تقارير المراسلين

42950‏السنة 127-العدد2004يوليو10‏22 من جمادى الأولى 1425 هـالسبت

أوروبا فوق صفيح ساخن إرهابيا
بقلم : د‏.‏ سعيد اللاوندي

‏..‏ لم يكن مغاليا‏(‏ القاضي الأوروبي المتخصص في شئون الإرهاب جون لوي بريجيير‏)‏ عندما قال إن الحرب ضد الإرهاب أشبه بحرب المائة عام في إشارة إلي مدي وعمق وطول فترة هذا الصراع الذي يبرز كإحدي سمات القرن الحادي والعشرين‏.‏ فبرغم أن هجمات‏11‏ سبتمبر في الولايات المتحدة كانت نقطة مفصلية‏(‏ أساسية‏)‏ في استراتيجية مكافحة الإرهاب وبداية لتدشين تحالف دولي ضد هذا الخطر العالمي‏,‏ فإن أوروبا كانت تعيش هذا الهاجس قبلا‏,‏ فأكتوت فرنسا بنيران الإرهاب في عام‏1995‏ عندما حصدت القنابل نحو‏200‏ قتيل في مترو الانفاق الباريسي وظهرت جماعات تحمل أسماء منها خالد قلقال‏,‏ ورشيد رامدا‏(‏ وهما فرنسيان من أصول عربية‏).‏

‏..‏ وهاهي أسبانيا تعاني الإرهاب المزمن الذي تقوده منذ سنوات جماعة الأيتا الانفصالية التي لايكاد يمر يوم دون أن تسفك دماء بريئة علي أيدي سفاحيها‏..‏ ثم جاءت تفجيرات‏11‏ مارس الماضي التي خلفت نحو‏190‏ قتيلا لتضيف جبهة أخري في‏(‏ استراتيجية المواجهة الأوروبية مع الإرهاب‏)‏ هي جبهة تنظيم القاعدة‏.‏

والثابت أيضا أن إيطاليا وألمانيا وبريطانيا ليست في مأمن من آفة الإرهاب‏,‏ التي تأخذ أشكالا مختلفة‏,‏ لكنها ترمي إلي شيء واحد هو زعزعة الأمن والاستقرار في القارة العجوز التي تضع حاليا يدها علي قلبها خوفا من أن ينفذ أسامة بن لادن وعيده بحسب ماجاء في العرض الذي كان تقدم به في أبريل الماضي حول الهدنة المشروطة التي تنتهي في‏15‏ يوليو الحالي مطالبا الأوروبيين بعدم مهاجمة المسلمين والانسحاب من بلادهم والكف عن التدخل في شئونهم‏!.‏

مصداقية التهديدات
وبرغم أن هناك من يشكك في مصداقية هذا التهديد الذي أكدته مجددا تحذيرات جماعة تحمل اسم أبوحفص المصري‏,‏ فإن غالبية الدول الأوروبية أخذته علي محمل الجد‏(‏ خصوصا فرنسا وإيطاليا‏).‏

بينما قللت مصادر بريطانية وألمانية من أهمية مثل هذه التهديدات التي تحملها أجهزة الفاكس ليل نهار‏,‏ إلا أن المرصد الدولي للإرهاب في باريس شدد علي ضرورة التعامل مع البيانات أو التصريحات المنسوبة إلي تنظيم القاعدة أو الجماعات المرتبطة بها‏,‏ بقدر كبير من الجدية‏..‏ خصوصا أن عددا من دول القارة لايزال له قوات في أفغانستان‏(‏ فأسبانيا رغم انسحابها من العراق طالبت بمضاعفة عدد قواتها في أفغانستان إلي ألف جندي‏!)‏ وهو مايجعلها تقع بدرجة مباشرة في مرمي التهديدات التي ساقها أسامة بن لادن عقب تفجيرات مدريد‏.‏

وليس خافيا أن قلب أوروبا أصبح موجوعا بل إن الحياة فيها أصبحت صعبة بسبب التشديدات الأمنية والرقابية التي تطال أماكن كثيرة‏(‏ سيرجيو بيرلسكوني رئيس الوزراء الإيطالي أكد أن‏14‏ ألف موقع باتت تحت مراقبة قوات الأمن في إيطاليا‏)..‏ وارتفعت أصوات في عاصمة الاتحاد الأوروبي‏(‏ بروكسل‏)‏ تطالب بأن تمتد شبكة الدفاع الأوروبية‏(‏ التي تبلغ نفقاتها نحو‏160‏ مليار يورو‏)‏ لتشمل خطة مكافحة الإرهاب في كل أنحاء القارة‏..‏ أما الخطر الأكبر ـ في تقديرنا ـ فهو ينصب علي الملايين من أبناء الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا الذين أصبحوا يقفون ـ بالجملة ـ وراء القضبان‏,‏ بتهمة الإرهاب‏,‏ والتطرف‏!‏ لا لشيء إلا لأنهم يشتركون مع أمثال بن لادن‏,‏ والظواهري‏,‏ والزرقاوي في الدين وليس في التوجه‏!‏ وظهرت جماعات كارهة للعرب وتخطط لإجلائهم عن التراب الأوروبي‏(‏ سرا وعلانية‏)‏ مثل النازيون الجدد‏,‏ وحالقو الرءوس‏,‏ وأحزاب اليمين المتطرف الذين يرون في الوجود العربي والإسلامي في أوروبا‏,‏ احتلالا‏!.‏

