|
|
|
ملفات الأهرام
| 42950 | السنة 127-العدد | 2004 | يوليو | 10 | 22 من جمادى الأولى 1425 هـ | السبت |
|
إتفاق سلام السودان.. إلي أين؟
|
كتب : هانيء رسلان |
الآن وبعد أن هدأت حدة التفاعلات التي أثارتها بروتوكولات السلام السودانية الموقعة أخيرا في نيفاشا, فقد يكون من المناسب إلقاء نظرة فاحصة ومدققة, لمحاولة رصد ملامح الفترة القادمة في السودان, وما سوف تحمله في طياتها من بشائر الأمل في السلام والتنمية, وماتحمله أيضا من نذر كثيرة بالخطر, الأمر الذي يستوجب التوقف أمامها لفهم ما يجري, ومحاولة التعامل معه برؤية جديدة, تسعي لاستيعاب الواقع الماثل, ولا تظل أسيرة لصور ذهنية عفي عليها الزمن, وأصبحت جزءا من التاريخ. فاتفاق السلام في السودان ملئ بالتفاصيل التي قد تؤدي إلي انهياره في حال عدم تمكن الموقعين عليه من التحلي بروح الوفاق والمصالحة الوطنية المخلصة. والأمر العاجل الآن بالنسبة لمصر هو ضرورة الانخراط في جهد متصل للتعامل مع هذا الواقع الجديد, وكذلك إعادة قراءة المصالح المصرية وتحديدها بدقة استشرافا لسياسة فاعلة تنطلق من أفق استراتيجي واضح بعيدا عن الانغماس في المسائل الإجرائية مثل عودة التكامل واتفاق الحريات الأربع, التي هي هامة للغاية ولكنها ستكون فاشلة حتما بدون إطار استراتيجي ورؤية سياسية واضحة ومحددة. إن الأمر الذي لا يجادل فيه أحد أن اتفاق السلام يعد تطورا إيجابيا وهاما للغاية, إذ أنه ينهي الحرب الأهلية والاقتتال الدامي في السودان, ويعد أكبر نقطة تحول من الناحية السياسية في السودان منذ تحقيق الاستقلال, إذ أنه سيعيد صياغة السودان من جديد من حيث العلاقات بين الشمال والجنوب وبين المركز والولايات, كما سيؤسس لحقبه جديدة في تاريخ السودان لم يتم حسم ملامحها وقسماتها الرئيسية حتي الآن في انتظار ما سوف تسفر عنه المرحلة الانتقالية بعد6 سنوات من دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ, ورغم الأهمية الهائلة للاتفاق من هذه الزاوية, إلا أنه لم يقابل بالابتهاج الشعبي الذي كان متوقعا, باستثناء بعض المظاهر المحدودة التي قامت بها جماعات صغيرة من الجنوبيين بالخرطوم. ربما يعود ذلك إلي طول فترة المفاوضات التي استغرقت حتي هذه اللحظة ثلاثة وعشرين شهرا. وقد أرجع بعض المحللين هذه الظاهرة إلي بعض العوامل الموضوعية, التي كان من بينها غياب معظم القوي السياسية عن المفاوضات بسبب ثنائية عملية التفاوض ومن ثم وقوف هذه القوي موقف المتفرج الذي يشعر بالارتباك وربما الوجل من المستقبل وهناك سبب ثان لغياب مظاهر الاحتفاء والفرح تمثل في تصاعد أزمة دارفور بما تصاحب معها من إهراق للدماء ومشاكل للنازحين.
