قضايا و اراء

42954‏السنة 127-العدد2004يوليو14‏26 من جمادى الأولى 1425 هـالأربعاء

من الجدار العنصري إلي الغموض النووي‏!!‏
بقلم‏ :‏ صلاح الدين حافظ

ما بين الهروب من الاحراج‏,‏ والإقدام علي التحدي‏,‏ عاش السفاح شارون أياما عصيبة‏,‏ تصور البعض أنها قد تضعه في مأزق جديد‏..‏
وما بين الغموض النووي الذي تمارسه اسرائيل وحدها في عالم اليوم‏,‏ وبين الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية‏,‏ بابطال شرعية الجدار العنصري الاسرائيلي فوق أرض فلسطين‏,‏ ظل شارون وعصابته المتطرفة علي الموقف ذاته‏,‏ هروب من الاحراجات‏,‏ وتهرب من المسئوليات‏,‏ ثم اعلان التحدي في وجه الجميع‏,‏ ولا بأس بعد ذلك وقبله من تصعيد المذابح والاغتيالات والتدمير والابادة ضد الشعب الفلسطيني‏!‏

في الاسبوع الماضي‏,‏ ذهب الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية إلي إسرائيل‏,‏ واجتمع بقياداتها وعلي رأسهم شارون‏,‏ وأخذوه في جولة شبه سياحية بطائرة‏,‏ فوق اسرائيل‏,‏ ليثبتوا له مخاوفهم الأمنية بسبب ضيق خاصرة الدولة‏,‏ ثم اختتم الرجل زيارته ومشاوراته‏,‏ بالتعبير عن تفهمه للقلق والمخاوف الأمنية الاسرائيلية‏!!!‏
والحقيقة أن نتائج زيارة البرادعي لاسرائيل لم تكن مفاجئة لي أو لغيري‏,‏ فقد أكد له كل المسئولين هناك‏,‏ موقفهم السابق تجاه امتلاكهم لترسانة السلاح النووي‏,‏ دون اعلان رسمي حتي الآن‏,‏ في ظل السياسة التي يسيرون عليها منذ منتصف الخمسينيات‏,‏ وهي سياسة الغموض النووي‏..‏

ولم يكن أحد يتوقع أن تنجح زيارة البرادعي في اقناع اسرائيل‏,‏ بممارسة الشفافية والعلانية في هذا الصدد‏,‏ ولا في قبولهم الانضمام إلي المعاهدة الدولية لحظر الانتشار النووي‏,‏ التي وقعت عليها معظم دول العالم‏,‏ والعرب من أوائل الموقعين‏,‏ ولا في موافقتهم علي فتح منشآتهم النووية أمام التفتيش الدولي كما تفعل باقي الدول‏..‏
لكن الذي فاجأني حقا هو تصريحات الدكتور البرادعي بعد الزيارة‏,‏ خصوصا تفهمه لدواعي القلق والمخاوف الأمنية الاسرائيلية‏,‏ أي التي تدفعها إلي ضرورة امتلاك الترسانة النووية‏,‏ وكنت بالتالي أنتظر أن يعلن الرجل أيضا تفهمه لدواعي المخاوف العربية أمنيا وسياسيا وعسكريا وحياتيا من امتلاك اسرائيل‏,‏ وحدها في المنطقة‏,‏ لأضخم وأخطر ترسانة أسلحة نووية‏,‏ تضم ما بين‏200‏ ــ‏300‏ قنبلة نووية جاهزة‏,‏ وتضم مفاعل ديمونة في صحراء النقب وقرب حدود مصر الشرقية‏,‏ ومفاعل ومركز أبحاث نحال سوريك‏,‏ ومنظومة أقمار صناعية وطائرات حديثة وصواريخ بعيدة وقصيرة المدي‏,‏ تطول أبعد بلد عربي علي الخريطة‏,‏ ثم بعد ذلك‏,‏ بل من أجل ذلك‏,‏ ترفض حكومات اسرائيل بمختلف ألوانها‏,‏ التوقيع علي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية‏!!‏

تتحدي العالم كله‏,‏ ليس فقط لأنها أصبحت القوة النووية الخامسة‏,‏ ولكن أساسا لأنها مسنودة مدعومة بواشنطن‏,‏ حيث الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن‏,‏ جنبا إلي جنب مع الالتزام الأمريكي الثابت بحماية اسرائيل‏,‏ وضمان تفوقها العسكري علي كل الدول العربية برا وبحرا وجوا‏,‏ تقليديا ونوويا‏..‏
ولذلك فإن عقلي لايلوم البرادعي كثيرا‏,‏ لكن قلبي وعقلي لا يقبلان تصريحاته‏,‏ صحيح أنه موظف دولي يدير هيئة دولية‏,‏ ترتبط بقوانين وقواعد معروفة‏,‏ وتدعي الحيادية والمساواة بين دولها الأعضاء‏,‏ وتخضع لضغوط عاتية من القوي المؤثرة‏,‏ لكنه في الوقت نفسه عربي مصري محنك ليس فقط في تخصصه وطبيعة عمله‏,‏ لكنه كذلك يعي جيدا الأوضاع المضطربة في وطنه المصري وأمته العربية‏,‏ ومصر هي أول القلقين الحاملين لجبال من المخاوف‏,‏ جراء الترسانة النووية الاسرائيلية قرب حدودها الشرقية‏!!‏

