تقارير المراسلين

42954‏السنة 127-العدد2004يوليو14‏26 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

أوراق اســطنبول الألمانيــة
استراتيجية أطلنطية من ثلاثة أركان للديمقراطية في الشرق الأوسط

رسالة برلين‏:‏ عبدالعظيم حماد
حلف الناتو فى أحد الاجتماعات
لمدة‏9‏ أشهر متصلة قبل القمة الأخيرة لحلف الأطلنطي في اسطنبول‏,‏ عكفت مجموعة من السياسيين والخبراء الاستراتيجيين ـ بمبادرة من صندوق مارشال الألماني ـ علي وضع استراتيجية شاملة لدفع التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط الموسع‏,‏ وبما أن هذه الاستراتيجية وضعت كخطة عمل للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ـ وليس لحكومات الشرق الأوسط ـ فإنها قدمت رسميا الي قمة اسطنبول الاطلنطية‏,‏ التي تبنت معظم ماجاء فيها‏,‏ تكونت المجموعة من‏19‏ عضوا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا‏,‏ وتعاونت المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية مع الصندوق الألماني في المشروع الذي اختير له مستشاران هما الدكتور معني نصور كبير الباحثين بمدرسة السياسات العامة بجامعة جورج ماسون الأمريكية‏,‏ والبروفسور اريك شيفاليين استاذ العلوم السياسية بجامعة السوربون الفرنسية‏.‏
من العناوين تتأكد الجدية التي ينظرون بها هنا وفي كل مكان في الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي لقضية التحول الديمقراطي في منطقتنا‏,‏ فقد كان العنوان لسلسلة أوراق اسطنبول ـ التي صدرت ضمنها الورقة التي نتحدث عنها هنا ـ هو‏:‏ حلف الأطلنطي في مفترق طرق جديد‏,‏ أما عنوان الورقة نفسها فكان‏:‏ الديمقراطية والتنمية في الشرق الأوسط‏:‏ استراتيجية اطلنطية للمشاركة

وفقا للرؤية التي تبناها المشاركون فإن محصلة الجدل الذي ثار في المنطقة منذ اطلقت المبادرتان الأمريكية والأوروبية للاصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط هي أن الحكومات هناك تراهن علي عدم جدية الغرب في دفعها الي هذا الطريق‏,‏ وأن الناشطين من أجل الاصلاح في الدول المعنية يتشككون بدورهم في أن الأمريكيين والأوروبيين سيخصصون من الموارد‏,‏ ويبذلون من الجهود مايكفي لاطلاق عملية التحول المطلوبة‏,‏ أي ان هؤلاء يشكون بدورهم في جدية الغرب‏..‏ ومن هنا فلايزال الجمود هو سيد الموقف‏,‏ ولكسر هذا الجمود لابد من اثبات الجدية من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بكل الوسائل‏.‏
ومن الضروري أن يكون في مقدمة هذه الوسائل وضع تصور متفق عليه ومعلن للسياسة الاطلنطية في الشرق الأوسط‏,‏ أو ما يسمي الآن استراتيجية المشاركة عبر الاطلنطي‏,‏ وهي تتكون من ثلاثة اركان‏,‏ أولها مساعدة القوي الساعية الي التغيير الديمقراطي في المنطقة برمتها‏,‏ والثاني‏,‏ ايجاد بيئة اقليمية تساعد وتسهل التحول نحو الديمقراطية‏,‏ أما الثالث فهو اعادة تنظيم الصف الأورو ـ أمريكي في التعامل مع الشرق الأوسط علي مدي عدة اجيال مقبلة‏.‏
من هذا التصور تنبثق الأدوات المقترحة لتطبيق كل ركن من تلك الأركان الثلاثة‏.‏