ردود الأفعال أثار الاتفاق الكثير من ردود الأفعال السلبية والإيجابية وأن كان هناك اتفاق عام بين كافة القوي السياسية وكذلك المحللون السياسيون, علي أن إيقاف الحرب هدف استراتيجي يتمتع بالأولوية إزاء أي هدف آخر, وأن الاتفاق وبغض النظر عن أي عيوب تشوبه أو انتقادات توجه إليه, هو أفضل من الاستمرار في الحرب التي ستكون نتائجها أسوأ بكثير, وقد رأي أصحاب الاتجاه المؤيد للاتفاق أنه بالرغم من أن الطرفين لم يظهرا قط أي احترام للديمقراطية, وأنهما من خلال الاتفاق قاما بتهميش القوي المعارضة غير المقاتلة في قسمة السلطة, إلا أن ذلك يبقي خيارا أفضل من الاستمرار في الحرب, وأن التعاطي الإيجابي مع هذه البروتوكولات مسألة يجب أن تحظي بالأولوية القصوي لتثبيتها كأمر واقع للبناء عليه فيما بعد, لأن هذا يفتح بابا عريضا لتغيير سياسي لم يشهد مثله السودان منذ الاستقلال, من خلال الآلية التي نص عليها الاتفاق وهي إجراء الانتخابات في منتصف المرحلة الانتقالية بإشراف رقابة دولية. ويستطرد أصحاب وجهة النظر هذه بالقول أن أول ملامح هذا التغيير أنه يضع الخطوة الأولي لإنهاء عصر الأيدلوجية في الحياة السياسية السودانية, وان هذا ينطبق علي كل من الحركة الإسلامية والحركة الشعبية, فأي من الطرفين لم يستطع أن يهزم الآخر في ساحة القتال, وأن الاتفاق من هذا المنظور يعني التراجع الاستراتيجي للطرح الأيدلوجي لكليهما, وأن ذلك يعني البدء بالخطوة الأولي في الانتقال إلي التطور الطبيعي المتدرج, والبدء في اصطفاف جديد للقوي السياسية والاجتماعية. الملمح الثاني أن هذه البروتوكولات تضع أسسا لتحول كبير يصب في صالح التعددية والحريات وبناء ثقافة السلام, وأن يتم حل النزاعات والخلافات عبر الوسائل السلمية.
اتفاق غير متوازن أما المتحفظون علي الاتفاق فقد أثاروا الكثير من النقاط التي نوجز أهمها علي النحو التالي:- 1-أن جون قرنق قال في الكلمة التي ألقاها عقب توقيع البروتوكولات الثلاثة, أن حركته كانت قد إنطلقت لخلق سودان جديد, وأنها لم تتخل عن هذا الهدف, بل أن توقيع اتفاق السلام يعتبر البداية في هذا الاتجاه. وأن النظرة الفاحصة للإتفاقيات تؤكد مقولة جون قرنق, إذ أنها بمثابة إعلان ثورة بعيدة المدي لتغيير شكل الدولة السودانية واستبدال السودان بكيان جديد ذي طبيعة كونفدرالية مع تكريس التوجهات الطائفية والجهوية فيه. 2- أن تأمل بقية بنود الاتفاق يكشف أن قسمة السلطة علي المستوي القومي أصبحت غير ذات موضوع, لأن الحكومة القومية لم يعد لها نفوذ يذكر في البلاد, حيث أن إقليم الجنوب يصبح وبصورة فورية في وضع استقلال فعلي اقتصاديا وعسكريا وإداريا, فرئيس الحركة الشعبية هو رئيس حكومة إقليم الجنوب وهو المسئول عن تعيين رئيس وزراء وحكومة الجنوب, وكذلك تسمية كل حكام الجنوب, بالإضافة إلي السيطرة علي المجلس التشريعي, وكل هذا دون حتي التشاور مع الرئيس أو الحكومة المركزية أو برلمانها, ويكون زعيم الجيش الشعبي أيضا القائد العام للقوة المسلحة الرئيسية في الجنوب, ويتسلم آليا نصف عائدات النفط وطائفة من الموارد الأخري للتصرف بها أيضا دون الرجوع إلي أي سلطة أخري في الدولة.
