|
|
|
ملفات الأهرام
| 42954 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 14 | 26 من جمادى الأولى 1425 هـ | الأربعاء |
|
العرب وألغام المشاركة مع حلف الناتو بقلم: د. حسن أبو طالب
|
|
وفقا للقرارات التي اتخذتها قمة الناتو في اسطنبول(28 ـ29 يونيو) الماضي, فهناك مبادرة معروضة علي العالم العربي, وتحديدا الدول المشاطئة للبحر المتوسط ودول الخليج العربية, تحت عنوان مبادرة اسطنبول للتعاون, تقضي بالدخول في حوار يمهد لاحقا إلي مشاركة متكاملة. ويلاحظ المراقب أن القمة قد أقرت دورا لتركيا باعتبارها عضوا في الحلف, في تطبيق مبادرة الشرق الأوسط الموسع التي أقرتها من قبل قمة الثماني الكبار التي عقدت في8 يونيو الماضي, وتهدف إلي إحداث تغييرات شاملة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
مثل هذه التطورات لا يمكن اعتبارها مجرد قرارات في الهواء, أو أنها مجرد إعلانات سياسية علي الطريقة العربية لا إلزام فيها. فهي قرارات تعبر عن توافق القوي الكبري التي تدير شئون العالم, وتجعل من حلف الناتو مسئولا أو بالأحري مكلفا بأن يقود تغييرات سياسية وأمنية في البلدان المستهدفة, يساعده علي ذلك أن الحلف بات لاعبا دوليا غير مسبوق, ولا نظير له في الوقت الراهن. أما بالنسبة لتركيا فإن دبلوماسيتها تفخر بأن مبادرة اسطنبول تقوم علي مبدأ عرض الحوار والتعاون علي الدول الأخري وليس فرضه, أي أن التغيير المنشود في البلدان العربية سيكون مسئولية أصحابه وليس برنامج عمل معدا مسبقا في الخارج. وعلي الصعيد الشكلي يمكن قبول مثل هذا المنطق, أما من حيث الجوهر فالأمر سيكون مختلفا بعض الشيء, وهو ما يشكل تحديا لا يجب التهوين منه بالنسبة للعالم العربي ككل.
هذا التحدي تتضح معالمه في ضوء حقيقة أن حلف الناتو الآن ليس ذلك الحلف الذي كان قائما إبان الحرب الباردة, مهمته الأولي الدفاع عن أوروبا الغربية والمصالح الأمريكية فيها في مواجهة المعسكر السوفيتي الذي انهار لاحقا. ومنذ عام1998 بات الناتو منظمة عسكرية سياسية وذات أدوار إنسانية, ونطاقه الجغرافي امتد حتي حدود روسيا شرقا, وأعضاؤه باتوا26 عضوا يمتدون من غرب الأطلنطي إلي أقصي شرق القارة الأوروبية, وحتي جنوب المتوسط, فيما يعني أن مسرح عملياته بات كبيرا جدا بالمقاييس الجغرافية البحتة. أما اهتماماته أو أدواره فلم تعد دفاعية حسب مفاهيم الأمن الجماعي التقليدي التي تقوم علي رد العدوان بعد حدوثه, وإنما صارت مفاهيم دفاعية ذات طابع استباقي يهدف إلي منع العدوان أصلا, فضلا عن المشاركة في بناء السلام وبناء الأمم معا, كما يحدث في أفغانستان وحدث قريبا جدا في البلقان, ويتم التمهيد له في العراق تحت مسمي تقديم دعم عسكري يتمثل في تدريب القوات العراقية.
وواقع الأمر أن عرض الناتو الحوار مع جنوب بلدان المتوسط ليس أمرا جديدا في حد ذاته, فهو مطروح بالفعل منذ عام1994, وكثير من جولاته تمت في هدوء بين جميع البلدان العربية المتوسطية عدا ليبيا وسوريا, وهي جولات اقتصرت علي تبادل الآراء والتعريف بالدور الجديد للحلف في ظل المتغيرات الدولية, وبعض هذه الجولات كان أقرب إلي عملية شرح من جانب الناتو, وتلقي من الجانب الآخر أي العرب المتوسطي الذي ظل علي شكوكه العميقة فيما وراء هذا الحوار, خاصة أن بلدا كمصر لديه مبدأ راسخ في سياسته الخارجية يقوم علي رفض الانضواء في أي أحلاف عسكرية, ورفض قيام مثل هذه الأحلاف في المنطقة العربية.
وليس سرا أن الشكوك المصرية إزاء الدور الجديد للناتو قد زادت درجتها حين أخذت السياسة الأمريكية تؤكد أن الناتو مطلوب منه أن يلعب دورا في التغييرات أو الإصلاحات المطلوبة في المنطقة العربية, وكانت كوندوليزا رايس قد أشارت في ديسمبر2003 إلي أن الناتو عليه أن يفتح مكاتب في البلدان العربية لمراقبة والتأكد من الإصلاحات المطلوبة, فيما يعني أن الحلف سيقوم بدور الوصي علي التحولات الداخلية العربية, بالإضافة إلي أنه لاعب دولي أساسي فيما يسمي الحرب علي الإرهاب.
