قضايا و اراء

42954‏السنة 127-العدد2004يوليو14‏26 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

الوجه الآخر لعملية التغيير في الشرق الأوسط
بقلم ‏:‏ عاطف الغمري

‏..‏ صحيح أن كولين باول أعاد أثناء قمة اسطنبول الأخيرة القول بأن أمريكا لا تنوي أن تفرض من الخارج الاصلاح‏,‏ علي دول الشرق الأوسط‏.‏
‏..‏ وصحيح أن الاعلان السياسي لقمة الدول الثماني في ولاية جورجيا الأمريكية‏,‏ لم يجعل انضمام الدول العربية لمشروع الشرق الأوسط الكبير‏,‏ إجباريا‏,‏ بل تركه اختياريا‏.‏

لكن الصحيح أيضا أن هذا هو الوجه الظاهر أو الشكل الخارجي للمشروع‏,‏ لأن في خطة العمل التنفيذية تفاصيل وإجراءات‏,‏ تفسح للمشروع مجال اقتحام الساحة الداخلية للجميع علي السواء‏.‏
والاقتحام أو الدخول له منفذ وحيد‏,‏ عبارة عن ثغرة تحرص علي النفاذ منها‏,‏ وهي غياب الديمقراطية‏,‏ والاصلاح السياسي والاقتصادي‏,‏ التي اعتبرت محور حركة المشروع‏.‏

فمن ناحية‏,‏ فقد ربطت الدول الثماني بين الديمقراطية والأمن القومي لها وللعالم‏,‏ ومن ناحية أخري فنحن لسنا بصدد اعلان يعبر عن رغبة مجموعة من الدول‏,‏ لكننا بصدد تشييد بنيان نظام دولي جديد له ديناميكية وقوة دفع‏,‏ يأتي بعد‏15‏ عاما من انشغال المفكرين السياسيين‏,‏ ومراكز البحث‏,‏ والساسة في الولايات المتحدة‏,‏ في عملية تفاعل آراء‏,‏ بحثا عن استراتيجية عالمية للنظام الدولي للقرن الحادي والعشرين‏.‏
يأتي هذا كدورة تاريخية بعد انتهاء الحرب الباردة‏,‏ واقتناعا بطي صفحة النظام الدولي‏,‏ الذي تشكل في عام‏1945‏ بمعاهدة سان فرانسيسكو‏,‏ وقيام الأمم المتحدة‏,‏ وآليات العلاقات الدولية‏,‏ وعلي رأسها القانون الدولي‏,‏ وذلك بعد اجتماع الثلاثة الكبار ـ روزفلت‏(‏ أمريكا‏)‏ وتشرشل‏(‏ بريطانيا‏)‏ وستالين‏(‏ الاتحاد السوفيتي‏)‏ في موسكو عام‏1943,‏ واتفاقهم علي وضع قواعد نظام دولي عام في أول ساعة ممكنة‏.‏

مثلما انزوي النظام الدولي السابق له الذي قام بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي عام‏1919‏ بمعاهدة فرساي‏,‏ وتأسيس عصبة الأمم‏,‏ وذلك بعد انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام‏1919,‏ وتوقيع معاهدة الصلح باشراف الزعماء الثلاثة الكبار في هذا العصر وهم ويلسون‏(‏ أمريكا‏)‏ ولويد جورج‏(‏ بريطانيا‏)‏ وكليمنصو‏(‏ فرنسا‏).‏
النظام الجديد الذي يجعل من الشرق الأوسط هدفا له‏,‏ وقاعدة لعملياته‏,‏ والذي بدأ بمشروع أمريكي يعبر عن الفكر السياسي والعقائدي لحكومة بوش‏,‏ ثم أدخلت عليه لمسات ورتوش وتحسينات‏,‏ ليصير مبادرة تعبر عن الغرب‏,‏ بصدورها بشكلها التفصيلي وبشقيها‏:‏ الاعلان السياسي‏,‏ وخطة العمل‏,‏ قد ربط بين الأوضاع الداخلية في الدول العربية بالذات‏,‏ وبين أمن الغرب كله واستقراره‏..‏ وإن الديمقراطية الكاملة مطلب واحتياج عالمي‏,‏ وكانت وثائق قمة الثماني محددة في وضعها لتقوم نحو الديمقراطية‏,‏ بأنه شرط لضمان مستقبل شعوب المنطقة‏,‏ وكذلك أمن ومصالح العالم‏.‏