3-فوق ذلك فإن سلطة الحكومة المركزية مقيدة بقيود أخري كثيرة, منها صلاحيات الفيتو المعطاه للنائب الجنوبي, واشتراطات موافقة ثلثي أعضاء مجلس الولايات( الغرفة الثانية في البرلمان) علي كل التشريعات والقرارات التي تمس الولايات, ومن المعروف أن جنوب السودان به10 ولايات من أصل26 ولاية في السودان, وبذلك يمكن لنواب الولايات الجنوبية عرقلة أي مشروع يمس ولاياتهم. 4-أن وجود محكمة دستورية ومحكمة استئناف ومحكمة عليا ولجنة قومية للمراجعات الدستورية, ولجنة قومية لحقوق الانسان, ولجنة قومية للخدمات القضائية, ولجنة للمخصصات المالية ولجنة للإستفتاء, وكل من هذه اللجان أو المؤسسات تتمتع بصلاحيات واسعة تجاه الحكومة المركزية مع إصرار الاتفاقية علي تمثيل الجنوب والولايات فيها, والشاهد أن هذه اللجان قد تؤسس لصيغة من المحاصصة الجهوية في هذه المؤسسات والتأثير علي مسار العدالة وكفاءة الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة عبر جعل هذه الاعتبارات الجهوية والطائفية هي الحكم في الأمور لا الكفاءة والنزاهة.
5-تخلص وجهة النظر هذه إلي أن ملامح السودان الجديد الذي ترسمه الاتفاقيات قد بدأت تتضح, وهو سودان يجري فيه تفريغ الدولة المركزية من محتواها إلي حد بعيد, ويتحول إلي تحالف بين ولايات شبه مستقلة, ويتمتع فيه الجنوب بإستقلال فعلي وقانوني ودستوري, وأن التحدي لن يكون منع السودان من الانقسام إلي دويلات بل الدخول في جهود جبارة لإعادة توحيده, وهو سودان ستشكل المحاصصة الجهوية والطائفية عمدة البنية السياسية له, ويعاني تضخما إداريا ووظيفيا ومؤسسيا بحيث ترتفع كلفة الحكم وتتعقد إجراءات إتخاذ القرار حتي يكاد يصبح إتخاذ أبسط القرارات أشبه بالمستحيل. 6-أن هذه الترتيبات قد تمثل مدخلا في المستقبل لكثير من الفساد وعدم الفعالية والارتباك وكانت قد أدت في كثير من البلاد النامية عموما, وفي السودان خصوصا إلي شلل في إتخاذ القرار وفقدان ثقة في الحكم القائم والمعتمد علي المحاصصة الطائفية أو الجهوية, وبررت للانهيار السياسي والانقلابات العسكرية والإضراب الأهلي. 7-أنه من الناحية النظرية ليس هناك ما يمنع من إزدهار كيان سياسي يقوم علي مباديء الكونفيدرالية أو الفيدرالية الموسعة, وهناك نماذج ناجحة من هذا النوع مثل كندا وسويسرا, إلا أن ذلك يعتمد علي وجود قيادات سياسية تتمتع بقدرات كبيرة علي بناء التحالفات وقيادتها بحكمة والمحافظة عليها وتوحيد القوي السياسية وحمايتها من الشرذمة, وهو الأمر الذي يري الكثير من المراقبين أن السودان يفتقده في الوقت الحالي.
