|
|
 |
ما بين الهروب من الاحراج, والإقدام علي التحدي, عاش السفاح شارون أياما عصيبة, تصور البعض أنها قد تضعه في مأزق جديد.. وما بين الغموض النووي الذي تمارسه اسرائيل وحدها في عالم اليوم, وبين الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية, بابطال شرعية الجدار العنصري الاسرائيلي فوق أرض فلسطين, ظل شارون وعصابته المتطرفة علي الموقف ذاته, هروب من الاحراجات, وتهرب من المسئوليات, ثم اعلان التحدي في وجه الجميع, ولا بأس بعد ذلك وقبله من تصعيد المذابح والاغتيالات والتدمير والابادة ضد الشعب الفلسطيني!
في الاسبوع الماضي, ذهب الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية إلي إسرائيل, واجتمع بقياداتها وعلي رأسهم شارون, وأخذوه في جولة شبه سياحية بطائرة, فوق اسرائيل, ليثبتوا له مخاوفهم الأمنية بسبب ضيق خاصرة الدولة, ثم اختتم الرجل زيارته ومشاوراته, بالتعبير عن تفهمه للقلق والمخاوف الأمنية الاسرائيلية!!! والحقيقة أن نتائج زيارة البرادعي لاسرائيل لم تكن مفاجئة لي أو لغيري, فقد أكد له كل المسئولين هناك, موقفهم السابق تجاه امتلاكهم لترسانة السلاح النووي, دون اعلان رسمي حتي الآن, في ظل السياسة التي يسيرون عليها منذ منتصف الخمسينيات, وهي سياسة الغموض النووي..
ولم يكن أحد يتوقع أن تنجح زيارة البرادعي في اقناع اسرائيل, بممارسة الشفافية والعلانية في هذا الصدد, ولا في قبولهم الانضمام إلي المعاهدة الدولية لحظر الانتشار النووي, التي وقعت عليها معظم دول العالم, والعرب من أوائل الموقعين, ولا في موافقتهم علي فتح منشآتهم النووية أمام التفتيش الدولي كما تفعل باقي الدول.. لكن الذي فاجأني حقا هو تصريحات الدكتور البرادعي بعد الزيارة, خصوصا تفهمه لدواعي القلق والمخاوف الأمنية الاسرائيلية, أي التي تدفعها إلي ضرورة امتلاك الترسانة النووية, وكنت بالتالي أنتظر أن يعلن الرجل أيضا تفهمه لدواعي المخاوف العربية أمنيا وسياسيا وعسكريا وحياتيا من امتلاك اسرائيل, وحدها في المنطقة, لأضخم وأخطر ترسانة أسلحة نووية, تضم ما بين200 ــ300 قنبلة نووية جاهزة, وتضم مفاعل ديمونة في صحراء النقب وقرب حدود مصر الشرقية, ومفاعل ومركز أبحاث نحال سوريك, ومنظومة أقمار صناعية وطائرات حديثة وصواريخ بعيدة وقصيرة المدي, تطول أبعد بلد عربي علي الخريطة, ثم بعد ذلك, بل من أجل ذلك, ترفض حكومات اسرائيل بمختلف ألوانها, التوقيع علي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية!!
تتحدي العالم كله, ليس فقط لأنها أصبحت القوة النووية الخامسة, ولكن أساسا لأنها مسنودة مدعومة بواشنطن, حيث الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن, جنبا إلي جنب مع الالتزام الأمريكي الثابت بحماية اسرائيل, وضمان تفوقها العسكري علي كل الدول العربية برا وبحرا وجوا, تقليديا ونوويا.. ولذلك فإن عقلي لايلوم البرادعي كثيرا, لكن قلبي وعقلي لا يقبلان تصريحاته, صحيح أنه موظف دولي يدير هيئة دولية, ترتبط بقوانين وقواعد معروفة, وتدعي الحيادية والمساواة بين دولها الأعضاء, وتخضع لضغوط عاتية من القوي المؤثرة, لكنه في الوقت نفسه عربي مصري محنك ليس فقط في تخصصه وطبيعة عمله, لكنه كذلك يعي جيدا الأوضاع المضطربة في وطنه المصري وأمته العربية, ومصر هي أول القلقين الحاملين لجبال من المخاوف, جراء الترسانة النووية الاسرائيلية قرب حدودها الشرقية!!
