|
|
|
الكتاب
| 42950 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 10 | 22 من جمادى الأولى 1425 هـ | السبت |
|
* علي الجسر جنة مجنون(7) المرايا المكسورة.. بقلم: أسامة أنور عكاشة
|
|
 |
ألقيت بجسدي إلي ذلك الفراش الذي ألفته وعرفته لزمن طويل ومع ذلك لم يحتوني كما عودني قديما ولم يسلمني إلي هجوعي السلس الذي كثيرا ما أنقذني من اجترار منغصات النهار! واخشوشن المرقد علي جلدي فنبا به واحتجزه علي حافة الأرق حيث تتقافز الخواطر كالأشباح الضالة وكانت كلها تدور حول ما مررت به خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة...
رواية عاطف درويش عما حدث له وصمته المفاجيء عن اتمامها.. ثم اختفاؤه المريب في الصباح التالي وتناقض كلام خادمه مع كلام سائقه وكان أكثر ما أربكني في هذه الخواطر ذلك النارغ الشيطاني الذي راح يحفر في رأسي ويوسوس لي بأن عاطف قد استدعاني فقط ليعبث بي ويتسلي لساعات ثم يلقيني بعيدا وفي نفسي غصة ولهفة مبتورة ورغبة تستبد بي لأعرف ما بقي في حكاية صديق الطفولة الذي خرج لي فجأة من أطلال الذكريات.
نوع من سبات أهل الكهف ذلك الذي استغرقني ولم أدر كم لبثت فيه لكني خرجت من بئره ذات غروب ولم أصدق ما أشارت إليه ترويسة الصحيفة التي دفعها البواب من تحت عقب الباب ولو صدقتها لكانت ساعات نومي قد امتدت عبر يومين كاملين! راوغت نفسي بأنني لا أذكر علي وجه التحديد تاريخ ذهابي لمزرعة درويش.. وربما كان بالأمس فقط.. لكني لم أستطع مراوغة هاتفي المحمول الذي فاجأني بقائمة طويلة لأرقام طلبتني أصحابها وتواريخها المسجلة تشير إلي يومين كاملين.. إذا فلا مفر! واللجة قد أغرقتني فيما يشبه الغيبوبة التي لم تترك لي حتي هامشا للوعي أستطيع من خلاله أن أسمع رنين الهاتف أو أتنبه لإحساسي بالجوع والعطش وأدي بي هذا لاستعادة شك كان يراودني ويوحي بأنني لابد أنني قد تعرضت لعقار مخدر دس لي هناك.. ولكن.. كيف يستقيم هذا الظن وقد استيقظت صباح ليلتي هناك وركبت السيارة وسافرت عائدا إلي بيتي؟ وقد نهضت غاضبا عن طعام الافطار.. ربما قبل أن أبتلع أولي لقيماته؟!.. كلا.. لا يمكن أن يكون هذا صحيحا.. والمسألة برمتها لا تعدو أن تكون حالة من الإجهاد العصبي أسلمتني لنوم عميق.. لا أكثر..
وأردت أن أعود إلي حياتي اليومية.. وكانت الخطوة الأولي أن أهاتف من حاولوا الاتصال بي خلال اليومين الماضيين.. ونظرت إلي القائمة.. اتصالان من زميل في العمل.. وثالث من شقيقتي.. فقط.. ثلاثة أرقام.. ورقم آخر تكرر عشر مرات! رقم لا أعرفه ولم يسجل في هاتفي قبلها.. وثار فضولي فطلبته... بعد لحظات جاءني الصوت... ـ أستاذ س... أنا نجاة! أحاول الاتصال بك طوال يومين!
