قضايا و اراء

42908‏السنة 127-العدد2004مايو29‏10 من ربيع الاخر 1425 هـالسبت

تاريخ سيوة يبدأ من شالي‏!‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ زاهي حواس

‏**‏ كتبت المقالين الاخيرين عن تاريخ سيوة علي مر العصور وحتي العصر المسيحي‏.‏ واليوم نكتب عن فترة دخول الاسلام وهي الفترة الهامة في تاريخ واحة سيوة حيث ازدهرت سيوة اقتصاديا وسياسيا وعلا شأن سيوة الجنة المفقودة وتركوا لنا قرية غريبة ليس لها مثيل في أي بقعة علي ارض مصر تعرف باسم مدينة شالي‏.‏

ومن المرجح أن دخول الدين الاسلامي إلي سيوة كان قبل نهاية القرن الأول الهجري‏.‏ حيث كان أول ذكر لسيوة في كتابات المؤرخين المسلمين في كتاب ابن الوردي خاردات العجائب فقد ذكر أنه حينما عين موسي بن نصير حاكما علي شمال افريقيا ـ المغرب ـ في زمن الأمويين تحرك إلي ألواح الأقصي أي سيوة مسترشدا بالنجوم وبعد مسيرة سبعة أيام باتجاه الجنوب الغربي‏,‏ وجد مدينة يحيط بها حصن عظيم له أبواب حديدية‏,‏ فصمم علي الاستيلاء عليها ولكنه أخفق فقد أمر بعض رجاله أن يتسلقوا الأسوار لكن كلما وصل أحدهم إلي أعلي السور نظر إلي داخل المدينة وصرخ صرخة عالية وألقي بنفسه إلي الداخل‏.‏ ولم يعرف أحد ماذا كان يحدث‏.‏ ولما رأي موسي بن نصير أنه فشل في تحقيق هدفه قرر أن يتخلي عن المدينة دون الاستيلاء عليها‏,‏ وقد كانت مسيرة موسي بن نصير عام‏708‏ م‏.‏ وهذا يثبت لنا أنه حتي هذا التاريخ لم يكن قد تم فتح سيوة ولم تكن قد دخلت الاسلام بعد‏.‏ وقد ترك لنا المقريزي وصفا لهذه الواحة يقول فيه‏:‏ ونصل الآن إلي بلد صغير يسكنه نحو ستمائة رجل من البربر يعرفون سيوة ولغتهم بالسيوية وتقرب من لغة زنانة وبها حدائق نخيل وأشجار زيتون وتين‏,‏ وبها الآن نحو عشرين عينا تسبح بماء عذب ومسافتها من الاسكندرية أحد عشر يوما‏,‏ ومن جيزة مصر أربعة عشر يوما‏,‏ وهي قرية يصيب أهلها الحمي كثيرا‏,‏ وتمرها غاية في الجودة‏.‏

ونقرأ في التاريخ المحلي لسيوة مخطوط سيوة الذي يوجد لدي إحدي عائلات الواحة تفصيلات عن أصل عائلات هذه الواحة الجميلة وبعض عشائرهم القديمة‏.‏ فقد تضاءل عدد سكان هذه الواحة حتي أصبحوا أربعين رجلا نتيجة لاعتداءات البدو من البربر والعرب‏,‏ وفي النهاية استقر رأيهم علي ترك قريتهم المعرضة لخطر الغزو‏,‏ واختاروا موقعا جديدا وشيدوا فيه قرية جديدة محصنة فوق جبل ليكون في ذلك حماية لهم من أعدائهم ويساعدهم علي الاحساس بالأمن والطمأنينة‏,‏ وليس هذا الموقع الجديد الذي اختاروه إلا مدينة سيوة الحالية والتي يرجع تاريخ تأسيسها كما ورد في المخطوط إلي عام‏600‏ هـ‏/1203‏ م والتي أطلقوا عليها اسم شالي ومعناه‏(‏ المدينة‏)‏ في اللغة السيوية‏.‏

وبدأنا نستكمل قصة شالي لنعرف أن لها مدخلا واحدا فقط لأجل الاطمئنان علي حسن الدفاع عن المدينة إذا هاجم عدو من الخارج ومازال الباب قائما حتي الآن ويسمونه الباب أنشال بمعني باب المدينة وفي الجهة الشمالية من سور المدينة يوجد الجامع القديم ويمكن الوصول عن طريق ذلك الباب إلي ممر صاعد ضيق إلي داخل المدينة‏,‏ وعند زيارتي الأولي للواحة منذ‏4‏ سنوات شاهدت هذه المدينة الرائعة وتعجبت كيف انها ليست تابعة للآثار‏,‏ ولذلك عندما توليت أمانة المجلس الأعلي للاثار تحدثت مع الأثري عبالله العطار رئيس قطاع الآثار الاسلامية في ذلك الوقت عن ضرورة إخضاع شالي للمادة‏20‏ من قانون حماية الآثار وقام العطار ورجاله في القطاع بتحديد المدينة ووصفها وفعلا أصبحت خاضعة للآثار لكي يمكن الحفاظ عليها كمدينة فريدة‏.‏

