|
|
|
الكتاب
| 42950 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 10 | 22 من جمادى الأولى 1425 هـ | السبت |
|
* صباح السبت عدالة المجازر الآلية! بقلم : عـادل حمــودة
|
|
 |
يمكن أن تعجن البشر لتعيد تشكيلهم علي هواك.. تماثيل من حجارة تنحتها ثم تحطمها.. أصنام من عجوة تعبدها ثم تأكلها.. لكنك.. لا تستطيع أن تعجن الزمن لتضمن السيطرة عليه والتحكم فيه.. فالسنة محكومة بشهورها. والشهور محكومة بأسابيعها.. والأسابيع محكومة بأيامها.. والأيام محكومة بتعاقب الليل والنهار.. محكومة بتداول السلطة بين النور والعتمة.. بين القسوة والرحمة.. بين السلطة الفاشية والفضيحة العلنية.
لقد خرج صدام حسين من جحره مغطي بالغبار والعار.. خائفا.. مذعورا.. لا يجرؤ علي الانتحار.. وسيق إلي مشانق الكاميرات الشرهة للصورة المفجعة ليعلق عليها.. ليتدلي منها.. مثل طاووس طوي جناحيه وسقط من عرشه وتناثر ريشه وغطاه الوحل.. وكانت الصورة علي هذا النحو مغرية ومثيرة ومريحة ومضمونة الانتشار والتأثير.. وهكذا.. فاز الأمريكيون بمشهد تاريخي يصعب أن يتكرر.. مشهد حاكم سفاح ديكتاتور بارد القلب يقتل دون تردد قبل أن يشاهد فيلم السهرة, وقد تحول إلي فأر مرعوب من خياله يعبثون به وهو عاجز عن الغضب والتمرد.
لكن.. المشهد سرعان ما تغير عند محاكمته.. لقد تدخل خبراء النيو لوك ليصبغوا شعره.. ويهذبوا لحيته.. وينظفوا ثيابه.. ويقصوا أظافره.. ويلمعوا بشرته.. ويلبسوه قميصا في لون الفل الأبيض يصلح لإعلانات المنظفات الصناعية.. وبدلة رمادية مجسمة علي مقاسه.. فالمشهد المكتوب في السيناريو تغير.. والبطل عليه هذه المرة أن يمثل دور المتهم الجريء.. الواثق من نفسه.. المتمتع بجميع حقوقه الإنسانية والقانونية.. القادر علي مناقشة المحكمة والاعتراض عليها.. بل والسخرية منها.. ليصفق الناس للعدالة الأمريكية التي يحظي بها حتي أكثر الناس كراهية للقانون.. ولتزيل الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه بعضا من عارها في سجن أبو غريب.. فها هو الرجل الذي يستحق كل الإهانات يعامل معاملة فايف ستارز.
لقد كانت المحكمة مسرحية دعائية كتبت وصورت واختيرت لقطاتها بعناية فائقة في استوديوهات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي دفعت فيها75 مليون دولار.. وهي أعلي تكلفة إنتاج لعرض لم يستغرق سوي20 دقيقة.. وكالعادة كان البطل مفهوما ومدروسا ومحفوظا للمخرج والمونتير ومدير التصوير وعمال الإضاءة.. فهم يعرفون تصرفاته جيدا.. ويحسبون ردود أفعاله بدقة.. فقد صنعوه علي أيديهم.. وتحكموا فيه عن بعد بالريموت كنترول. بكلمة واحدة من سفيرتهم في بغداد دفعوه للتورط في احتلال الكويت.. وبإشارة عابرة أقنعوه بأن يبقي هناك.. وأن يهزم هناك.. وأن تتحطم أنيابه وتتكسر مخالبه هناك.. وبنظرة ساهمة أخرجوه من قفصه ليمثل دور الديكتاتور المجرم الذي يحظي بما لم يمنحه لشعبه.. العدالة.