الخشية من تفكك السودان علي صعيد آخر ظهرت بعض وجهات النظر التي أبدت قدرا من القلق علي تفكك السودان أو تحوله إلي أندلس جديدة, حيث صرح قطبي المهدي المستشار السياسي للفريق البشير أن جون قرنق لم يتخل عن أجندته السياسية وأنه سوف يجئ إلي الخرطوم متزعما للمهمشين لمحاصرة العرق العربي في وسط وشمال السودان, وحذر من وقوع أندلس جديدة في تصريحات أثارت في حينها الكثير من ردود الأفعال, وحاولت الحكومة السودانية التخفيف من أثرها علي لسان علي عثمان طه نائب الرئيس, إلا أنها ظلت تتفاعل في أوساط الرأي العام, واشارت إلي وجود قدر غير قليل من القلق وعدم الرضا بشأن التنازلات التي قدمتها حكومة الإنقاذ للحركة الشعبية. وفي هذا السياق وفي تناول أكثر عمقا, قدم المفكر السوداني' أبو القاسم حاج حمد' رؤية نقدية للإتفاق, ووصفه بأنه اشبه بحصان طرواده الخشبي, ليس بوصفه ثنائيا, فثنائية الاتفاق مشروعة وواقعية- من وجهة نظره- بحكم موازين القوي السياسية والعسكرية بالسودان, ولكن بصفته تحايلا من الطرفين علي الحلول الإستراتيجية للعلاقة بين الشمال والجنوب والتي تفاعلت علي مدي زمني يمتد لقرن وربع القرن, منذ إلحاق الجنوب إداريا بحكمدارية السودان عام1870م. وأن نظام الإنقاذ قد وقع هذه البروتوكولات بضغط أمريكي وأوروبي لكي يبقي في السلطة تحت مظلة الشرعية الدولية, بعد أن فقد كل المبررات الأخري لوجوده. ووقع' جون قرنق' علي هذه البروتوكولات إداركا منه لضعف النظام في الشمال, واستخدم في ذلك الضغوط الدولية, وصعود حركة الغرب السوداني المسلحة في دارفور. ويمكن إيجاز هذه الرؤية علي النحو التالي:-
أن هذه البروتوكولات تؤسس لحكم ثنائي بين الحركة الشعبية ونظام الإنقاذ, وهو ما يفتقر حتي إلي مواصفات الحكم الثنائي المصري البريطاني1899-1954, حيث أن بريطانيا فرضت مركزيتها علي الشريك المصري الأضعف, في حين أن المركزية الآن في الحكم الثنائي الجديد قد تحولت إلي الجنوب بإسناد واضح من المجتمع الدولي والعمق الأفريقي. 2-أن المرحلة المقبلة قد تشهد تفكيك السودان من أطرافه, نظرا لغياب مركزية الشمال, وافتقار الموقعين من الإنقاذ للرؤية الاستراتيجية, واستخدام الجنوب لشعار' السودان الجديد' بالمنطق الاثني والجهوي للسودان القديم قبل عام1899, وليس بمنطق السودان الجديد الذي يعتمد علي وحدة القوي الوطنية الديمقراطية والقوي الاجتماعية الحديثة من منظمات المجتمع المدني والنقابات وجيل الحداثة الجديد الصاعد. بعد إخفاق جيل الاستقلال والجيل الذي تلاه. 3-أن الحل الوحيد الذي قد يحفظ التوازن بين الشمال والجنوب في إطار وطني ديمقراطي هو قيام نظامين مستقلين في دولة وطنية واحدة وفق صيغة كونفدرالية بين الشمال والجنوب طبقا للحدود الإدارية لعام.1956
4- أن' جون قرنق' هو الوحيد الذي يملك وينفذ خطة استراتيجية متكاملة بعيدة المدي بإسناد إقليمي وأفريقي ودولي. في حين أن نظام الإنقاذ الذي يفترض أنه يمثل الشمال, يعيش في وضعية ذاتية مغلقة تتصل بشرعية استمراره نفسها, وهو معزول إقليميا ودوليا وسودانيا خصوصا بعد تصاعد العمليات في دارفور, وعدم قدرته علي استقطاب الجبهة الداخلية للشمال. في حين تمكن' قرنق' من استقطاب الجبهة الداخلية للجنوب بأكمله, بعد أن انهارت اتفاقية الخرطوم الموقعة عام1997 مع القادة الجنوبيين من ذوي الخلفيات القبلية وهم رياك مشار ولام اكول وتعبان دينق وآخرون. وبالنظر إلي تصاعد الأوضاع في غرب السودان, والذي يشكل خمس مساحة السودان, وبعد أن امتد نفوذ' جون قرنق' إلي المناطق الثلاث التي تشكل مع الجنوب ثلث مساحة السودان, فإن السودان قد يكون مقبلا علي حالة من التفكك المماثل لما جري في الصومال أو حالة من الاستعصاء الأمني كما يجري في العراق. |
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|