|
|
نواصل الحديث حول جذور علاقاتنا بروسيا, حيث تستوقفنا تأثيرات للثقافة العربية الإسلامية في أدباء روسيا الكبار, لكن قبل هذا ينبغي التعرف علي كيفية دخول هذه الثقافة العربية الاسلامية الي هذا الجزء من العالم, الذي عرف بالاتحاد السوفيتي, ثم بروسيا الآن. أما كيف دخلت ثقافتنا العربية الإسلامية الي روسيا, فتشير بعض المصادر وفي مقدمتها مجلدات المستشرقين للأستاذ نجيب العقيقي, الي أن اهتمام هذا الجزء من العالم بالثقافة العربية الاسلامية, ربما يكون قد بدأ مع الفتوحات الاسلامية, وامتداد رقعة الاسلام في أواسط آسيا حتي حدود روسيا, أو ربما كان مع بداية الصلات بين العرب والروس منذ العصر العباسي الأول عن طريق تجار بغداد, الذين قصدوا روسيا للبيع والشراء, أو لعله كان مع الحجاج الروس الي بيت المقدس, أو لعله كان مع بداية اكتساح جنكيز خان وخلفائه لأمم الشرق منها العربي ومنها الروسي, وامتزاج الثقافات بعضها ببعض, أو لعله كان بعد غزو تيمور لنك لروسيا, واستيلائه علي موسكو, وسيطرة المغول عليها لما يقرب من القرنين ونصف القرن, فطبعوا الأثر الاسلامي الذي جلبوه معهم من الأمم الاسلامية في الدين والثقافة والحضارة, حتي حين سقطت دولة المغول خرجت روسيا من حدودها الأوروبية الي آسيا, فربط الاسلام بينها وبين الثقافة الاسلامية, وظهر في ولايتي بخاري التي ينتسب إليها عالم الحديث الإمام البخاري, وولاية فاشقاداريا بآسيا الوسطي, عشرات الآلاف ممن يتكلمون اللغة العربية,
ولا يدري أحد هل هم حفدة للعرب تغلغلوا فيها تحت لواء الإسلام, أم أنهم من الذين أجلاهم تيمور لنك عن الشام والعراق وجلبهم معه الي روسيا؟ هذا الي جانب أنه كانت للمسلمين مدرسة للأئمة في قازان عنيت بالقرآن الكريم, والحديث النبوي الشريف, وفي بعض الولايات المجاورة نخبة من العلماء الروس معظمهم يتسمون بأسماء عربية ويؤدون الفرائض الاسلامية, حتي ان أمير بخاري وكان مسلما متشددا بني المسجد الكبير في قلب بطرسبورج علي طراز عربي اسلامي, علي عادة ما يصنع أمراء دور الاسلام, وغيرهم من شواهد ومظاهر تبقي في هذا الجزء من العالم, مؤكدة دخول الاسلام لها وتأثرها بثقافته. وأما كيف تمت عملية تأثير الثقافة العربية الاسلامية في أدباء روسيا الكبار, فلعلنا نستأنس بكتاب مؤثرات عربية واسلامية في الأدب الروسي للدكتورة مكارم الغمري عميدة كلية الألسن, حيث قدمت نماذج موثقة لهذه التأثيرات في انتاج الكسندر بوشكين, وميخائيل ليرمونتوف, وتولستوي, وايفان بونين.
فمثلا يتأثر بوشكين ـ الذي يعتبر مؤسسا للأدب الروسي ـ بكتاب ألف ليلة وليلة في مؤلفاته, ومنها: روسلان ولود ميلا, وليالي مصرية, وواندجلو, وقصيدتا القمر يتألق والتعويذة, وتستوقفه في هذه الليالي شخصية هارون الرشيد, ويحتل تاريخ مصر القديمة حيزا من اهتمامه, هذا الي جانب المؤثرات الاسلامية في أدبه, خاصة قصصا من القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة, وكتابته أكثر من قصيدة منها قصيدة بعنوان الرسول. وميخائيل ليرمونتوف الذي يحتل مكانة تالية بعد بوشكين في الأدب الروسي, فيتأثر بالثقافة العربية الاسلامية لتعرفه علي جوانب من الدين الاسلامي, ويبدو ذلك في قصيدة فاليرك, حيث يشير الي القرابة الروحية التي تربطه بالاسلام, ويستلهم روح هذا الدين في قصيدة الرسول بعد بوشكين, كذلك يهتم بالحضارة الاسلامية حيث أعطي في انتاجه شعرا ونثرا صورتين متتاليتين من الشرق العربي القديم.
وتولستوي, الذي استحوذت معاني القرآن الكريم والحديث الشريف علي جانب كبير من اهتمامه, فيكتب كتابا بعنوان أحاديث الرسول ترجمه الي العربية سليم قبعين, وكثيرا ما تضمنت كتاباته معاني دعا اليها الاسلام, كالتكافل الاجتماعي والسماحة والمساواة, هذا الي جانب اهتمامه بحكايات ألف ليلة وليلة, حتي أعاد كتابة بعض قصصها, مؤكدا أنها عمل انساني عظيم. والشاعر ايفان بونين الحائز علي جائزة نوبل عام1933, الذي تأثر بالشرق العربي تأثرا امتزج بالمعايشة والتجربة الذاتية, حيث طاف بالبلاد العربية وفي مقدمتها مصر, وخبر حياة الناس, واستلهم مباديء الاسلام في العديد من قصائده وأعماله الأدبية, التي تدور حول سيرة النبي صلي الله عليه وسلم, والكتابة عن المدن العربية التي ذكرت في القرآن الكريم, في مقدمتها مكة ومصر, وقصائد مستوحاة من القرآن مثل علامات علي الطريق والكوثر وغير ذلك. والي لقاء الأسبوع المقبل للتعرف علي اختلاف نظرة روسيا عن نظرة الغرب الي حضارتنا. |
|
|
|
|
|