لكن.. المحاكمة كانت مسرحا عريضا استغله صدام حسين لإزالة عار لحظة القبض عليه.. غسل هذه اللحظة في أول دقيقة.. استرد شخصيته الشرسة التي فقدها في حفرة الاختفاء.. كان أول ما قال: أنا صدام حسين المجيد رئيس جمهورية العراق.. تصرف علي أنه الحاكم الشرعي لبلاده.. ووجد أن شرعيته لم تسقط قانونا.. فهو منتخب ولو كانت الانتخابات مزيفة.. بينما خليفته الرئيس المؤقت غازي الياور معين بقرار من دبابة أمريكية.. وترك له حرية تبرير غزو الكويت وسبها.. لم تحذف الرقابة علي المصنفات الفنية في البنتاجون تلك الكلمات المهينة لدولة تعتبر صديقة.. لكن سمح له أيضا بأن يسب الرئيس الأمريكي جورج بوش, ويصفه بأنه المجرم الحقيقي.. ثم كان أن وجد كرسيا خاليا فسارع بالجلوس عليه دون أن يستأذن قاضي التحقيق رائد الحوجي الذي أخفوا وجهه.. خوفا عليه من القتل.. ولم يخفوا رعشة صوته.. فهو أصغر من أن يواجه ذلك الديكتاتور القاسي الذي عرف مصيره.. وإن كان قد سبق له التحقيق في قضية مقتل عبدالمجيد الخوئي في النجف قبل أن ينتقل للعمل في بغداد.. وهو واحد من سبعة قضاة اختيروا بعناية لمحاكمة الرئيس العراقي السابق, هم وخمسة من ممثلي الادعاء.
علي أن المحكمة لم تختلف تماما عن المهزلة.. والقانون الذي تحدثوا عنه لم يكن أكثر من تلك الآلة الموسيقية الشهيرة التي عزفت الموسيقي التصويرية.. فالدستور العراقي الذي لم يتغير تنص المادة الثانية منه علي أن الرئيس محصن مقدس لا يحاكم ولا يحاسب مهما فعل.. ومن ثم, فإن محاكمته غير شرعية.. يضاف إلي ذلك أن الذين قبضوا عليه وقدموه إلي المحاكمة هم قوي عسكرية محتلة جاءت بلا سند لتضرب وتقتل وتحرق وتعذب وتسيطر علي بلاد بعيدة عنها.. كما أن هيئة الدفاع المكونة من عشرين محاميا( ويرأسها المحامي الأردني محمد الرشدان) لم يتح لها أن تقابل موكلها.. بل تلقت تهديدا صريحا بالقتل من الحكومة العراقية المؤقتة.. وجاءت التهديدات علي لسان مالك دوهان الحسن.. وهو ـ صدق أو لا تصدق ـ وزير العدل في حكومة إياد علاوي.. إن رمز القانون في السلطة الجديدة لم يتردد في أن يقول للمحامي عصام غزاوي: إذا جئتم إلي العراق فلن نقتلكم فحسب.. ولكننا سنقطعكم تقطيعا.. إنها العدالة علي طريقة المجازر الآلية.
ولو كان وزير العدل جلادا علي هذا النحو, فإن القاضي الذي اختاره لا يمكن الوثوق في نزاهته.. إن سالم الجلبي الذي اختير لمحاكمة صدام حسين لا يزيد عمره علي41 سنة.. وهو ابن شقيق أحمد الجلبي الذي عمل في خدمة البنتاجون والمخابرات المركزية والبيت الأبيض والمباحث الفيدرالية ومطاعم كنتاكي فريد تشكن, ثم تلقي جزاء سنمار علي يد الذين عمل في خدمتهم باتهامه بالتجسس لمصلحة المخابرات الإيرانية.. ولأن من شابه عمه فما ظلم, فإن سالم الجلبي لم يتردد في أن يشارك محاميا إسرائيليا هو مارك زيل في شركة للاستشارات القانونية في بغداد.. ومارك زيل كان عضوا نشيطا في حركة جوش أمنيوم الاستيطانية التي استولت علي غالبية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.. وكان أكثر الناس ضغطا علي رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نيتانياهو للتخلص من اتفاق أوسلو.