*** ومن الطبيعي أن ينشطر العقل وينفطر القلب, حين يقارن بين الموقف الحاد مثلا, الذي تتخذه الوكالة الدولية للطاقة النووية, من الجهود الايرانية المعلنة لاستكمال برنامجها النووي, الذي لم يصل بعد بشهادة الوكالة نفسها, إلي مرحلة تصنيع السلاح النووي, وبين الموقف المائع المتساهل الذي تتخذه الوكالة الدولية والمجتمع الدولي كله, تجاه الترسانة الاسرائيلية الرهيبة, التي تضم هذه الكمية الضخمة من السلاح النووي الذي يكفي لتدمير العالم كله.. ويلفت النظر هنا الضجة الأمريكية ـ الاسرائيلية الهائلة, لوقف وتدمير البرنامج الايراني ــ ما بالكم لو كان عربيا ــ الآن وفورا, التي سبقت زيارة البرادعي لاسرائيل ورافقتها, بهدف التعمية العالمية, بينما يثير الاهتمام تلك الرسالة المفتوحة التي وجهها للبرادعي خلال زيارته لاسرائيل, الخبير الفني الاسرائيلي الشهير مردخاي فانونو طالبا منه ضرورة زيارة مفاعل ديمونة, ليري بنفسه حجم وخطورة الترسانة الاسرائيلية, التي تشتمل علي ثلاثة أنواع من القنابل المدمرة, نووية وهيدروجينية ونيتروجينية, مما يجعلها قوة خطيرة علي أمن العالم, وسلامة شعبها نفسه والشعوب المجاورة!!
إنها مرة أخري قضية ازدواج المعايير التي تحكم سياسات العالم الآن, في ظل الهيمنة الأمريكية المنحازة والمتغطرسة, وانظر إلي ما جري للعراق علي مدي سنوات, قبل غزوه واحتلاله, حين اتهمته أمريكا بامتلاك وتطوير أسلحة دمار شامل, وقامت الدنيا ولم تقعد, حتي بعد أن ذهبت وعادت عشرات من فرق التفتيش الدولية دون العثور علي جسم الجريمة, لكن الاصرار الأمريكي والتحريض الصهيوني وبعض التواطؤ الدولي والعربي, دفع الجيوش الانجلو أمريكية لغزو العراق واحتلاله حتي الآن, رغم اسقاط لجان الكونجرس الأمريكي لمبرر أسلحة الدمار الشامل عند العراق, الذي اتخذت منه الإدارة الأمريكية سببا رئيسيا للحرب! والمسألة هنا ليست حماية البشرية من وقوع الأسلحة النووية أو باقي أسلحة الدمار الشامل في أيدي الارهابيين والجماعات المتطرفة, أو في حوزة الدول المارقة مثل ايران وعراق صدام فضلا عن كوريا الشمالية, لكن المسألة الأصلية هي حماية أمن وتفوق وتوسع اسرائيل, ومن ثم توفير شبكة أمان وضمان أمريكية لها, سواء بانفرادها بامتلاك الترسانة النووية, أو برفضها توقيع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية, بينما مارست أمريكا ضغوطا رهيبة علي الدول الأخري, وخصوصا الدول العربية وأولها مصر, لتوقيع الاتفاقية, بل إن السياسة الأمريكية متحالفة مع الاسرائيلية, هي التي أجهضت المبادرة المصرية بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل, والتي أعلنتها عام1990.