‏***‏
ومن الطبيعي أن ينشطر العقل وينفطر القلب‏,‏ حين يقارن بين الموقف الحاد مثلا‏,‏ الذي تتخذه الوكالة الدولية للطاقة النووية‏,‏ من الجهود الايرانية المعلنة لاستكمال برنامجها النووي‏,‏ الذي لم يصل بعد بشهادة الوكالة نفسها‏,‏ إلي مرحلة تصنيع السلاح النووي‏,‏ وبين الموقف المائع المتساهل الذي تتخذه الوكالة الدولية والمجتمع الدولي كله‏,‏ تجاه الترسانة الاسرائيلية الرهيبة‏,‏ التي تضم هذه الكمية الضخمة من السلاح النووي الذي يكفي لتدمير العالم كله‏..‏
ويلفت النظر هنا الضجة الأمريكية ـ الاسرائيلية الهائلة‏,‏ لوقف وتدمير البرنامج الايراني ــ ما بالكم لو كان عربيا ــ الآن وفورا‏,‏ التي سبقت زيارة البرادعي لاسرائيل ورافقتها‏,‏ بهدف التعمية العالمية‏,‏ بينما يثير الاهتمام تلك الرسالة المفتوحة التي وجهها للبرادعي خلال زيارته لاسرائيل‏,‏ الخبير الفني الاسرائيلي الشهير مردخاي فانونو طالبا منه ضرورة زيارة مفاعل ديمونة‏,‏ ليري بنفسه حجم وخطورة الترسانة الاسرائيلية‏,‏ التي تشتمل علي ثلاثة أنواع من القنابل المدمرة‏,‏ نووية وهيدروجينية ونيتروجينية‏,‏ مما يجعلها قوة خطيرة علي أمن العالم‏,‏ وسلامة شعبها نفسه والشعوب المجاورة‏!!‏

إنها مرة أخري قضية ازدواج المعايير التي تحكم سياسات العالم الآن‏,‏ في ظل الهيمنة الأمريكية المنحازة والمتغطرسة‏,‏ وانظر إلي ما جري للعراق علي مدي سنوات‏,‏ قبل غزوه واحتلاله‏,‏ حين اتهمته أمريكا بامتلاك وتطوير أسلحة دمار شامل‏,‏ وقامت الدنيا ولم تقعد‏,‏ حتي بعد أن ذهبت وعادت عشرات من فرق التفتيش الدولية دون العثور علي جسم الجريمة‏,‏ لكن الاصرار الأمريكي والتحريض الصهيوني وبعض التواطؤ الدولي والعربي‏,‏ دفع الجيوش الانجلو أمريكية لغزو العراق واحتلاله حتي الآن‏,‏ رغم اسقاط لجان الكونجرس الأمريكي لمبرر أسلحة الدمار الشامل عند العراق‏,‏ الذي اتخذت منه الإدارة الأمريكية سببا رئيسيا للحرب‏!‏
والمسألة هنا ليست حماية البشرية من وقوع الأسلحة النووية أو باقي أسلحة الدمار الشامل في أيدي الارهابيين والجماعات المتطرفة‏,‏ أو في حوزة الدول المارقة مثل ايران وعراق صدام فضلا عن كوريا الشمالية‏,‏ لكن المسألة الأصلية هي حماية أمن وتفوق وتوسع اسرائيل‏,‏ ومن ثم توفير شبكة أمان وضمان أمريكية لها‏,‏ سواء بانفرادها بامتلاك الترسانة النووية‏,‏ أو برفضها توقيع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية‏,‏ بينما مارست أمريكا ضغوطا رهيبة علي الدول الأخري‏,‏ وخصوصا الدول العربية وأولها مصر‏,‏ لتوقيع الاتفاقية‏,‏ بل إن السياسة الأمريكية متحالفة مع الاسرائيلية‏,‏ هي التي أجهضت المبادرة المصرية بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل‏,‏ والتي أعلنتها عام‏1990.‏