فمن أجل مساعدة قوي الاصلاح والديمقراطية يجب أن تجعل جميع الحكومات الأوروبية والولايات المتحدة وكندا هذه القضية هي القضية المركزية في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط‏,‏ وإذا كانت حوافز الرئيس الأمريكي جورج بوش الواردة في مشروعه المسمي تحدي القرن الحادي والعشرين‏,‏ والتي تمثلت في مكافآت مالية وعينية للدول العربية التي تحرز تقدما نحو الديمقراطية لم تؤد الي احراز التقدم المتوقع أو جزء منه‏,‏ باستثناء ما تحقق مسبقا في المغرب والأردن‏,‏ فإن الخطوة التالية هي العقوبات‏,‏ بمعني ربط المعونات الأمريكية والأوروبية‏,‏ وكذلك التسهيلات التجارية والتعاون العسكري والأمني بالخطوات الاصلاحية‏,‏ وتوجيه ما سوف يخصم من الحكومات من تلك المعونات الي منظمات المجتمع المدني‏,‏ والي الحركات الناشطة في المطالبة بالاصلاح الديمقراطي‏,‏ ولذا فإن هناك حاجة ماسة اإلي تكوين صندوق أورو ـ أمريكي ـ كأداة غير حكومية ـ للاتصال بمنظمات المجتمع المدني في الشرق الأوسط علنا وبمنتهي الشفافية‏,‏ مثلما سبق وحدث بالنسبة للصندوق الاورو ـ أمريكي للديمقراطية في آسيا‏,‏ ونظيره لدعم التحول الديمقراطي في أوراسيا‏,‏ أي في روسيا وشرق أوروبا‏.‏
يتوجب علي الاتحاد الأوروبي اعادة النظر في عملية برشلونة للتعاون الأورو ـ متوسطي بحيث يصبح التحول الديمقراطي في جنوب المتوسط وشرقه جزءا لا يتجزأ من هذه العملية‏,‏ كما تقتضي الجدية من الأوروبيين أن يخصصوا مزيدا من الموارد المالية لوسائل دفع التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط الموسع من خلال منظمات المجتمع المدني‏,‏ فأوروبا لا تخصص حاليا سوي‏40‏ مليون دولار سنويا لهذا الغرض‏,‏ في حين تخصص الولايات المتحدة‏600‏ مليون دولار‏,‏ والحد الأدني المقبول للمساهمة الأوروبية ينبغي ألا يقل عن‏500‏ مليون دولار‏.‏

لكن نجاح كل تلك الوسائل يتطلب شرطا أوليا‏,‏ وهو اتفاق شركاء الاطلنطي علي إعلان نيات واضح في الشرق الأوسط‏,‏ بحيث تتبدد أولا شكوك الأوروبيين انفسهم في الأهداف الأمريكية‏,‏ بما ان كثيرا من ممارسات الإدارة الحالية تؤكد أنها مشغولة باعادة انتاج عصر الاستعمار‏,‏ أو علي الأقل اعادة انتاج مشروع امبراطوري بدءا من الشرق الأوسط‏,‏ بما يغير طبيعة النظام العالمي من ناحية‏,‏ ويلحق أضرارا مؤكدة بالمصالح الأوروبية من ناحية أخري‏,‏ فإذا تبددت شكوك الأوروبيين فسوف يكون من السهل تبديد شكوك شعوب الشرق الأوسط في الأهداف الأمريكية‏,‏ علما بأن أزمة الثقة في المنطقة في السياسة الأمريكية مسئولة عن كثير من السلبيات الحالية‏,‏ وفي مقدمتها في الأشهر الأخيرة فتور استقبال الشعوب العربية والمسلمة للمبادرة الأمريكية للشرق الأوسط الموسع‏,‏ رغم ادراك هذه الشعوب حاجتها الماسة الي الاصلاح الديمقراطي‏,‏ ورغم ازمة الثقة القائمة بين هذه الشعوب‏,‏ ونظم الحكم القائمة عليها‏.‏
بطبيعة الحال هناك وسائل أخري مساعدة في تطبيق هذا الركن الأول من أركان الاستراتيجية الاطلنطية لدفع التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط‏,‏ أبرزها توسيع الاتصالات والتبادل الثقافي مع المجتمعات العربية والمسلمة الي اقصي حد‏,‏ وتزويد هذه المجتمعات بالمهارات والقدرات الفنية اللازمة لتعزيز مؤسسات التحول الديمقراطي‏,‏ بدءا من أدوات المراجعة والرقابة المالية في مواجهة الفساد المالي والاداري الحكومي‏,‏ وانتهاء بالرقابة علي الأجهزة الأمنية‏,‏ مرورا بمراكز المساعدة القضائية والتشريعية‏.‏

البيئة الإقليمية
إذا كان المشاركون في وضع هذه الورقة قد سلموا ـ مضطرين علي الارجح ـ بوجهة نظر حكوماتهم بعدم ربط التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط وجودا وعدما بتسوية المشكلة الفلسطينية‏,‏ وملحقاتها في سوريا ولبنان‏,‏ فإنهم في الحقيقة تبنوا هذا الربط من الناحية العملية ومن الباب الخلفي‏,‏ فهم أثبتوا ان سوابق التاريخ في أوروبا نفسها بشطريها الغربي والشرقي تؤكد ان التحول الديمقراطي الداخلي لا يتأتي ـ فضلا عن أن تترسخ قواعده ـ إلا في ظل بيئة اقليمية سلمية وآمنة‏,‏ فلولا وجود حلف الاطلنطي لما أمكن للديمقراطية ان تنمو وتتوطد في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة‏,‏ ولولا ميثاق هلسنكي لما أمكن انجاز التحول الديمقراطي في أوروبا الوسطي والشرقية بعد انهيار سور برلين وانتهاء الحرب الباردة‏.‏
ومع ان الصراع العربي ـ الإسرائيلي ليس هو النزاع الوحيد الذي يهدد الأمن والسلم في الشرق الأوسط الموسع‏,‏ فإنه اخطر واقدم هذه النزاعات‏,‏ ولذا فإن الاستراتيجية الاطلنطية لدفع التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط يجب ان تتضمن الأهداف التالية من أجل ايجاد بيئة اقليمية مواتية‏:‏

