|
|
|
قضايا و اراء
| 42954 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 14 | 26 من جمادى الأولى 1425 هـ | الأربعاء |
|
تساؤلات حول القنوات الفضائية العربية بقلم : د. نسمة البطريق أستاذة الإعلام ـ جامعة القاهرة
|
|
تعكس الفضائيات العربية الكثير من أشكاليات المعرفة العربية علي المستوي القطري والقومي. فإذا كانت النظم الفضائية للتليفزيون الدولي في الغرب المتقدم هي أحد إفرازات التقدم العلمي والصناعي خاصة في مجالات الأقمار الصناعية لغزو الفضاء والمدعمة لنظم المعلومات الكثيفة والمتعمقة التي يمكنها التنقيب في باطن الأرض والبحار وأيضا تتوغل في فكر الإنسان وأماكن وجوده, فإنه يمكنها عن طريق تلك المعلومات التأثير في العديد من المواقف لتعزيز وجهات نظرها. ومن هذا المنطلق أصبحت القنوات الفضائية للتليفزيون أحد الأنظمة في يد الدول المتقدمة لإحكام السيطرة الفكرية والمعرفية عن طريق إنتاج المعلومات لتدعيم استراتيجيات عسكرية وثقافية وفكرية واقتصادية.
ولعل من أسباب مطالبة دول العالم النامي والعربي علي وجه الخصوص منذ منتصف سبعينات القرن العشرين لإدخال تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن طريق مشروع القمر الصناعي العربي كان بهدف الدفاع عن القضايا المصيرية العربية وبصفة رئيسية القضية الفلسطينية, وللتصدي بصفة عامة لسيطرة الدول المنتجة للتكنولوجيا واحتكارها للمعلومات والأخبار, ولإحداث نوع من التوازن في بث المعلومات من وجهات نظر عربية خاصة بهدف توحيد كلمة العرب حول الأحداث والقضايا المصيرية السياسية والاقتصادية والثقافية. ولكن ولعدة أسباب سياسية أخفق تحقيق تلك الأهداف المصيرية لهذا المشروع العربي الكبير لعدم القدرة علي صياغة استراتيجية عربية متكاملة علي الأقل في مجالات الثقافة والمعرفة لتصحيح مسارات ثقافة وفكر الأمة العربية.
والخطورة هنا أن الدول الكبري المتقدمة توظف بإتقان شديد ودراسة متعمقة هذه الوسائل التكنولوجية المتقدمة فتطوع الفكر والفن والثقافة الناعمة والآداب والألوان والأشكال نسج مخططات طويلة المدي لتنفيذ استراتيجيتها التي قد تفوق الاستراتيجيات العسكرية في كثير من الأحيان عن طريق قوالب وبرامج تليفزيونية موجهة للدول النامية والعربية. وفي المقابل تستهلك الدول النامية والعربية تلك البرامج, التي قد تسيء للتاريخ والفكر العربي. وحتي ندرك خطورة هذا الوضع علي ثقافة الأمة في عصر العولمة نؤكد علي النقاط التالية:
أولا: أهمية التأكيد علي العلاقة الوثيقة بين المواصفات والخصائص البشرية, وبين القدرة علي المشاركة الفعالة الدافعة للتقدم الفكري والمعرفي. ولعل الدلائل المتعددة تشير إلي العديد من السلبيات التي تعوق التجديد والإبداع الفكري والمعرفي, فنظرا للظروف الاقتصادية والثقافية والتربوية والسياسية... التي عملت علي إرجاء المشروع القومي للإصلاح الشامل في الدول العربية في مجالات الاقتصاد والتعليم والتربية والصحة والسياسة... والمرافق وخصائص المدينة والتوزيع السكاني, ومدي الالتزام بقواعد القوانين العامة والسلوك اللائق داخل المدن والأحياء... وكلها عوامل تعرقل مسيرة التقدم والتنمية البشرية والفكرية والإبداعية, بل وتعمل علي تعميق فجوة المعرفة التي تتطلبها المرحلة الراهنة في عصر التقدم في العلوم والثقافة. والأكثر خطورة في تلك النقطة هو ما يتعلق بالعلاقة بين هذه العوامل مجتمعة وعملية الرغبة الملحة في التعرض من قبل الأفراد للمواد التليفزيونية الترفيهية الأكثر سطحية واستخفافا بعقلية المشاهد. فالأفراد والجماعات تنجذب إلي تلك المواد السهلة المسطحة والأكثر ضحالة بهدف التنفيس النفسي خاصة في أوقات الكوارث والضغوط الاقتصادية والاجتماعية وعلي العكس يكون الفرد أكثر انجذابا للمضمون التليفزيوني الراقي في فترات الرخاء والازدهار الاجتماعي والثقافي والفكري.
ثانيا: ولعل هناك جانب اكثر خطورة علي المجتمع العربي وهو الاصرار علي مزيد من التنازل عن تراث الامة وثقافتها الاصلية عن طريق مضاعفة عدد القنوات الفضائية التي تعمل علي مزيد عن التشويه الثقافي والفكري ومزيد من تفتيت الإرادة الجماعية والوعي الجماعي. بل والأغرب, من ذلك نعمل علي تشجيع مزيد من تدخل وهيمنة القطاع الخاص لمزيد من السيطرة علي المسارات الفكرية والثقافية بحجة ان سمة العصر, هو الانفتاح الاقتصادي, غير مدركين أن العصر هو عصر الهيمنة والسيطرة والتفوق. قد يكون ذلك صحيحا في دول الغرب المتقدم التي تتحكم في اقتصادياتها وسياساتها لاكتمال بنائها الاجتماعي والثقافي ولذلك فمن من حقنا ان ندافع عن ثقافة الامة وأمنها الاجتماعي والفكري, خاصة في عصر ضعف فيه إنتاجنا الثقافي والمعرفي والعلمي بشكل ملحوظ للعديد من الاعتبارات, عصر أصبحت ثقافة الاعلان فيه هي المسيطرة والمهيمنة علي مستقبل وعقول الشباب والافراد.
ثالثا: التآمر علي مقومات الشخصية العربية من الداخل, ولعل أخطر ما في هذا المحور, هو التمادي والانقياد في الاقتباس لمضمون وقوالب غربية كالاغنية المصورة, وما تؤكده من سلوكيات هي في الاساس افراز طبيعي لتطورات فكرية غربية لا تشكل تحديات حقيقية بالنسبة للمجتمع العربي وشعوب الدول العربية, بل هي في الواقع أهم وأخطر تحد يواجه ثقافة الدول العربية عامة. فلم تعد تقليعة من التقليعات العابرة بل اصبحت اساسا يبني عليها منظومة ثقافية وسلوكية وبصفة خاصة إعلانية للدعاية عن سلع استهلاكية كالملابس والسيارات واسلوب لحياة ليس لها وجود في الواقع الاجتماعي العربي. بل تدعم اقتصاديات الدول الكبري المتقدمة في صناعات الفكر والمعرفة والسلع الكمالية العديدة. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|