واستمرارا للسياسة ذاتها, تخضع سوريا الآن لابتزاز هائل لأسباب أمريكية واسرائيلية متعددة, في مقدمتها حكاية تطوير أسلحة دمار شامل مرة أخري, وهي نفس السياسة التي بسببها سارعت ليبيا قبل شهور متطوعة, بتسليم أمريكا كل ما لديها قبل أن يأتيها الطوفان الذي أغرق العراق, بل إن دولة صديقة لأمريكا هي مصر, لاتكاد تنجو من مثل هذه الاتهامات بين وقت وآخر, وخصوصا ما أثير في بعض لجان الكونجرس مؤخرا, حول تطوير منظومة صواريخ جديدة! والهدف من كل ذلك واضح, وهو تنظيف المنطقة بما في ذلك ايران, من كل أنواع القوة أو أسلحة الردع, التي يمكن أن تواجه, أو حتي تردع القوة العسكرية النووية والتقليدية الاسرائيلية, لتبقي اسرائيل وحدها سائدة مهيمنة قائدة علي المنطقة, وكيلة لأعمال أمريكا, في تنفيذ المشروع الأمريكي الاستراتيجي والكوني للهيمنة واحتكار النفط, وحماية التوسع العدواني الاسرائيلي المنفلت بلا قيود أو حدود!
*** ساعتها يمكن لاسرائيل ابتلاع ما تبقي من فلسطين, وإنهاء القضية وفرض التسوية التي تناسبها وترضيها, سواء علي الفلسطينيين أو السوريين واللبنانيين وباقي العرب.. وبالموازاة يمكن لأمريكا أن تفرض علي الدول العربية رؤاها وسياساتها ــ بلا قيود أو حدود ــ سواء فيما يتعلق بالنفط والمواقع الاستراتيجية, أو فيما يتعلق بتغيير النظم السياسية والاقتصادية والثقافية, وتسميه الاصلاح الديمقراطي, وصولا بالطبع لتغيير الحكام وتبديل الوجوه, وفرض جماعتها الموثوق بها من تحالف المتأمركين العرب, الذين يتكاثرون هذه الأيام كالنمل!! وما فعلته ازدواجية المعايير, التي تمارسها السياسة الأمريكية, لحماية الغموض النووي الاسرائيلي, المتبعة منذ أن أنشأت اسرائيل في عهد بن جوريون مفاعل ديمونة في الخمسينيات بمساعدة فرنسا أساسا, وكان مهندس الصفقة التاريخية هذه, شيمون بيريز رئيس حزب العمل الحالي, مازالت تفعله حتي الآن مسلحة بالفيتو مرة وبالضغوط والابتزاز مرات, في أكثر من مجال..
وها نحن أمام أحدث المواقف التي لا تحتاج إلي دليل, إذ فور أن أصدرت محكمة العدل الدولية, يوم الجمعة الماضي2004/7/9, قرارها الاستشاري غير الملزم بناء علي طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة, واعتبرت فيه الجدار العنصري الفاصل, الذي تبنيه اسرائيل ليبتلع58% من الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية, غير شرعي ويجب إزالته وتعويض الفلسطينيين, سارعت اسرائيل بالرفض والشجب واعلان التحدي باستكمال الجدار, احتقارا للمحكمة الدولية وللجمعية العامة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي كله.. ثم علي الفور سارعت واشنطن إلي دعم اسرائيل, فاعتبرت أن المحكمة الدولية ليست المنتدي الملائم لمناقشة مثل هذه القضايا السياسية.. وغدا سنري ونسمع ما هو أكثر, أوضح وأفصح, عن الأساليب الأمريكية لعرقلة دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي, في إجبار اسرائيل علي الامتثال للقانون الدولي ولحكم محكمة العدل الدولية, ولإيقاف تحديها وصلافتها في التعامل مع الشرعية الدولية, ومن ثم إيقاف عدوانها علي الفلسطينيين وتهديدها لكل العرب..
إنها الحماية الأمريكية لاسرائيل, تفقأ بها عيوننا صباح مساء, لكن قبل وبعد أن نلوم أمريكا وندين اسرائيل, علينا أن نلوم حكوماتنا وندين تقصيرنا.. فقد أضعنا الكثير علي مدي العقود والسنوات الأخيرة, حين كان بناء القوة الذاتية متاحا وأكثر يسرا..
*** ** خير الكلام: يقول أبوالعتاهية: إني رأيت عواقب الدنيا فتركت ما أهوي لما أخشي
|
|
|
|
|
|