ونعود إلي وصف شالي لنجد أن المدينة فتح بها باب ثان في الجهة الجنوبية بالقرب من معصرة الزيت وأسموه الباب أترات أي‏(‏ الباب الجديد‏)‏ وكان يستخدم للذين يفضلون تحاشي المرور أمام الأجواد وهم رؤساء العائلات الذين كانوا يقصدون مجلسهم اليومي علي مقربة من المدخل الرئيسي للمدينة

وأعطي فتح الباب الجديد أهل سيوة فائدة كبيرة لأنه لم يكن معروفا لغيرهم وكلما تعرضت مدينتهم لهجوم أو لحصار كانوا يستخدمون هذا الباب سرا للخروج أو الدخول‏.‏ ولما زاد عدد السيويين زادت الحدائق التي غرسوها وزاد ترددهم علي تلك الحدائق‏,‏ فضلا عن ذلك فقد كانت عادتهم في الأصل عدم السماح للنساء بالخروج من أسوار المدينة ولكن مع مرور الزمن كانوا يسمحون لبعضهن بالخروج للمساعدة في العمل أو لنقل ما يلزم من الوقود‏,‏ وكان يتحتم علي هؤلاء النساء ألا يمررن من أمام الأجواد‏,‏ ولذلك استقر الرأي علي فتح باب ثالث بعد مرور قرن من الزمان سمي باب قدوحة وكان لا يسمح للنساء عند خروجهن إلا باستعمال هذا الباب فقط وقد سمي قدوحة نسبة إلي صاحب الدار التي تواجهه وكانوا يشيدون منازلهم بالكرشيف وهو الطين الذي يؤخذ من الأرض المشبعة بالملح‏,‏ وإذا جف يصبح شبيها بالأسمنت في صلابته ولهذا ارتفعت بعض منازل سيوة القديمة إلي سبعة أو ثمانية طوابق‏.‏

وفي عام‏1820‏ م وصلت قوات محمد علي باشا فأتمت فتح سيوة وأخضعتها لسلطة الحكومة ومنذ هذا التاريخ شعر السيويون بالأمن ولم تعد هجمات البدو تهدد حياتهم ولهذا السبب سمح مجلس الأجواد في عام‏1826‏ للأهالي ببناء منازلهم خارج أسوار المدينة إذا شاءوا‏.‏

وفي عام‏1926‏ حدث أن هبطت أمطار غزيرة استمرت ثلاثة أيام متوالية كان من أثرها انهيار بعض المنازل‏,‏ وتصدع الباقي ولهذا لم يجد أصحابها بدا من هجرها خوفا علي حياتهم ومنذ هذا الحادث ترك من بقي من سكان شالي منازلهم القديمة وشيدوا منازل جديدة عند سطح الجبل‏.‏

ومن أهم العناصر المتبقية بالمدينة شالي هو المسجد العتيق ويعتبر أقدم مسجد بسيوة وأنشيء مع المدينة‏,‏ وهو مستطيل الشكل مقسم إلي ثلاث بلاطات موازية لجدار القبلة وله بابان شرقي وغربي وبجدار القبلة يوجد المنبر والمحراب وبه مئذنة ضخمة كبيرة متشابهة مع مآذن المساجد في المغرب والأندلس ذات طراز الصوامع حيث تتميز بأنها مكعبة القاعدة وتتصاعد علي هيئة مربع يضيق كلما ارتفعنا إلي أعلي وتقع المئذنة بالزاوية الشمالية الشرقية للمسجد‏.‏ ويوجد أيضا مسجد آخر يطلق عليه اسم مسجد تطندي شالي الغربيين وأيضا مسجد الشيخة حسنية نسبة إلي منشئته وهي إحدي السيدات من المغرب العربي ويختلف شكل منازل الشرقيين بالمدينة عن الغربيين‏,‏ حيث تتكون منازل الشرقيين من طابقين تزيد إلي عدة طوابق حسب عدد الأفراد يصل في بعض الأحيان إلي ثمانية طوابق وهذا أعطي للمدينة الجمال الفريد‏.‏ أما النوع الثاني وهو منازل شالي الغربية فلا تزال بحالة جيدة نظرا لأنها مأهولة بالسكان وتحتفظ بطابعها القديم‏.‏ هذا يوضح أهمية شالي تاريخيا لأنها تمثل تاريخا غير معروف للواحات المصرية وتعد نموذجا فريدا في البيئة الصحراوية في العادات والتقاليد السائدة بين القبائل التي تقطن هذه المنطقة من شمال أفريقيا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~