|
|
.. صحيح أن كولين باول أعاد أثناء قمة اسطنبول الأخيرة القول بأن أمريكا لا تنوي أن تفرض من الخارج الاصلاح, علي دول الشرق الأوسط. .. وصحيح أن الاعلان السياسي لقمة الدول الثماني في ولاية جورجيا الأمريكية, لم يجعل انضمام الدول العربية لمشروع الشرق الأوسط الكبير, إجباريا, بل تركه اختياريا.
لكن الصحيح أيضا أن هذا هو الوجه الظاهر أو الشكل الخارجي للمشروع, لأن في خطة العمل التنفيذية تفاصيل وإجراءات, تفسح للمشروع مجال اقتحام الساحة الداخلية للجميع علي السواء. والاقتحام أو الدخول له منفذ وحيد, عبارة عن ثغرة تحرص علي النفاذ منها, وهي غياب الديمقراطية, والاصلاح السياسي والاقتصادي, التي اعتبرت محور حركة المشروع.
فمن ناحية, فقد ربطت الدول الثماني بين الديمقراطية والأمن القومي لها وللعالم, ومن ناحية أخري فنحن لسنا بصدد اعلان يعبر عن رغبة مجموعة من الدول, لكننا بصدد تشييد بنيان نظام دولي جديد له ديناميكية وقوة دفع, يأتي بعد15 عاما من انشغال المفكرين السياسيين, ومراكز البحث, والساسة في الولايات المتحدة, في عملية تفاعل آراء, بحثا عن استراتيجية عالمية للنظام الدولي للقرن الحادي والعشرين. يأتي هذا كدورة تاريخية بعد انتهاء الحرب الباردة, واقتناعا بطي صفحة النظام الدولي, الذي تشكل في عام1945 بمعاهدة سان فرانسيسكو, وقيام الأمم المتحدة, وآليات العلاقات الدولية, وعلي رأسها القانون الدولي, وذلك بعد اجتماع الثلاثة الكبار ـ روزفلت( أمريكا) وتشرشل( بريطانيا) وستالين( الاتحاد السوفيتي) في موسكو عام1943, واتفاقهم علي وضع قواعد نظام دولي عام في أول ساعة ممكنة.
مثلما انزوي النظام الدولي السابق له الذي قام بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي عام1919 بمعاهدة فرساي, وتأسيس عصبة الأمم, وذلك بعد انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام1919, وتوقيع معاهدة الصلح باشراف الزعماء الثلاثة الكبار في هذا العصر وهم ويلسون( أمريكا) ولويد جورج( بريطانيا) وكليمنصو( فرنسا). النظام الجديد الذي يجعل من الشرق الأوسط هدفا له, وقاعدة لعملياته, والذي بدأ بمشروع أمريكي يعبر عن الفكر السياسي والعقائدي لحكومة بوش, ثم أدخلت عليه لمسات ورتوش وتحسينات, ليصير مبادرة تعبر عن الغرب, بصدورها بشكلها التفصيلي وبشقيها: الاعلان السياسي, وخطة العمل, قد ربط بين الأوضاع الداخلية في الدول العربية بالذات, وبين أمن الغرب كله واستقراره.. وإن الديمقراطية الكاملة مطلب واحتياج عالمي, وكانت وثائق قمة الثماني محددة في وضعها لتقوم نحو الديمقراطية, بأنه شرط لضمان مستقبل شعوب المنطقة, وكذلك أمن ومصالح العالم.
*** فضلا عما يظل في صلب عقيدة المحافظون الجدد من أن عدم تحقيق الديمقراطية في المنطقة, سيظل يمثل تهديدا للمنطقة, وللعالم. إن البنيان الذي تشيده مبادرة الدول الثماني, يبدأ بإقامة آلية أو نوع من المؤسسة, التي وضعت باسم منتدي المستقبل, كوسيلة مركزية, مهمتها دفع هدف اقامة الديمقراطية, باستخدام سبل التأثير الملموس باعادة صياغة شروط التجارة, والمساعدات, وبرامج المعونة, بل والسعي لربط برامج عمل صندوق النقد والبنك الدولي, بأهداف وبرامج عملها.
وتدير هذه المؤسسة ما يمثل جسر اتصال مع الداخل في دول المنطقة, فخطة عمل المشروع الصادرة من قمة الثماني, لا يقصر الحوار الذي يرمي لجعله عملية مستمرة, علي الحكومات, لكنه يوسع دائرته ليجعل من قيادات المجتمع المدني ورجال الأعمال طرفا اساسيا وفاعلا فيه مع إعطاء هذا الطرف صوتا في عمليات دفع الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي, والتعليمي, والعلمي, والتوظيفي, من خلال إظهار أن نشاط هذه المؤسسة يستلهم افكاره من الداخل.. من الاحتياجات والمطالب اليومية التقليدية والملحة للشعوب, والتي اعلنت في وثائق رسمية منها قمة تونس, ووثيقة مؤتمر مكتبة الإسكندرية, واعلان صنعاء, وبيان العقبة وغيره, وذلك درءا لشبهة الفرض من الخارج, وايضا لوضع الحكومات موضع مساءلة ومحاسبة من شعوبها, مادام أن هذه البيانات والوثائق تمثل التزاما من الحكومات نحو شعوبها. وفي تيار هذه الآلية ونشاطها وحفزها للمجتمع المدني لحركة أكبر وأنشط, فإن المرتبطين والمتابعين للمشروع, يرون في ذلك تنشيطا لقوي جديدة غير حزبية اصلا, لاحتمال انخراطها في إنشاء أحزاب جديدة, تعكس ديناميكية المرحلة ومتطلباتها.
إن ترك دول خارجية تشكل مصير المنطقة, هو شئ يفرض الواجب والمسئولية علي الحكومات ان تتصرف إزاءه, لأن مشروعها وإن حمل نيات حسنة, إلا انه ينبع من حسابات الأمن القومي لهذه الدول, وهي حسابات لابد أن يكون بينها وبين مصالح الأمن القومي للشعوب العربية, فجوات وتناقض مصالح, رغم دوائر المصالح المشتركة في جانب آخر, ثم ان اقتحام الداخلي بفكر اجنبي, سوف يمثل تدخلا في مجالات تمس قيم وتقاليد وأعراف وعقائد المجتمعات العربية. وليست هناك من وسيلة لأداء هذا الدور القومي, سوي بسد الثغرة التي يدق المشروع طبوله عليها, ويعتبرها المنفذ المحرض له علي الدخول منها, وهذه الثغرة هي غياب الديمقراطية حقيقة, وليس كلاما.
وبصرف النظر عن وجهة نظر المشروع في ضرورات الديمقراطية, فإنها من الاصل مطلب للشعوب, ومدخل للتقدم الاقتصادي, والتنمية وأمان للإنسان وكرامته, فضلا عن أنها ركن من أركان الأمن القومي للدولة. وإذا كنا بصدد نظام دولي جديد, يتشكل, فقد يجدر بهذه المنطقة المهمة من العالم, أن يكون لها رأي فيه, وذلك لا يتأتي إلا بامتلاكها دعائم القوة والمنعة, والتقدم, لا أن تفتح في جدارها ثغرة تجعلها منفذا لتقدم النظام الدولي الجديد, الذي يشخص المنطقة, بأوضاعها الراهنة, وكأنها نقطة ضعف هذا النظام العالمي. |
|
|
|
|
|