|
|
|
قضايا و اراء
| 42950 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 10 | 22 من جمادى الأولى 1425 هـ | السبت |
|
الرائد الاجتماعي وقطاع المواطنة بقلم : د. إيمان بيبرس رئيسة مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة
|
|
** كيف نغير العالم؟ سؤال مهم طرحه كتاب جديد ظهر في الولايات المتحدة, أوائل هذا العام. تذكرت هذا العنوان وأنا في لقاء مع شباب وشابات من منطقتي عزبة أبو قرن و بطن البقرة بمصر القديمة, حيث تعمل جمعية نهوض وتنمية المرأة منذ أربع سنوات, وقد دأبت, من خلال عملي, علي عقد لقاءات شهرية مع فئات مختلفة سواء كانت السيدات المعيلات اللاتي نخدمهن في المنطقة, أو ممثلي القيادات الطبيعية. ولكني بدأت حديثا في مقابلة الشابات والشباب لما سمعت من أمهاتهم عن الاحباط المسيطر عليهم.
وفعلا قمت بعقد عدة لقاءات في هاتين المنطقتين مع شابات وشباب في الفئة العمرية من19 ـ24 سنة, ومعظمهم حاصل إما علي مؤهل متوسط, وإما حديث التخرج في الجامعة, وإن كان جميعهم لايعمل. وبالطبع كانت أهم مشكلة تواجه هؤلاء الشباب ـ من وجهة نظرهم ـ البطالة وغياب الموارد والفرص, وإحساسهم بأنهم بلا قيمة, ثم قال أحد الشباب من نحن؟ شباب ضائع, بدون أمل, كيف يطلبون منا ان نغير العالم ونحن لانستطيع أن نغير واقعنا وأنفسنا وظروفنا؟
في هذه اللحظة تذكرت كتاب دافيد بورنشتاين كيف نغير العالم: العمل الاجتماعي وقوة الأفكار, وهو كتاب يتحدث ـ كما يقول مؤلفه ـ عن أشخاص عاديين في ظروف صعبة, لايجمع بينهم سوي رغبتهم وقدرتهم علي التأثير في مجتمعاتهم وتغييرها إلي الأفضل.
وتذكرت أيضا المهندس تامر بهاء, الذي أسس جمعية مع عدد من زملائه, هدفها الأساسي محو أمية الصم والبكم بالإشارة, وذلك لأن95% من خريجي مدارس الصم والبكم يخرجون منها شبه أميين, لايستطيعون التواصل مع العالم الخارجي, تذكرت الكتاب وحكاية تامر وأنا أتكلم مع هؤلاء الشباب, واكتشفت أن العائق الأساسي أمام هؤلاء الشباب هو غياب الأمل, وغياب شعورهم بقدرتهم علي التغيير, مع أن التغيير والتنمية ممكن أن يبدآ بشيء بسيط جدا يكون هو بداية طريق النهوض بالمجتمع.
ومن هنا فكرت في أن أكتب هذا المقال, لكي أنشر وأعيد الأمل للشباب, وأعطيهم الثقة بأن هناك أشياء صغيرة يمكن أن تغير العالم من حولنا, أشياء بإمكان كل فرد منا أن يقوم بها ليغير المجتمع من حوله ويدفعه إلي الأفضل.
يحاول الكتاب ـ من خلال استعراضه لمائة مقابلة شخصية مع هؤلاء المبدعين ـ جذب الانتباه للدور الذي يلعبه هؤلاء الأشخاص, من أجل دفع عملية التغيير الاجتماعي, كما يناقش تأثيرهم علي المجتمع.
ومن المهم عند استعراض الكتاب وأفكاره, شرح بعض المفاهيم الجديدة علينا في المجتمع المصري, والتي لابد أن نعطيها الاهتمام لأنها تعبر عن لغة وخطاب المستقبل القادم والذي لانستطيع أن نتجاهله. هذه المفاهيم هي: الرائد والمبدع الاجتماعي وقطاع المواطنة. نبدأ بالمبدع/ الرائد الاجتماعي socialentrepreneurs, أو المبدعة/ الرائدة الاجتماعية, لا فرق. يعرف الكاتب المبدع/ الرائد الاجتماعي الحقيقي بأنه بمثابة قوي تحول هو فرد لديه أفكار جديدة لمخاطبة المشكلات الرئيسية الكبري, لايكل من ملاحقة رؤيته التي لن يتخلي عنها حتي يتم نشر أفكاره في كل مكان. بمعني آخر هو الشخص ذو الرؤية العملية, بعيدة المدي, والذي يمتلك صفات الابداع والالتزام والمغامرة, ودافعه الأساسي هو رغبته في تحقيق التغيير الاجتماعي المنظم. وهو الشخص الذي لايركز علي العوائق والمشكلات وإنما يحاول أن يحل المشكلة, هو الشخص الذي يبدأ المشوار بخطوة واحدة.
ويستطرد المؤلف في ذكر العديد من الأمثلة عن كيف يقوم المبدع/ الرائد الاجتماعي بعملية التغيير, وكيف يمكن أن يشكل الإدراك الحسي والسلوكي للناس. فكل الشخصيات التي قام ديفيد بمقابلتها, في الكتاب, تعمل علي حشد الأفكار للقضاء علي المشكلات ـ الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ـ في مجتمعها, كما أنها جميعا لم تأل جهدا حتي تري أفكارها قد انتشرت في كل مكان.
في المجمل استطاع الكتاب أن يقدم لنا صورة لما يجب أن يكون عليه المبدع/ الرائد الاجتماعي, كما قدم لنا كيف يستطيع كل فرد في المجتمع أن يكون مسئولا تجاه مجتمعه, من خلال عرضه الرائع لقصص100 مبدع اجتماعي من مختلف بلاد العالم. ونحن هنا في مصر عندنا امثلة كثيرة لهؤلاء المبدعين, يحتاجون منا الدعم والمساندة لتكوين قطاع مواطنة قوي يسهم مع القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تطوير بلدنا الحبيب والوصول به إلي بر الأمان في زمن الحروب.
في النهاية أؤكد أن هدفي ليس مجرد استعراض الكتاب ـ مع أهميته وقيمته ـ ولكن هدفي أساسا هو إثارة المناقشة حول التطورات في الفكر الاجتماعي, وظهور مفاهيم جديدة لاتزال بعيدة عنا في مصر وفي الوطن العربي, فنحن لانزال نطلق علي قطاع المواطنة المجتمع المدني, ولا نزال نتكلم عن موضوعات مكررة مثل التمويل الأجنبي, بالرغم من أن الأهم هو مناقشة اسلوب عمل هذه المنظمات, وهل هي علي درجة مناسبة من المهنية التقنية, وهل عندها خطط لتنمية الموارد المحلية تدريجيا بدلا من الاتكال علي تمويل خارجي.
وأخيرا أود أن أؤكد فكرة الرائد والمبدع الاجتماعي وفكرة القدرة علي التغيير, أنا ذكرت بعض الأمثلة في مصر, ولكن كل فرد منا يستطيع أن يغير العالم ويغير من الأوضاع لو بدأ بنفسه, فالشاب الذي لايعمل يستطيع أن يعلم جاره القراءة أو يذاكر لأبناء الجيران, أو ينظف الشارع مع أصدقائه, وفي هذا الوقت سيفكر الآخرون في المساعدة, وهكذا تدور عجلة التقدم والتطوير, صدقوني تغيير العالم يبدأ بفكرة, ثم إقدام ومثابرة. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|