|
|
|
قضايا و اراء
| 42954 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 14 | 26 من جمادى الأولى 1425 هـ | الأربعاء |
|
مركب الحضارة وطريق الأعاصير بقلم : د. غازي زين عوض الله
|
|
الذي يريد أن يفهم الرؤية الأمريكية للعالم عليه أن ينظر إلي أهم ما اخترعته الثقافة الأمريكية وهو فلسفة الصورة, أو صناعة السينما فالشخصية الأمريكية استعراضية تشخيصية تؤثر في الرأي العام وفي أنماط الحياة داخل الأقاليم البعيدة عنها عن طريق الصورة السينمائية ومن الواضح في الأفلام الأمريكية ظهور شخصية البطل الفرد الأبيض الذي ينقذ مجتمعه من اللصوص وتجار المخدرات أو من الأشرار عموما وهؤلاء الأشرار خليط بشري مابين أبيض وأصفر وأسمر ومركز نشاطها خارج أمريكا, ولم يعد هذا المركز في قلب الجناح اليساري كما كان في أفلام آيان فيلمنج مبتكر شخصية جيمس بوند التي مثلها شون كونري أو روجر مور, وإنما أصبح مركز عالم الشر هو الجنوب, وقد يكون هذا الجنوب في أمريكا اللاتينية أو في آسيا وغالبا ما يكون لبطل الفيلم الأبيض ميل جيبسون علي سبيل المثال أحد المساعدين وهو غالبا من أصل زنجي أو من المولدين, وهذا معناه أن الرجل الأبيض ينقذ الحضارة وعلي الآخرين أن يقدموا له المساعدة لأنهم في عالم السينما يعرفون نواياه الطيبة, والرجل الأبيض هذا أوروبي الأصل ولكنه فقد الثقة بالفلسفات الأوربية ولم يجد ذاته إلا في أرض الأحلام التي تدافع عن حضارة العصر,وهذا السيناريو الهوليودي هوذاته السيناريو السياسي الذي نراه وكأن السينما لم تعد تأخذ من الواقع بل أصبحت هي الداعية إلي الواقع, أصبح المثال اليوتوبي قادما منها, ولكنها يوتوبيا تعتمد علي الصراع لاعلي الحوار, ففكرة الصراع راسخة في الثقافة الأمريكية السينمائية المعاصرة, وانتقال حضارة الرجل الأبيض من أوروبا إلي أمريكا نراه واضحا في فيلم نال شهرة عالمية هو تيتانيك تلك السفينة الضخمة التي خرجت من أوروبا في مطلع القرن العشرين تحمل الحالمين والعاشقين والمغامرين وطالبي العلم إلي الجانب الآخر من الأطلنطي وتوقيت رحلة تيتانيك له دلالته فهو قبيل الحرب العالمية الأولي التي ستنشر الدمار في أوروبا وتكون أمريكا بمعزل عنها إن تيتانيك خارجة من حضارة يكاد يجرفها الطوفان, يبحث عن مرافيء جديدة تعصمها من الغرق, ولكنها تغرق وينجو منها من ينجو ليصل إلي أمريكا وهذا ما قدمته النسخة الثانية من فيلم تيتانيك إن مركب الحضارة مازالت تسير وتحمل بين جنباتها كل الأجناس والألوان, لقد مرت علي كثير من المرافيء وخاضت الأعاصير ولكنها تمضي دون توقف لأن حكمة الإنسان ووعيه وخبراته تكثف من إحساسه بالمسئولية,
وبالتالي يجاهد هذا الإنسان في طريق الأعاصير حتي تنجو الحضارة,تلك الحضارة التي تبحث عن بوصله توضح لها السبيل دون أن تنجرف في طريق الشعاب أو قلب العواصف. ولاشك أننا نملك في هذا المركب بضاعتنا العربية التي أضافت للحضارة, فنحن من الذين صنعوا المركب الحضاري ولم نكن أبدا خارجه لقد انطلقت المركبة من هنا ومازالت تطوف بنا ومازال لدينا الوعي الذي يجعلنا نتشبث بدورنا العالمي ومسئوليتنا الإنسانية وحتي لا تضل هذه السفينة لابد من المشاركة الإنسانية كلها في القيادة وتلك المشاركة تأتي من تفعيل دور المؤسسات العالمية وعدم الانفراد بالقرار, لأن الإبحار الفردي تكون له نتيجته السلبية علي الجميع, وبالتالي يكون علي هؤلاءالذين يمثلون الإنسانية كلهم أن يشاركوا في صناعة القرار من خلال المؤسسات المحلية والعالمية, لأننا شركاء في صناعة الحضارة, في صناعة هذا المركب الذي صارت به القرون ومازالت خبراته تنقصها الحكمة وتفتقد إلي روح العدالة. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|