وكان كذلك شريكا في شركة محاماة أمريكية ـ إسرائيلية بواشنطن, أطلق عليها فانتيز هو, ودوجلاس فيت مساعد وزيرالدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد وواحد من شلة المحافظين الجدد في البنتاجون.. وهي الشلة التي يتزعمها بول وولفويتز والتي دفعت البيت الأبيض لغزو العراق واحتلاله لتفتح للإسرائيليين ثغرة كبيرة هناك وصلت إلي ذروتها باعتراف المسئولة عن سجن أبو غريب بوجود محققين إسرائيليين كانوا يتابعون كل ما يجري هناك.. إن الخطوط البعيدة تتلاقي.. والعلاقات الخفية تصبح علنية.. والأسرار القديمة أصبحت مباحة ومتاحة لا يخجل منها أصحابها.
لقد أسس مارك زيل تلك الشركة مع دوجلاس فيت لتتجاوز حدود المعاملات القانونية إلي ما وراءها من وصلات سياسية وعلاقات استخبارية وصفقات تجارية.. وهو ما جعله يؤسس شركة أخري للمقاولات والتجارة في واشنطن ليكون لها نصيب في مشاريع إعادة إعمار العراق.. إن منح هذه المشاريع هو مكافأة لغالبية العملاء المعروفين والمستترين في المنطقة.. وهؤلاء العملاء عليهم أن يتجمعوا.. ويتحدوا.. ويقتسموا الغنيمة العراقية السمينة فيما بينهم.. أحمد الجلبي من العراق.. دوجلاس فيت من الولايات المتحدة.. مارك زيل من إسرائيل.. وفلان من هنا.. وعلان من هناك.. ولا معني للخجل والحياء.. ولا قيمة للتستر والإخفاء.. ولا تصور برفض أي مهمة تطلب منهم.. يقدمون تقاريرهم عن بلادهم.. حاضر.. يتجسسون عليها.. سمعا وطاعة.. يتهمون غيرهم بالباطل.. حبا وكرامة.. يحاكموا صدام حسين.. تكرم عيني.
ولن تجرؤ الإدارة الأمريكية علي أن تكون محاكمة صدام حسين علنية.. ولن تسمح بنقل وقائعها علي الهواء مباشرة.. فأبشع الجرائم التي ارتكبها كانت بتشجيعها ومباركتها.. إن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي هو نفسه وزيرالدفاع وقت استخدام الأسلحة الكيماوية في منطقة جلبة التي حرق فيها نحو خمسة آلاف ضحية مدنية لا ذنب لهم.. وديك تشيني نائب الرئيس هو نفسه ديك تشيني تاجر الجاز الذي تعاملت شركته مع النظام العراقي السابق وكسبت من ورائه ملايين الملايين.. فمن يحاكم من؟.. من يحاسب من؟.. وهل يبقي صدام حسين وحده في القفص أم أن هناك متهمين غيره ممن يحاكمونه يجب أن ينضموا إليه ويعاقبوا مثله؟
إن العبقرية السينمائية الأمريكية كانت غائبة هذه المرة.. كان كاتب السيناريو رديئا.. والمخرج مسطولا.. والمونتير عاجزا عن التأثير في المتفرجين.. ومن ثم تعاطف الجمهور مع البطل برغم أنه قاتل وسفاح ومجرم ومغتصب وورط بلاده في حروب لا طائل لها وجوع شعبه وحرمه من حق الحياة وجلب عليه عار الاحتلال.. لقد جاءوا يكحلونها فأعموها.. جاءوا يسودون وجه صدام حسين فبيضوه ونوروه وحولوه من سفاح إلي ضحية.. إن الحل الوحيد كان تشكيل محاكمة شعبية عراقية ليدفع ثمن ما فعل.. وليدخل التاريخ من أسوأ بواباته.. بوابة الفاشية السوداء. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|