناك؟ { أولا من أثاروا الضجة حول دارفور جهات كانت تسعي لاستمرار الحرب في السودان حيث وضعت نصب عينيها هدفا محددا هو إسقاط الحكومة في الخرطوم وفي مقدمة هذه الجهات إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون, ولقد قال انطوني ليك مستشار الأمن القومي في هذه الإدارة: نحن سنحاصر الحكومة السودانية ونضعفها من خلال دول الجوار, وفي ذلك الوقت كانت إثيوبيا وإريتريا وأوغندا وهي دول أنجلوفونية متحالفة مع الولايات المتحدة, أما جارتنا في الغرب تشاد, فنظرا لعلاقاتها الجيدة مع فرنسا رفضت نقل الحرب إلي إقليم دارفور المجاور لها.
وعندما بدأت محادثات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية تؤتي ثمارها, قالوا ماذا نفعل في مجموعات المتمردين من دارفور فشكلوا وحدات مشتركة مع حركة التمرد حتي يمكن السيطرة علي الإقليم, ثم دفع متمردي دارفور إلي داخله حتي تنشأ حرب أخري في الغرب, ومن فبراير إلي ديسمبر عام2003 حاولنا إقناع هؤلاء المتمردين بإلقاء السلاح وبدء الحوار, وكانت قبيلة الزغاوة تقود التمرد وهي التي ينتمي إليها الرئيس التشادي إدريس ديبي, ولقد حاول أن يتحدث إليها لإقناعها بأنه لا داعي للحرب, لكنهم أصروا عليها وبدأوا يحاولون إرهاب القبائل الأخري حتي تنضم إليهم, وأصبحت هذه القبائل أمام خيارين: الاستجابة للمتمردين, أو إنشاء ميليشيات خاصة بها لحماية أبنائها وهو ما أطلق عليه الجنجاويد وأمام ذلك قررت الحكومة التدخل حتي لا تحدث حرب أهلية بين القبائل في دارفور وفي النهاية أنهت التمرد وبدأت في معالجة آثار المعارك, وحتي الآن لم يصدر بيان واحد عن المراقبين الدوليين الذين قبلت وجودهم في الإقليم يدين الحكومة التي شكلت لجنة مستقلة للتحقيق في اتهامات ومزاعم المنظمات الغربية في دارفور, وقد بدأت تنفيذ خطة لإعادة اللاجئين إلي منازلهم, وبعد ذلك طرحنا حلا سياسيا بالتفاوض في تشاد أو الداخل وشكلنا لجنة من أبناء دارفور لعقد مؤتمر سياسي مشترك لهم.
لكن الذين كانوا يريدون للتمرد أن يسيطر علي دارفور وفشلوا في ذلك عسكريا, أشعلوا التهم الإعلامية. وهنا أشير إلي أن المنظمات الغربية التي كانت تعمل في الجنوب تبحث الآن عن مكان جديد, ولما كان سكان دارفور مسلمين بنسبة مائة في المائة, رفعوا شعار حرب العرب ضد الأفارقة وهي أبعد ما تكون عن ذلك.
* ما هو موقفكم من دعوة السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة لتشكيل حكومة وحدة وطنية في هذه المرحلة؟ { نحن نتفق تماما مع هذه الدعوة, وعلي استعداد للاتفاق علي صيغة حكومة وحدة وطنية, ونحن نقول نريد اتفاقا يقوم علي مرتكزين: الأول القبول باتفاقية السلام, والثاني التحول السلمي الديمقراطي والأحزاب التي تقبل ذلك يكون من حقها أن تشارك في هذه الحكومة.
* هل هذا التسامح السياسي يشمل حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي؟ { قلت إن أحد المرتكزين اللذين تحدثت عنهما هو التحول السلمي الديمقراطي ولا نرضي لحزب أن يستخدم العنف, وإذا قبل المؤتمر الشعبي هذا الشرط فأهلا به, لكن أن يأتي حزب لاستغلال الديمقرطية لضربها.. فهنا نحن لا نتقدم إلي الأمام. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|