نجاة؟ تحول الصداع في رأسي إلي نوبة دوار خفيفة لم تمنع تدفق ما يتصل بنجاة في ذاكرتي.. صوت عاطف وهو يتحدث عن صاحبة العيون البنفسجية وما جري له معها ومع أخيها د.المعتصم والمأساة التي انتهت بانتحاره.. أفقت من دوار الذكري سريعا علي صوتها يهتف بي... ـ أستاذ س.. أمازلت علي الهاتف؟ ـ نعم يا... آنسة... أم سيدة؟
ـ أي آنسة يا أستاذ؟! أنا نجاة حرم عاطف درويش.. صديقك.. ألست أنت فلان؟
ـ بلي! أنا فلان... وأنا آسف.. فما حكاه لي عاطف لم يصل إلي ارتباطكما بالزواج والـ... قاطعتني في عجلة واضحة: هل يمكننا أن نلتقي اليوم؟ أعذرني لتعجلي ولولا خطورة الأمر ما أقدمت علي ازعاجك! قفز السؤال علي لساني قبل أن أفكر فيه: عفوا يا سيدتي... ولكن... من أعطاك رقم هاتفي؟...
ـ هل المسألة مهمة؟ ومع ذلك.. عاطف هو من أعطاني الرقم... ايشكل هذا فارقا بالنسبة إليك؟ شعرت في لهجتها بنبرة ضيق ساخرة وأربكني أن يكون اعتراضها علي السؤال في محله! فمن أين يمكن أن تحصل علي رقم هاتفي إذا لم يكن من عاطف؟.. ثم لنفرض أنها حصلت عليه من أي طريق آخر فلماذا أتسرع بالسؤال ولا أنتظر حتي تتوالي المعلومات بطريقة طبيعية؟... اعتذرت لها وعللت السؤال بأنني حتي الآن لا أعرف من هي وما طبيعة صلتها بعاطف إلا ما تقوله هي... وهو أمر يربكني ويدفعني للتحفظ... لكني مستعد لأن ألقاك علي أي حال؟ أين تريدين أن يتم اللقاء؟ واتفقنا أن نلتقي في مساء نفس اليوم في أحد المرابع الكائنة علي تلة المقطم.. حيث قالت أنه يقع بقرب بيتها( كتمت دهشتي واستبقيت السؤال إلي فرصة تسنح فيما بعد: لماذا لا تعيش معه في مزرعته؟)... وفي الموعد تماما كنت أجلس في انتظار ذات العيون البنفسجية... أطللت علي القاهرة من عل وأنا أطامن من توتري الذي يتناوشني بالتفكير في مغبة تلك السحابة الكثيفة من الدخان والغبار التي تخنق عاصمة المعز... ألف مئذنة تشرع ذؤباتها في الآفاق وتجاورها أبراج لكنائس كثيرة تلمع صلبانها مع انعكاسات الشمس الغاربة.... وقريبا... تتدلي من سقف التكعيبة في المربع الخلوي فروع نبات متسلق تتسم وريقاته بخضرة نقية غير مغبرة كسائر ألوان النباتات الخضراء في السفح أسفل الهضبة... ربما لأنه بالأعلي لا تحمل الرياح أتربة مثل تلك تغترفها من جنبات التل لتلقيها أطنانا علي رأس القاهرة فتحيل ألوان أشجارها ونباتاتها إلي ذلك الاصفرار المائل للخضرة..! ومرقت إلي جواري يمامة آفلة.. وتابعتها حتي رأيت نجاة قادمة... كلا... لم تكن هي بالتأكيد... فهذه يصحبها رجل.... وعيناها يمكن أن ينتميا إلي أي لون غير اللون البنفسجي!.. لكنهما يتقدمان نحوي... ولم يكن هناك سواي في تلك البقعة من المربع.. لاشك أنهما يقصدانني.. ـ الأستاذ س؟.. ـ نعم! أنا هو... هل أنتما من طرف السيدة نجاة؟ أدركت في لحظة ما حدث! لقد طرأ ما منعها من القدوم فأرسلت من يعتذر(.. ولكن.. ألم يكن باستطاعتها أن تتصل هاتفيا لتفعل؟..) قبل أن يتداعي السؤال إلي أي شك آخر.. كانت تقطع باليقين: ـ أنا نجاة درويش... وهذا شقيقي... دكتور محمد المعتصم!.. ... لاشك أن قناعا من البلاهة قد استقر علي وجهي يتطابق مع ما استقر في أعماقي من ذهول أقرب للصدمة! ـ سيدتي ولكن... ـ نعرف ما سرده عليك عاطف من حكايات المستشفي التي انتهت بانتحار الدكتور المعتصم! وزوار الليل والمؤامرة التي حيكت بسبب موضوع الفتي الواصل وآله الذين صمموا علي منحه ما لا يستحق... ـ تقولين انك زوجته يا نجاة هانم! ـ نعم, وسأظل زوجته ولن أتخلي عنه يوما ما.. فأنا أحبه وإن كنت لا أعرف اللون الذي اختاره لعيني هذه المرة في رواية لك... في مرة سابقة اختار الأخضر... وفي مرة غيرها كان الأزرق. ـ لقد اختار البنفسج هذه المرة... ـ لا بأس فهو لون يتناغم مع ما في صدري من أحزان... تنهدت, تندت عيناها بغلالة رقيقة من دمع تلمع ولا تنفرط.. ومد د. معتصم يده ليربت علي كفها في مواساة حنون ثم تولي دفة الحديث:
ـ بالفعل كنت مع عاطف في المستشفي! ولكن بصفة طبيب لا مريض... كنت الطبيب المشرف علي عنبر الحالات الخاصة.. وهو تعبير لا يعني الحالات الحرجة التي يجنح مرضاها إلي العنف وايذاء النفس أو الغير ولكننا كنا نطلقه علي الحالات الموصي عليها أو التي يشتبه في مبررات ايداعها... كانت قضيته مطروحة أمام القضاء وتقارير الأطباء عن حالته تتضارب وتثير كثيرا من الاحتمالات.. فكلفت من قبل النائب العام شخصيا بمتابعة حالته! ومن اللحظة الأولي تعاطفت معه وأذهلني أن يظل رهين المستشفي كل هذه السنين دون أن تقطع حالته بأي مرض نفسي أو عقلي من أي نوع.. وراعني أن كل ما في ملفه يدور حول اتهامات الأعمام والأهل وشهادات الأصدقاء والجيران والموظفين العاملين في شركاته.. وكلها أقوال مرسلة أقرب إلي أحاديث النميمة ودردشة المصاطب.. ولكنها مدعمة في نفس الوقت بتقارير طبية لأساتذة تهتز لأسمائهم أجهزة المستشفي وقاعات المحاكم!... وكانت نجاة تزورني.. فتعرفت عليه... وخالجها بدورها ما خالجني تجاهه من تعاطف.... وبادرت نجاة بالتقاط الخيط مؤكدة:
ـ في عينيه براءة طفل يدهشه العالم بكل ما فيه... وتنطق كلماته مع نبرات صوته بحرارة لابد أن تصل إلي أعماق من يجلس إليه ويسمعه فيصدقه علي الفور... وأعتقد أن هذين الأمرين هما اللذان رجحا كفته في النهاية وأطلقا سراحه.. وإن كان الدكتور معتصم لا يظن الأمر بهذه البساطة.. هز المعتصم رأسه موافقا بحماس: قضية عاطف درويش لم يحسمها إلا عمه الذي اختلف مع أشقائه فهدم المعبد علي رءوس الجميع! ورنا إلي مبتسما: نجاة وحدها تري فيه ما لم نره!
ـ لماذا اخترع قصة اضطهادك وايداعك المستشفي والتي انتهت باقدامك علي الانتحار؟ أهي شهوة الكذب؟ أم افراط في الخيال أم مجرد العبث بمن يستدرجه إلي مزرعته؟... ولماذا لم أركم هناك؟ تبادلا نظرة حزينة تعبر عن اضطرارهما أخيرا للإفصاح... ومرت لحظة صمت ثقيلة توافقت مع آخر التماعات الغسق.. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|