قضايا و اراء

42938‏السنة 127-العدد2004يونيو28‏10 من جمادى الأولى 1425 هـالأثنين

علم لا ينفع
بقلم‏:‏ د‏.‏ جمال سلامة علي

يتميز الإنسان علي المخلوقات الأخري التي يحيا معها بحبه للعلم وقدرته علي التعلم‏,‏ والعلم نوعان‏:‏ الأول هو علم الفطرة بالمفهوم الإيماني أو الغريزة بالمفهوم المادي ويشترك فيه كل من الإنسان والحيوان‏,‏ أما النوع الثاني فهو العلم المكتسب أو علم التعلم وهو شئ يكتسبه الإنسان من خلال المشاهدات والتجارب‏.‏
ويعتقد كثيرون أن النوع الثاني وهو العلم المكتسب هو شئ مقصور علي الإنسان فقط‏,‏ غير أن الحق سبحانه وتعالي يكشف لنا في كتابه الكريم أن العلم المكتسب ليس بأمر يقتصر علي الإنسان‏,‏ فهناك حيوانات وطيور وحشرات تشترك مع الإنسان في صفة العلم المكتسب‏,‏ ويكفي قراءة سورة النمل التي تدلل علي ذلك قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده وهم لايشعرون‏...‏ فقول النملة وهم لايشعرون إنما يدلل علي ان النملة استطاعت أن تميز بين مسلك سليمان وجنوده وبين مسلك غيره من العابثين الذين قد يحطمون بيوت النمل عبثا وعدوانا‏.‏

هذا الأمر ينصرف أيضا علي أمة الطير‏,‏ ولنقرأ سويا قول الحق تعالي وتفقد الطير فقال ما لي لا أري الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين‏..‏ فقول الهدهد أحطت بما لم تحط به لايدلل فقط علي الجهد الذي بذله للحصول علي المعلومة بل يدلل علي قيمة العلم وفضله حتي علي نبي الله سليمان لدرجة جعلت الهدهد مطمئنا يتكلم بلغة الواثق وهو يخاطب نبيا وملكا لتيقنه من قيمة علمه الذي أنجاه من توعد سليمان‏.‏
أكثر من ذلك وبرغم مايشتهر عن الجن بإتيانهم الخوارق‏,‏ فإن مايميز نفر الجن عن الآخر هو العلم‏,‏ ولعل ماورد بسورة النمل يؤكد ذلك قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك‏..‏ فالأول الذي نعت نفسه بالقوة والأمانة قد تضاءلت قدرته أمام الآخر الذي عنده علم الكتاب‏.‏

فإذا كان ديينا الحنيف يعلي من قيمة العلم وإذا كان العلم هو معيار التفضل فلماذا ترضي أمتنا بحالة التخلف هذه بعد أن علمت الدنيا من قبل؟‏!‏
ولماذا لم تعد جامعاتنا تخرج إلا أدعياء علم وأشباه متعلمين؟‏!‏

القضية أننا بصدد تناقض وخلل غريب في منظومة التعليم والعمل في المجتمع المصري يرجع جزء كبير منها إلي اهتمامنا بالمظهر دون الجوهر ـ ففي الوقت الذي يحدث فيه تكالب للحصول علي شهادات جامعية لاتؤهل حاملها للحصول علي فرصته في سوق العمل ـ نجد أن سوق العمل تفتقر بشدة الي المهارات الفنية المعينة في مجال المهن والحرف اليدوية التي يدخلها البعض الآن دون أن يكون مؤهلا مهنيا فينجم عن ذلك تدن في مستوي الخدمات‏.‏
فمن منا الذي لم تقتضيه الضرورة إلي الاستعانة بأحد من أصحاب المهن كالميكانيكي أو السباك أو الكهربائي ولم يؤد ذلك إلا استنزاف الوقت والجهد والمال دون تحقق الغرض المطلوب‏,‏ فكثير من أصحاب تلك المهن قد دخلوها من باب الفهلوة والشطارة لا من باب العلم أو التعلم الصحيح‏.‏

لذلك فإن اصلاح هذا الخلل في ثنائية العلم والعمل لن يتم إلا من خلال استحداث كليات تعليم مهني تخرج لنا سباكين وكهربائية ونجارين وميكانيكية ويصبح لدينا حرفيون علي علم وخلق‏,‏ فإذا تم معالجة هذا الجانب تأتي الخطوة التالية وتتمثل في الاهتمام بمناهج التعليم التي تدرس لطلبة الكليات ذات المستوي التقني الأعلي مثل العلوم والهندسة والطب‏.‏
وقد يقول قائل‏:‏ أن الطلبة سيحجمون عن التعلم في مثل هذه الكليات لأننا في مجتمع أصبح يتأفف من أن يعمل بيده لدرجة أننا استوردنا شركات من أوروبا لكي تنظم لنا عملية جمع القمامة ـ إلا ان هذا القول مردود عليه لأن معظم الخريجين ان كان لهم حظ أصبحوا يعملون الآن كصبية لأصحاب الحرف اليدوية ناهيك عن العمل في المطاعم والمقاهي وهي أعمال لاتوفر لهم القوت الضروري للعيش‏,‏ فلنقارن بين وضعهم الحالي وبين وضعهم في حالة تمتعهم بمهارات علمية لشغل الحرف المهنية‏,‏ ولنقارن بين مستوي الخدمات التي يحصل عليها المواطن الآن من قبل أدعياء الصنعة وبين خدمات تقدم بواسطة من تسلحوا بالعلم‏.‏

نخلص من ذلك أننا نحن بحاجة الي ثورة علمية وتعليمية حقيقية لكي تنهض أمتنا من غفوتها وتتغلب علي كبوتها‏,‏ ثورة تتجاوز الشهادات التي قد لاتتعدي قيمتها أكثر من قيمة الورقة المطبوعة عليها‏,‏ ثورة علمية تتواكب معها ثورة تثقيفية وإعلامية تعلي من قيمة العمل اليدوي والحرف المهنية لتتعاظم علي مفهوم وثقافة الوظيفة البيروقراطية التي أتت علي الأخضر واليابس‏.‏
فكما ان العلم الذي لايقود الي الإيمان هو علم لاينفع‏,‏ وأن كل علم لايرقي أخلاق البشر هو علم لاينفع‏,‏ وأن كل علم لايزكي نفس الإنسان هو علم لاينفع ـ فإن كل علم لايحقق صالح الأمم هو علم لاينفع‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~