أيا كان الأمر فان قادة أوروبا قد قرعوا طبول الحرب ضد الإرهاب بالفعل واتخذوا جملة من الاجراءات غير المسبوقة منها تعيين منسق أوروبي لمكافحة الإرهاب تكون مهمته ـ كما هو واضح من الاسم ـ تنسيق التعاون بين الدول الأوروبية لتطبيق أفضل لما كانت اتفقت عليه منذ وقوع أحداث‏11‏ سبتمبر وفي هذا الشأن تتحدث دوائر أوروبية عليا عن أن لدي أوروبا مايلزم من أدوات لمواجهة الإرهاب والمطلوب فقط هو استخدامها وتفعليها‏!.‏

‏..‏ أما الخطوة الثانية التي اتفقت حولها أوروبا‏,‏ فهي دعم جهاز الانتربول الأوروبي المعروف باسم يوروبول‏(‏ مقره لاهاي‏)‏ وتزويده بنحو‏350‏ عنصرا ومضاعفة ميزانيته التي تبلغ أكثر من‏50‏ مليون يورو‏,‏ وتحمست دول أوروبية لإنشاء وكالة مخابرات أوروبية مركزية علي غرار وكالة المخابرات الأمريكية لتكون مستودعا لكل المعلومات المتعلقة بالأمن الأوروبي بشكل عام خصوصا بعد أن تبين أن الأجهزة الأمنية الخاصة بكل دولة تفرض سياجا من الحذر حول المعلومات التي تري أنها حساسة وتتوجس من أن يعود عليها ضرر مباشر إذا ماقامت بتبادلها مع أجهزة دولة أخري‏..‏

ضربات استباقية
وبرغم أن بعض الدول مثل فرنسا وألمانيا وضعت تحفظات من نوع ما علي فكرة انشاء وكالة مخابرات مركزية أوروبية‏,‏ ورأت أن الأفضل هو العمل علي تعزيز فاعلية الأجهزة الأوروبية القائمة بدلا من الخوض في استحداث أجهزة جديدة‏,‏ فإن ملف هذا الاقتراح لايزال قيد البحث في دوائر بروكسل‏,‏ وفي اجتماعات وزراء الداخلية للدول الـ‏25‏ الأعضاء في الاتحاد الأوروبي‏..‏

‏..‏ وفي اطار بحث أوروبا عن أمنها الخاص‏,‏ استخدمت دولها منهج الضربات الاستباقية ضد أنشطة الشبكات الإرهابية المسلحة ذات الثقافة والايديولوجية الإجرامية‏,‏ وقامت ـ كما فعلت بريطانيا وإيطاليا ـ بتفكيك هذه الخلايا التي كانت تعتزم القيام بعمليات إرهابية في البلاد‏,‏ كما كثفت عمليات الدهم والاعتقالات وفتح التحقيقات مع العناصر المشتبه في تورطها في عمليات إرهابية لقطع الطريق أمام جرائمها‏..‏

يبقي في هذا الشأن نقطتان الأولي تتعلق بخصوصية أوروبا في حربها ضد الإرهاب‏,‏ فهي تحرص علي ألا يتحول الأمر إلي حرب غير شرعية وغير محددة ضد الإرهاب مثلما فعلت روسيا في الشيشان‏,‏ وتفعل أمريكا في أفغانستان والعراق‏.‏ فالأوروبيون في كل الأحوال لايرحبون بوجود جوانتانامو جديدة في بلادهم‏.‏ والنقطة الثانية عبر عنها خافيير سولانا وزير خارجية الاتحاد الأوروبي بقوله إن أوروبا شاءت أم أبت هي قوة عالمية‏,‏ ومن ثم يتعين عليها أن تكون مستعدة لاقتسام مسئولية الأمن في العالم‏(‏ وليس فقط مسئولية الأمن في داخلها‏)‏ وأشار إلي وثيقة أوروبا آمنة في عالم أفضل التي تقول إن علي أوروبا أن تحدد التهديدات التي تواجهها والاستراتيجيات والوسائل من أجل محاربتها‏..‏ كما عليها أن تتفهم أسباب هذه التهديدات‏..‏ لكن ـ في كل الأحوال ـ عليها أن تتدخل بشكل وقائي قبل أن يستفحل الخطر‏..‏

‏*‏ بكلمة أخري إن أوروبا لاتنام ـ في هذه الأيام ـ خوفا وجزعا من هجمات لا تعرف علي وجه الدقة علي أي شاكلة سوف تأتيها‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~