أولا‏:‏ اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية‏,‏ وإذا تطلبت مخاوف اسرائيل الأمنية أكثر من نزع سلاح هذه الدولة‏,‏ ودعم قدرتها علي مكافحة المنظمات الارهابية‏,‏ فيجب ألا تتردد دول حلف الاطلنطي في ارسال قوات حفظ سلام من جانبها الي هناك‏,‏ كما يمكن وضع هذه الدولة تحت وصاية الأمم المتحدة فترة تكفي لتبديد المخاوف الاسرائيلية‏.‏

ثانيا‏:‏ انجاز التحول الديمقراطي بأسرع مايمكن‏,‏ وعلي أكمل الوجوه المتاحة في افغانستان والعراق‏,‏ لأن الفشل هنا أو هناك سيكيل ضربة قاضية للقوي الديمقراطية في بقية الشرق الأوسط الكبير أو الموسع‏.‏

ثالثا‏:‏ اعطاء أولوية مطلقة لدعم التحول الديمقراطي في ايران بوصفها ناضجة لمثل هذا التحول‏.‏

رابعا‏:‏ مزيد من التعاون الأورو ـ أمريكي لدمج تركيا في القيم والنظم الغربية‏,‏ ومن ثم يجب عدم ابقائها خارج عضوية الاتحاد الأوروبي‏,‏ فتركيا تقدم من ناحية نموذجا علي إمكان تعايش الاسلام مع الديمقراطية‏,‏ وفي الوقت نفسه محط انظار الجميع في الشرق الأوسط كمقياس لمدي جدية الغرب في قبول الآخر المسلم‏.‏

خامسا‏:‏ عدم الاكتفاء بانتقاد الأوضاع غير الديمقراطية في الدول غير الصديقة للغرب أو للولايات المتحدة علي وجه الخصوص مثل ايران وسوريا‏,‏ وانما يجب التركيز بنفس القدر علي حلفاء الغرب وأمريكا‏.‏

سادسا‏:‏ اقامة منظمة للأمن والتعاون في المنطقة تتبني خبرة مؤتمر هلسنكي في اجراءات بناء الثقة‏,‏ والأمن الجماعي‏.‏

الصف الغربي
المقصود باعادة تنظيم الصف الغربي في التعامل مع الشرق الأوسط الموسع كركن ثالث وأخيرا في الاستراتيجية الاطلنطية لدفع التحول الديمقراطي في المنطقة‏,‏ هو ايجاد مؤسسات وكوادر وأدوات للعمل كمهمة اساسية وحيدة لانجاز ذلك التحول‏,‏ فما يفعله الغرب حاليا هو الدفاع ضد الإرهاب‏,‏ وعند الحديث عن الديمقراطية بوصفها الهجوم الذي هو أفضل وسيلة للدفاع في مواجهة الارهاب‏,‏ لا نجد افكارا ولا استراتيجيات خلاقة‏,‏ وما يحتاجه الغرب حاليا هو إعادة تنظيم صفوفه في ثلاثة مجالات أساسية هي أولا‏:‏ تطوير المعرفة بالمنطقة من خلال ايجاد جيل جديد من مؤسسات البحث والباحثين المختصين بالمنطقة‏.‏

ثانيا‏:‏ اعادة هيكلة المؤسسات الحكومية الأورو ـ أمريكية المعنية بالشرق الأوسط‏,‏ فكما سبق القول لا تكفي وزارات الخارجية ولا السفارات لانجاز التحول المطلوب‏,‏ وانما ينبغي انشاء مؤسسات حكومية علي المستوي الوزاري يكون مبرر وجودها هو دفع التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط‏.‏

فإذا قامت وزارة أمريكية تحت مسمي وزارة الديمقراطية في الشرق الأوسط‏,‏ وكذلك اذا استحدثت مفوضية أوروبية للديمقراطية في الشرق الأوسط‏,‏ فسوف تكتسب العملية قوة دفع كبيرة‏,‏ وسوف يحظي المسئولين المباشرون بالهيبة السياسية الكافية‏.‏

والمجال الثالث المطلوب اعادة تنظيم الصف الغربي فيه فيما يتعلق بالتعامل مع الشرق الأوسط هو اعادة صياغة المشاركة الأورو ـ أمريكية في المنطقة بشكل محدد ومعلن وملزم‏,‏ حتي لا توجد مسافة بين شطري الاطلنطي تتحرك فيها القوي المضادة للتحول الديمقراطي في المنطقة‏,‏ وحتي يمكن رفع الحرج عن القوي المحلية المدافعة عن الدور الغربي في انجاز التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~