واستمرارا للسياسة ذاتها‏,‏ تخضع سوريا الآن لابتزاز هائل لأسباب أمريكية واسرائيلية متعددة‏,‏ في مقدمتها حكاية تطوير أسلحة دمار شامل مرة أخري‏,‏ وهي نفس السياسة التي بسببها سارعت ليبيا قبل شهور متطوعة‏,‏ بتسليم أمريكا كل ما لديها قبل أن يأتيها الطوفان الذي أغرق العراق‏,‏ بل إن دولة صديقة لأمريكا هي مصر‏,‏ لاتكاد تنجو من مثل هذه الاتهامات بين وقت وآخر‏,‏ وخصوصا ما أثير في بعض لجان الكونجرس مؤخرا‏,‏ حول تطوير منظومة صواريخ جديدة‏!‏
والهدف من كل ذلك واضح‏,‏ وهو تنظيف المنطقة بما في ذلك ايران‏,‏ من كل أنواع القوة أو أسلحة الردع‏,‏ التي يمكن أن تواجه‏,‏ أو حتي تردع القوة العسكرية النووية والتقليدية الاسرائيلية‏,‏ لتبقي اسرائيل وحدها سائدة مهيمنة قائدة علي المنطقة‏,‏ وكيلة لأعمال أمريكا‏,‏ في تنفيذ المشروع الأمريكي الاستراتيجي والكوني للهيمنة واحتكار النفط‏,‏ وحماية التوسع العدواني الاسرائيلي المنفلت بلا قيود أو حدود‏!‏

‏***‏
ساعتها يمكن لاسرائيل ابتلاع ما تبقي من فلسطين‏,‏ وإنهاء القضية وفرض التسوية التي تناسبها وترضيها‏,‏ سواء علي الفلسطينيين أو السوريين واللبنانيين وباقي العرب‏..‏ وبالموازاة يمكن لأمريكا أن تفرض علي الدول العربية رؤاها وسياساتها ــ بلا قيود أو حدود ــ سواء فيما يتعلق بالنفط والمواقع الاستراتيجية‏,‏ أو فيما يتعلق بتغيير النظم السياسية والاقتصادية والثقافية‏,‏ وتسميه الاصلاح الديمقراطي‏,‏ وصولا بالطبع لتغيير الحكام وتبديل الوجوه‏,‏ وفرض جماعتها الموثوق بها من تحالف المتأمركين العرب‏,‏ الذين يتكاثرون هذه الأيام كالنمل‏!!‏
وما فعلته ازدواجية المعايير‏,‏ التي تمارسها السياسة الأمريكية‏,‏ لحماية الغموض النووي الاسرائيلي‏,‏ المتبعة منذ أن أنشأت اسرائيل في عهد بن جوريون مفاعل ديمونة في الخمسينيات بمساعدة فرنسا أساسا‏,‏ وكان مهندس الصفقة التاريخية هذه‏,‏ شيمون بيريز رئيس حزب العمل الحالي‏,‏ مازالت تفعله حتي الآن مسلحة بالفيتو مرة وبالضغوط والابتزاز مرات‏,‏ في أكثر من مجال‏..‏

وها نحن أمام أحدث المواقف التي لا تحتاج إلي دليل‏,‏ إذ فور أن أصدرت محكمة العدل الدولية‏,‏ يوم الجمعة الماضي‏2004/7/9,‏ قرارها الاستشاري غير الملزم بناء علي طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة‏,‏ واعتبرت فيه الجدار العنصري الفاصل‏,‏ الذي تبنيه اسرائيل ليبتلع‏58%‏ من الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية‏,‏ غير شرعي ويجب إزالته وتعويض الفلسطينيين‏,‏ سارعت اسرائيل بالرفض والشجب واعلان التحدي باستكمال الجدار‏,‏ احتقارا للمحكمة الدولية وللجمعية العامة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي كله‏..‏
ثم علي الفور سارعت واشنطن إلي دعم اسرائيل‏,‏ فاعتبرت أن المحكمة الدولية ليست المنتدي الملائم لمناقشة مثل هذه القضايا السياسية‏..‏ وغدا سنري ونسمع ما هو أكثر‏,‏ أوضح وأفصح‏,‏ عن الأساليب الأمريكية لعرقلة دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي‏,‏ في إجبار اسرائيل علي الامتثال للقانون الدولي ولحكم محكمة العدل الدولية‏,‏ ولإيقاف تحديها وصلافتها في التعامل مع الشرعية الدولية‏,‏ ومن ثم إيقاف عدوانها علي الفلسطينيين وتهديدها لكل العرب‏..‏

إنها الحماية الأمريكية لاسرائيل‏,‏ تفقأ بها عيوننا صباح مساء‏,‏ لكن قبل وبعد أن نلوم أمريكا وندين اسرائيل‏,‏ علينا أن نلوم حكوماتنا وندين تقصيرنا‏..‏ فقد أضعنا الكثير علي مدي العقود والسنوات الأخيرة‏,‏ حين كان بناء القوة الذاتية متاحا وأكثر يسرا‏..‏

‏***‏

‏**‏ خير الكلام‏:‏ يقول أبوالعتاهية‏:‏
إني رأيت عواقب الدنيا
فتركت ما أهوي لما أخشي

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~