ووفقا لنص مبادرة اسطنبول للتعاون فإن الهدف البعيد للحوار بين الحلف ودول جنوب المتوسط ودول الخليج العربية هو التوصل إلي مشاركة حقيقية, ومفهوم المشاركة حسب تطبيقاته الدولية المعاصرة يعني أكثر من مجرد تبادل الرأي حول شأن دفاعي أو عسكري أو سياسي, إذ فيه درجة كبيرة من التداخل المؤسسي والتوافق بين السياسات والمواقف, وتحديد المهام والأدوار التي يقوم بها كل طرف, ومعني ذلك أن المشاركة المطلوبة علي المدي المتوسط أن يكون الحلف أحد عناصر تشكيل سياسات الدول التي تم الحوار معها في البداية, وقبلت مبدأ المشاركة لاحقا, سواء كان الأمر تحت مظلة الحرب علي الإرهاب أو تحقيق الإصلاح السياسي.
إن مشاركة من هذا القبيل لن تخلو من ضغوط وعدم توازن وتهديدات سافرة أو مبطنة حسب الحالة, فحين يكون طرف مثل الناتو بكل إمكاناته وقدراته العسكرية, التي وراءها نفوذ أعضائه بما فيهم الولايات المتحدة, ويقابله طرف عربي محدود الإمكانات العسكرية والسياسية والاقتصادية, فإن النتيجة محسومة سلفا لمصلحة الطرف الأقوي, لذلك فإن البديل المتصور هو ألا تدخل أي دولة عربية بمفردها في حوار من هذا النوع, نظير اعتبارات الثناء ومعها التزامات لا حصر لها.
لكن الرد السلبي وحسب والاكتفاء بترديد مقولات ومبادئ معينة ليس هو السبيل الأمثل, لاسيما أن الضغوط لن تتوقف علي الأطراف المعنية, فثمة حاجة إلي بلورة نهج جديد تماما للتعامل مع حلف الناتو كمنظمة سياسية عسكرية ذات طابع دولي, وهي حاجة نابعة من أن التطورات التي تجري حولنا لم يعد يجدي الهروب من مواجهتها أو الانكفاء علي الذات والتمسك بخبرات تاريخية كانت ولاشك عظيمة في وقتها, ووضعنا في الاعتبار كل هذه المتغيرات, فيبدو أننا بحاجة إلي بناء أمن إقليمي يستند إلي مفاهيم ورؤي ومصالح أعضاء الإقليم أنفسهم, ولا يكون مفروضا عليهم. ومع إدراك حساسية موضوع الأمن بين البلدان العربية وبعضها, فإن نقطة بداية متواضعة في صورة إنشاء منتدي أمن عربي, تتبادل فيه الدول العربية همومها الأمنية بكل صراحة وشفافية ودون التزامات مؤسسية معينة, ربما يشكل خطوة نحو توافق الإدراك العربي إزاء التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة العربية ككل, جنبا إلي جنب مع الهموم الأمنية التي تواجه كل طرف علي حدة.
وبالطبع فقد يثير طرف ما قضية إسرائيل وهل تقبل في مثل هذا النظام الأمني الإقليمي المفترض بناؤه للمنطقة العربية؟ وهي قضية نظرية وعملية في آن واحد, ذلك أن المطلوب أولا بلورة رؤية عربية بشأن الأمن واحتواء التهديدات الكامنة أو الظاهرة, وليس هناك شك في أن إسرائيل أحد مصادر التهديد المطلوب معالجته, وفي حال تغير العناصر التي تعمل فيها إسرائيل فقد تتوافر نظريا أيضا مساحة لمشاركة إسرائيلية, والشروط الواجبة هنا تبدأ أولا بأن تغير إسرائيل سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني, وأن تقبل بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة ومستقلة بمعني الكلمة, وأن تفتح منشآتها النووية للتحقيق والرقابة الدولية, وأن تكشف عن جميع عناصر سياساتها التسليحية, أو بعبارة أخري أن تتحول من دولة ساعية للهيمنة والجبروت علي الجيران وعموم المنطقة إلي دولة عادية شأنها شأن الأعضاء الآخرين في الإقليم.
ومادامت السياسة الإسرائيلية باقية علي حالها من العدوانية الوحشية, ودعاوي التفوق المطلق علي الجيران, والغموض المتعمد بشأن برنامجها النووي, فلا يحق لها أن تكون عضوا في النظام الأمني الإقليمي بأي حال, فبناء النظم الإقليمية سواء الاقتصادية أو الأمنية يتطلب شروطا معروفة للجميع, من شفافية متبادلة, وتوازن في الأعباء والالتزامات, وتوافق في الرؤي, ومصالح حقيقية قائمة علي دعم شعبي حقيقي, وقبل ذلك التخلي عن دعاوي التفوق علي الآخرين, وهي شروط كما تغيب عن الحوار مع الناتو في صيغته المنفردة مع كل بلد عربي علي حدة, تغيب أيضا عن أي حديث يتعلق بانضمام إسرائيل في أي نظام أمن إقليمي يقيمه العرب إن أرادوا. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|