‏***‏
فضلا عما يظل في صلب عقيدة المحافظون الجدد من أن عدم تحقيق الديمقراطية في المنطقة‏,‏ سيظل يمثل تهديدا للمنطقة‏,‏ وللعالم‏.‏
إن البنيان الذي تشيده مبادرة الدول الثماني‏,‏ يبدأ بإقامة آلية أو نوع من المؤسسة‏,‏ التي وضعت باسم منتدي المستقبل‏,‏ كوسيلة مركزية‏,‏ مهمتها دفع هدف اقامة الديمقراطية‏,‏ باستخدام سبل التأثير الملموس باعادة صياغة شروط التجارة‏,‏ والمساعدات‏,‏ وبرامج المعونة‏,‏ بل والسعي لربط برامج عمل صندوق النقد والبنك الدولي‏,‏ بأهداف وبرامج عملها‏.‏

وتدير هذه المؤسسة ما يمثل جسر اتصال مع الداخل في دول المنطقة‏,‏ فخطة عمل المشروع الصادرة من قمة الثماني‏,‏ لا يقصر الحوار الذي يرمي لجعله عملية مستمرة‏,‏ علي الحكومات‏,‏ لكنه يوسع دائرته ليجعل من قيادات المجتمع المدني ورجال الأعمال طرفا اساسيا وفاعلا فيه مع إعطاء هذا الطرف صوتا في عمليات دفع الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي‏,‏ والتعليمي‏,‏ والعلمي‏,‏ والتوظيفي‏,‏ من خلال إظهار أن نشاط هذه المؤسسة يستلهم افكاره من الداخل‏..‏ من الاحتياجات والمطالب اليومية التقليدية والملحة للشعوب‏,‏ والتي اعلنت في وثائق رسمية منها قمة تونس‏,‏ ووثيقة مؤتمر مكتبة الإسكندرية‏,‏ واعلان صنعاء‏,‏ وبيان العقبة وغيره‏,‏ وذلك درءا لشبهة الفرض من الخارج‏,‏ وايضا لوضع الحكومات موضع مساءلة ومحاسبة من شعوبها‏,‏ مادام أن هذه البيانات والوثائق تمثل التزاما من الحكومات نحو شعوبها‏.‏
وفي تيار هذه الآلية ونشاطها وحفزها للمجتمع المدني لحركة أكبر وأنشط‏,‏ فإن المرتبطين والمتابعين للمشروع‏,‏ يرون في ذلك تنشيطا لقوي جديدة غير حزبية اصلا‏,‏ لاحتمال انخراطها في إنشاء أحزاب جديدة‏,‏ تعكس ديناميكية المرحلة ومتطلباتها‏.‏

إن ترك دول خارجية تشكل مصير المنطقة‏,‏ هو شئ يفرض الواجب والمسئولية علي الحكومات ان تتصرف إزاءه‏,‏ لأن مشروعها وإن حمل نيات حسنة‏,‏ إلا انه ينبع من حسابات الأمن القومي لهذه الدول‏,‏ وهي حسابات لابد أن يكون بينها وبين مصالح الأمن القومي للشعوب العربية‏,‏ فجوات وتناقض مصالح‏,‏ رغم دوائر المصالح المشتركة في جانب آخر‏,‏ ثم ان اقتحام الداخلي بفكر اجنبي‏,‏ سوف يمثل تدخلا في مجالات تمس قيم وتقاليد وأعراف وعقائد المجتمعات العربية‏.‏
وليست هناك من وسيلة لأداء هذا الدور القومي‏,‏ سوي بسد الثغرة التي يدق المشروع طبوله عليها‏,‏ ويعتبرها المنفذ المحرض له علي الدخول منها‏,‏ وهذه الثغرة هي غياب الديمقراطية حقيقة‏,‏ وليس كلاما‏.‏

وبصرف النظر عن وجهة نظر المشروع في ضرورات الديمقراطية‏,‏ فإنها من الاصل مطلب للشعوب‏,‏ ومدخل للتقدم الاقتصادي‏,‏ والتنمية وأمان للإنسان وكرامته‏,‏ فضلا عن أنها ركن من أركان الأمن القومي للدولة‏.‏
وإذا كنا بصدد نظام دولي جديد‏,‏ يتشكل‏,‏ فقد يجدر بهذه المنطقة المهمة من العالم‏,‏ أن يكون لها رأي فيه‏,‏ وذلك لا يتأتي إلا بامتلاكها دعائم القوة والمنعة‏,‏ والتقدم‏,‏ لا أن تفتح في جدارها ثغرة تجعلها منفذا لتقدم النظام الدولي الجديد‏,‏ الذي يشخص المنطقة‏,‏ بأوضاعها الراهنة‏,‏ وكأنها نقطة ضعف هذا النظام العالمي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~